أليتيا

البابا فرنسيس يعلمنا لغة “العلامات” بعيداً عن ضجيج الخطابة

AP Photo/Dusan Vranic
مشاركة

تحليل لعظة البابا فرنسيس في بيت لحم

بيت لحم / أليتيا (aleteia.org/ar) – اختيار لا يدهشنا من شخص مثل البابا فرنسيس، حيث جمع في عظة قداس ساحة المهد في بيت لحم الجوانب المختلفة لما ارتقب ويرتقب كثيرون من زيارة حجه إلى الأرض المقدسة.
لم يغب الطابع الروحي ببساطة لغة فرنسيس ووضوحها، ومباشرتها التي تفتح الأعين والقلوب والأذهان على حقائق بينة قد يخفيها ضجيج حياتنا "والمصالح الشخصية وجشع المال". من الطبيعي والذكي والحساس أن يركز عظته في مكان ميلاد يسوع على الطفل الذي أرسله الله لنا علامة، وأن يقارن هذا الطفل بأطفال عالم اليوم الذين هم بالنسبة للحبر الأعظم "علامة" بدورهم، "علامة رجاء، علامة حياة، ولكن أيضاً علامة "تشخيص" للتعرف على الحالة الصحية لعائلة، لمجتمع، للعالم بكامله".
 
أوليست هذه المقارنة مدخلاً رقيقاً للانتقال من الحديث عن ربنا ومخلصنا يسوع المسيح، "الكلمة التي صارت جسداً، جاءت لتغير قلب الإنسان وحياته"، إلى التطرق إلى تطبيق رسالته على أرض الواقع، رسالة الرحمة والمحبة، الاحتضان والحماية؟ ومَن أولى بهذه المحبة من الأطفال الذين يبكون شأن ما بكى يسوع الطفل يدفعه الجوع والشعور والبرد؟
 
وكعادته تناوب البابا فرنسيس الحديث المباشر عن قضايا بعينها، والتلميحات التي تعمل كقطرات صغيرة يشارك كل منها في مساعدة جدول الإيمان العذب على مواصلة الجريان. فعالم اليوم يمتلئ بتصرفات لا يمكن إلا أن تُسمى بمسمياتها وتدان بحزم وبساطة، شأن ما يفعل البابا فرنسيس وما فعل في عظته هذه أيضاً. ها هو يدين عالماً "يلقي يومياً بأطنان من الغذاء والأدوية"، بينما "هناك أطفال يبكون دون جدوى جراء الجوع وبسبب أمراض يسهل علاجها"، وزمناً "يعلن حماية القاصرين"، بينما "يتم الاتجار بأسلحة ينتهي بها الأمر في أيادي أطفال جنود. وتباع منتجات صنعها عمال عبيد صغار".
 
مياه البحار، وخاصةً مياه البحر المتوسط، كانت أداة في عظة الأب الأقدس لإيقاظ الضمائر، بعبارة قصيرة وبسيطة ومؤثرة، أمام ظاهرة الهجرة التي يروح الكثير ضحاياها، ومن بينهم الأطفال. ومن القطرات االأخرى التي أضافها إلى جدول الإيمان باختصار مفيد، متطرقاً إلى قضية تهتم بها الكنيسة بشكل كبير هذه الجملة: "واليوم أيضاً يحتاج الأطفال إلى أن نستقبلهم وندافع عنهم منذ وجودهم في أحشاء أمهاتهم". أليس هذا تأكيداً على "المعركة" التي تخوضها الكنيسة دفاعاً عن الحياة أمام "ثقافة موت وإقصاء"؟، فالإشارة هنا واضحة إلى الإجهاض وقتل الأجنة واستغلالها لأغراض يقال إنها "علمية".
 
أما مَن عول على هذه الزيارة الكثير من وجهة النظر السياسية فعليه التمتع بحكمة أن يرى في عظة البابا فرنسيس هذه، وفي هذا المكان تحديداً، "علامة" أخرى، إذا سمحنا لأنفسنا باستعارة كلمة الأب الأقدس، علامة رجاء.
فحديث البابا عن الأطفال بشكل عام في هذا المكان المقدس جعل أطفال الأرض المقدسة، وما يعانون منه، جزءً لا يتجزأ من "عالم" علينا أن نتخذ منه موقفاً محدداً، إنها وسيلة ناعمة جداً لإخراجهم من العزلة والنسيان، وذلك لإنه أيضاً حديث عن مستقبل لا يمكن إلا أن يكون مستقبل سلام.
ثم جاءت كلمته في ختام القداس داعياً الرئيسين الفلسطيني والإسرائيل للصلاة في "بيتي في الفاتيكان" ليؤكد حكمة سياسية للحبر الأعظم، ويؤكد أيضاً "استراتيجية" مختلفة، كلمة قد لا تعجب فرنسيس على الأرجح، العمل في صمت وهدوء، وهو ما قد يحدث صدمات أقوى وأكثر فعالية مقارنةً بلغة الخطابة والإدانة. إنها استراتيجية عملية تعني تحديد البابا الاختيار الذي دعا الجميع إلى اتخاذه أمام مآسي الأطفال (وباعتبارهم علامة شأن يسوع الطفل فهم يمثلون البشر جميعا)، ما بين أن نكون "خطابيين متباكين يستغلون صور الأطفال الفقراء من أجل الربح"، أو "قادرين على الاستماع إليهم، حراستهم، أن نصلي من أجلهم ومعهم".
 
لم تتطرق العظة إلى أوضاع مسيحيي الشرق، لكن الفرح السائد وسط الجموع كان الدليل الأكبر على لمس المسيحيين قرب البابا منهم. ثم هناك إشارة أخرى بكلمات قليلة إلى عمل الجماعة المسيحية والمؤسسات والهيئات الكنسية من أجل مساعدة الجميع، وذلك حين ذكر البابا معهد إيفيتا بولس السادس وما يقدم من رعاية للأطفال الفلسطنيين الصم والبكم مثلاً على "علامات صلاح الرب".
 
يبدو أن علينا تعلم قراءة أحاديث وأفعال الأب الأقدس بشكل جديد، وهو ما يُعدنا لتعلمه بشكل تدريجي وفعال، علينا قراءة "علاماته".
 
يا مريم، يا أم يسوع
يا من استقبلتِ، علمينا أن نستقبل
يا من عبدتِ، علمينا أن نعبد
يا من تبعتِ، علمينا أن نتبع
آمين

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

النشرة
تسلم Aleteia يومياً