Aleteia
الإثنين 26 أكتوبر
نمط حياة

خـواطـر فـي الـحُـرِّيّـة المُـكـرَّسـة

jespro.org

jespro - تم النشر في 15/06/14

نظرة أنثروبولوجيّة مُعاصرة

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar) – إنّ قضيّة الحُرِّيّة تشغل بال الجميع، لا سيّما المُكرَّسين لأنّ مُتطلِّبات تكريسهم قد تبدو لبعضهم مُتنافية وحُرِّيّتهم. فما هي حقيقة وضع حُرِّيّتهم؟ بما تتميّز مُقوِّماتُها؟ كيف يفهمونها ويعيشونها؟… نبغي إلقاء نظرة أنثروبولوجيّة – أي إنسانيّة – مُعاصرة – أي غير تقليديّة – على تلك القضيّة الحيويّة.

وفي سبيل ذلك، سنقتفي أثر أبعاد الكنيسة الثلاثة التقليديّة: الكهنوتيّة والنبويّة والمَلَكِيّة، كما أوضحها المجمع الفاتيكانيُّ الثاني، وقد سبق أن استخدمناها في كلامنا على الحياة المُكرّسة بوجه عامّ، والمشورات الإنجيليّة – من فقر وتبتُّل وطاعة – بوجه خاصّ، فتلمّسْنا خُصوبة اعتمادنا المنهجيِّ عليها، إذ إنّها تشمل جميع أوجه المسيرة التكريسيّة ومُعايشتِها ومُختلف جوانبها، بل وتدمج التكريس في داخل سِرِّ المعموديّة، باعتبار حياة التكريس – من كهنوت خِدَميٍّ وحياة رهبانيّة – نمطًا من أنماط الحياة المسيحيّة التي يؤسِّسها سِرُّ المعموديّة.

أوّلًا – حُرِّيّة مُتجسِّدة في الوضع البشريِّ الكهنوتيّ
إنّ الكاهن في العهد القديم هو الذي يُقدِّم إلى الله الذبائح باسم الشعب، عن خطاياه وعن خطايا الشعب. ولمّا تجسّد الله الكلمة في مِلء الزمان، أصبح "الكاهن الأعظم" – كما تشرحه الرِّسالة إلى العِبرانيّين – هو الذبيحة – ذبيحة حياته، لا ذبيحة حيوان، فأبطل الذبائح الحيوانيّة تمامًا – كما أصبح الكاهنَ الذي يُقدِّمها إلى الآب باسم البشريّة كلِّها. ولقد أشرك كنيسته في رِسالته الكهنوتيّة هذه، وتجعل الكنيسة المُعمَّدين كهنة بنيلهم سِرّ المعموديّة. فكيف يعيش المُكرَّسون حُرِّيّتهم في ضوء كهنوتهم هذا؟

* أساس الحُرِّيّة المُكرَّسة الكهنوتيّة
ركّزت النهضة الأوروبِّيّة في القرن السادس عشر – وهي بدايةُ العُصور الحديثة، بعد العُصور الوُسطى – علىاستقلاليّة الإنسان تُجاه الله والكون، فهو، الكائن الحُرُّ، سيِّد حياته ومصيره، ومنبع قراراته وقِيَمه، ومرجع تصرُّفاته وأفكاره. وعليه، فقد اعتبرت الفلسفةُ المُعاصرة الحُرِّيّةَ أصلَ الإنسان وجوهرَه وكيانَه، بل وهدفَ حياته. فما هو وضع المسيحيّة بعامّة والتكريس بخاصّة؟

تعترف المسيحيّة بقيمة الحُرِّيّة البشريّة بنظرة مُختلفة عن النظرة المُعاصرة، ذلك بأنّها تعتبر أنّ الله قد خلق الإنسان "على صورته كمِثاله"، ولا سيّما أنّه كائن حُرٌّ حُرِّيّةً أصلُها ومنبعُها الله نفسه، مرجعُها وغايتُها الله خالقه. ومن ثَمَّ، فعلى الإنسان، ولا سيّما المُكرَّس، أن يقتبل حُرِّيّته من الله، تمامًا مِثلما يقتبل الابن الأزليُّ إلادتَه وذاتَه وكيانَه من الله أبيه[1].

وإنّ حُرِّيّة الإنسان تجعله أصلًا "يتّجه" نحو الله (باللاتينيّة: Tendere  )، بحسب القِدّيس أوغسطينس (354-430)  .   فجوهر حُرِّيّته أنّها "مُتّجهة نحو الله"، وهي تبحث عن الله بحثًا مُستديمًا لأنّه هو مصدرها وصانعها، وهو "يبحث عن مَن يهرب منه، ويهرب مِمّن يبحث عنه". وكذلك، بجسب القِدّيس غريغوريوس النيصيّ (حوالى 335-حوالى 394)، يتميّز الإنسان بـ"التمطِّي" نحو الله (باليونانيّة: Epectasis  )، بناء على كلمة بولس: "أنسى ما ورائي، وأتمطّى إلى الأمام" (فل 3: 13)؛ حتّى أصبح لفظ ’التمطّي‘ مُصطلحًا تصوُّفيًّا للدلالة على اتِّجاه المُتصوِّف نحو الله.

وإن كان الله أصلَ (باليونانيّة: Protologia  ) الحُرِّيّة البشريّة، فهو غايتها (Teleologia  ) أيضًا. فكما اعتبر يسوع أنّ "جميع ما هو لـ[ه] فهو لـ[لآب]" (يو 17: 10)، بل وأنّه "خرج من الله، وإلى الله يمضي" (يو 13: 3)، كذلك تُوجِّه الحُرِّيّةُ البشريّةُ ذاتَها نحو الله، غايتِها. فيكمن معناها الأقصى وهدفها الأسمى في الله، بتسبيحه وإكرامه وخِدمته. فلم يعُد مُبتغاها تحقيق ذاتها ومشاريعها ومآربها فحسْب، كما تدّعيه الفلسفة المُعاصرة، بل تحقيق مشيئة الله التي تُمثِّل للمسيحيِّ – شأنه شأن يسوع المسيح نفسه- مشيئتَه الشخصيّة (مر 3: 35//، عِب 10: 7-10) في قرارات حياته المُهمّة، بل وطعامَه (يو 4: 32-34) وعطشَه (يو 19: 28) في نسيج حياته اليوميّة.

هكذا يعيش المُكرَّس ملحمة تأصُّل حُرِّيّته في الله. ولمّا كان ذلك وضعَ أيِّ مسيحيٍّ، فدور المُكرَّس أن يُذكِّر سائر المسيحيّين بوضعهم هذا، بقدر ما المُكرَّس هو "ذاكرةُ الكنيسةِ الإنجيليّةُ"، بحسب جان كلود غيه اليسوعيّ (Jean-Claude Guy, sj  )، بمعنى أنّه يُذكِّر المسيحيّين بالإنجيل إذ يعيش مُتطلِّبات الإنجيل بحرفيّتها في المشورات الإنجيليّة.

  • 1
  • 2
  • 3
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
ST RITA ; CATHOLIC PRAYER
أليتيا
صلاة رائعة إلى القديسة ريتا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً