أليتيا

خـواطـر فـي الـحُـرِّيّـة المُـكـرَّسـة (2)

© Jespro
مشاركة

نظرة أنثروبولوجيّة مُعاصرة

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar) – إنّ قضيّة الحُرِّيّة تشغل بال الجميع، لا سيّما المُكرَّسين لأنّ مُتطلِّبات تكريسهم قد تبدو لبعضهم مُتنافية وحُرِّيّتهم. فما هي حقيقة وضع حُرِّيّتهم؟ بما تتميّز مُقوِّماتُها؟ كيف يفهمونها ويعيشونها؟… نبغي إلقاء نظرة أنثروبولوجيّة – أي إنسانيّة – مُعاصرة – أي غير تقليديّة – على تلك القضيّة الحيويّة.
وفي سبيل ذلك، سنقتفي أثر أبعاد الكنيسة الثلاثة التقليديّة: الكهنوتيّة والنبويّة والمَلَكِيّة، كما أوضحها المجمع الفاتيكانيُّ الثاني، وقد سبق أن استخدمناها في كلامنا على الحياة المُكرّسة بوجه عامّ، والمشورات الإنجيليّة – من فقر وتبتُّل وطاعة – بوجه خاصّ، فتلمّسْنا خُصوبة اعتمادنا المنهجيِّ عليها، إذ إنّها تشمل جميع أوجه المسيرة التكريسيّة ومُعايشتِها ومُختلف جوانبها، بل وتدمج التكريس في داخل سِرِّ المعموديّة، باعتبار حياة التكريس – من كهنوت خِدَميٍّ وحياة رهبانيّة – نمطًا من أنماط الحياة المسيحيّة التي يؤسِّسها سِرُّ المعموديّة.

ثانيًا – حُرِّيّة مُموقَفة في الزمن النبويّ
يُخاطب النبيُّ الشعب بكلمة من الله، فإنّه يُذكِّره بعهد الله (الماضي) عِندما يبتعد عنه (في حاضره)، كما أنّه يُعلن له وعدَ الله (المُستقبليّ) عِندما يمرُّ بالشّدائد والمِحن، فيُعزّيه بكلمة من الله. ذلك بالتمام ما قام به يسوع، وهو نفسه كلمة الله، سواء في تطويباته أو في لعناته (لو6: 20-26). وقد كلّف كنيسته بالرِّسالة عينها، رِسالة التعزية والتنديد. فلا غرابة أن تتّسم الحُرِّيّة المُكرَّسة بتِلك السِّمة النبويّة، إذ تقوم بهذه الرِّسالة وتّذكِّرها للبشر، بقدر ما هي ذاكرة إنجيليّة حيّة، كما رأيناه؛ فلنتجوّل في الأوقات الزمنيّة الثلاثة، مُتحرِّين عن ذلك البُعد النبويّ.

* الحُرِّيّة المُكرَّسة والمُستقبل النبويّ
إنّ الكلمة النبويّة الفاصلة هي تعبير بولس: "الزمن يتقاصر"، وذلك بين مجيء كلمة الله في سِرِّ تجسُّده، ومجيئه الثاني في سِرِّ مجده؛ وبالتالي، يتّصف كُلُّ شيء في هذه الحياة الدُّنيا بالنِّسبيّة أمام ذلك الحدَث الإسكاتولوجيِّ المُطلق، وهو غاية التاريخ البشريّ ونِهايته (Teleologia). ويصف بولس نتائجه في الحاضر البشريّ: "فمُنذ الآن، ليكن الذين لهم امرأة كأنّهم لا امرأة لهم، والذين يبكون كأنّهم لا يبكون، والذين يفرحون كأنّهم لا يفرحون، والذين يشترون كأنّهم لا يملكون، والذين يستفيدون من هذا العالم كأنّهم لا يستفيدون حقًّا، لأنّ صورة هذا العالم في زوال" (1 قور 29-31). لا يعني كلام بولس عدم جدوى الحياة الدُّنيا، كما تدّعيه بعض الفلسفات والدِّيانات من الشرق الأدنى، بل إنّه يُقرُّ بنِسبيّة العالم الذاهب إلى الزوال مُقارنةً بعالم الآخرة الدائم، فيُجاهر كلامُ بولس بالتحرُّر من عُبوديّته، لتستطيع الحُرِّيّة أن تعيش مِلء دعوتها البشريّة.
في ضوء هذه النظرة الإسكاتولوجيّة، تُضفي الحُرِّيّة المُكرّسة معنى على عالم الدُّنيا، وتُكسبها عُمقًا وغِنًى، ما لا يظهر لِمَن يعيشون حياتهم مُنغمسين في حياة الحاضر – في ’الحاضريّة‘ – بدون تطلُّع مُستقبليّ، ولا نظرة إلى الأعماق، ولا إحساس بالحياة الباطنيّة، أي بدون تلك الكثافة البشريّة المحجوبة بسبب انخراطهم الأعمى في المادّة. هكذا تُصبح الحُرِّيّة المُكرَّسة نموذجًا ومِثالًا للحُرِّيّة المُكتمَلة، بل إعلانًا وصرخة بأنّ العالم أعظم ممّا يتصوّره الناس، بل وممّا يعيشونه بسطحيّة مؤسفة وتسطُّح مُخذِل يُفقدان معناه الحقيقيّ.

* الحُرِّيّة المُكرَّسة والحاضر النبويّ
وحتّى لا تُصبح تلك النظرة عُرضةً للخيال والأوهام، عليها أن تتجسّد في واقع حاضر البشر، في خِضمِّ مُمارستهم حُرِّيّتَهم. وهُنا أيضًا تقوم الحُرِّيّة المُكرَّسة بدورها النبويِّ، إذ تعيش شخصيًّا، فتُذكِّر الآخرين بأنّ الحاضر موضع لقاء الله، وليس موضع مُعايشة الحياة الدُّنيا فحسْب.
تأتي إلى ذِهننا كلمةُ الأنبياء المُتواترة: "اليوم، إذا سمعتم صوت [الله]، فلا تُقَسُّوا قُلوبكم". وعِندما دخل يسوع مجمع الناصرة حيث نشأ وترعرع، وقرأ نُبوءة أشعيا، قال لأهل المجمع، إذ كانت "عُيونهم شاخصة إليه: ’اليوم تمّت هذه الآية بمسمع منكم‘." (لو 4: 14-30). ففي اليوم الحاضر، وفي صميم الحياة الدُّنيا، إمكانيّةُ تشييد علاقة شخصيّة بالله بالإصغاء إلى كلمته.

بالفِعل إنّ الحُرِّية المُكرَّسة تعيش مِلء (Plerôma) "اليوم"، بكُلِّ ما يتضمّنه من ثراء ومن مُفاجأة: وذلك اليوم هو "الزمن المُناسب" (باليونانيّة: Kairos – Kairologia: 2 قور 6: 2) حيث تعيش الحُرِّيّة الزمنَ الحاضر بروح المسؤوليّة والخزفيّة والتأثُّريّة التي سبق أن اكتشفناها، وهي سِماتها في العالم الحاضر، وتُحقِّق دعوتها ورِسالتها (الكهنوتيّة والنبويّة والملكيّة)، وتشهد عليها للآخرين. فالزمن النبويُّ مُناسب للمِلء، مِلء الحياة، لا حياة مُزيّفة، مبتورة، مُلتبسة، مُنغلقة على نفسها؛ ومِلء الحُرِّيّة المدعوّة إلى أن تتجاوز ذاتها وحاضرها المُكتفي بنفسه.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً