Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر
أخبار

موارنة، وسط البحار.

ماهر بطيش

أليتيا - تم النشر في 29/04/14

خبرة وزيارة ميدانيّة، لأبرشيّة قبرص المارونيّة

أنطلياس / أليتيا (aleteia.org/ar). من المخجل أن تهمّ بالسفر إلى أحد البلدان من غير التدقيق والبحث في واقع المجتمع وتاريخه وطبيعة الحياة فيه. ولكن في بعض الأوقات، علينا أن ندرك أنّ الوسائل البحثيّة التي تزوّدنا بالمعلومات الجغرافيّة، تُفقدنا  دهشة المشاهدة وآفاق التوقّع.

هذه الدهشة التي حملتني بعيداً في آفاق حركة التبادل الثقافي والديني، جعلت من خبرتي الأولى مع موارنة قبرص، نافذةً على مجتمع جديد قديم، على جماعة علّمتني حبّ الوطن وهي خارج الوطن.

إنّه مجتمعٌ جديدٌ بالنسبة إليّ، فلمّ أكن في زيارة إلى وادي قاديشا أو إلى بلدة القوزح في جنوب لبنان، حيث تختلف التقاليد الإجتماعيّة والتعابير اللغويّة  وطُرق الإحتفال الديني عن واقع الذي نعيشه في منطقة جبل لبنان، إختلافاً بسيطاً وملحوظاً. هذا المجتمع المارونيّ الذي يتلألأ على أحد جبال قبرص الشماليّة  في قرية "كورماكيتيس" يتطلّب منك أن تجتاز أكثر من 70 
كيلومترا شمال مدينة لارنكا، لكي تعبر الحدود  المرسومة ما بين ما يعرف بجمهوريّة شمال قبرص التركيّة وجمهوريّة قبرص، هذه الحدود التي تركت بصماتها على وجوه الموارنة الذين يعيشون خلفها. بصمات تلطّخت بألم الشهادة والمجاعة والتهجير والصمود وانعكست على موارنة الجزيرة تأصّلاً إيمانيّاً وحبّاً للأرض  وشغفاً بالمستقبل. 

وفجأة يظهر في الأفق أمامنا جبل قرن أيطو، ولكننا لسنا طبعاً في قضاء زغرتا، إنّما كنّا ننظر إلى قرية "أيا مارينا" القابعة في 

سفح جبل من جبال البنتاداكتيلوس، هذا الجبل المسمّى على إسم الأصابع الخمسة والذي يرسم حدوداً لآفاق النظر، حمل في ملامحه آثار الصمود والمشقّة في البحث عن لقمة عيش والحفاظ على الإيمان. لمّ تمرّ هذه الدهشة مروراً سريعاً بل سارعت الصديقة التي ترافقنا لتبدي رأيها قائلةً: "نعم إن الموارنة مع مجيئهم إلى قبرص من لبنان، إختاروا مناطق مشابهة لقراهم في لبنان وأقاموا فيها". 

وها نحن نصل إلى قرية "كورماكيتس" التي لا تختلف كثيراً عن قرى لبنان، فهنا، في وسط القرية، كنيسة القديس جرجس، وهناك في ساحتها المتاخمة للكنيسة قهوة مزيّنة بصور رؤساء الجمهوريّة اللبنانيّة تحمل في قلبها أرزة لبنان، بعيداّ قليلاً عن التجمع السكاني، يتدفق نبع مياه سميّ "عين باردة". هذا المشهد اللبنانيّ لا يكتمل إلّا بعدما يستقبلك أهالي قرية كورماكيتس بعبارة "أهلاً"، "المسيخ قام"، فلولا هذا الخاء في كلمة المسيح لكنت تأكدت بأنني في لبنان، هذا الحرف الذي يشهد على ألف سنة من حركة التبادل اللغوي والتمسّك باللّغة والحفاظ عليها بين خليطٍ من اللغات اليونانيّة، والتركيّة عبر الزمن. وفجأةً يلاقيق شابٌ ليخبرك ببسمة بأنه هو يتحدّر من عائلة أتت من قرية كور في لبنان. حركة الإنتقال هذه جعلت لها اسطورة ترسخت في نصبٍ تذكاريٍّ يشهد للرواية الأكثر شيوعاً حول أصل تسمية هذه القرية. إنهم أهالي قرية كور الواقعة في شمال لبنان، أتوا كلّهم وأتوا معهم بتقاليدهم ولغاتهم العربيّة وبصلاتهم السريانيّة وبطائفتهم المارونيّة وبكنيسة مار جرجس وبعين مياههم الباردة، ولكن كور لم تأتِ فقال لها في ذلك الحين أهل القرية القبرصيّة الجديدة، "نحنا جينا و كور ما جيت (كورماجيت)".

ومع هذه الدهشة في طبيعة هذه القرية، بدأنا بالإحتفال بقداس إثنين الفصح. وإذا بجوقة المرنمين، تحمل كتاباً مكتوبأً بالحروف اليونانيّة ومقروءاً باللغة العربيّة. إنّهم طبعاً الموارنة، هم الذين استحدثوا كتابة اللغة العربيّة بالحروف السريانيّة لإنقاذ اللغة العربيّة من سياسة التتريك العثمانيّة، هم نفسهم تمسّكوا بلغتهم الأمّ وبليتورجيّتهم السريانيّة فحافظوا على ألفاظها وألحانها وتقويّاتها الشعبيّة وروحانيّة صلاتهم في وجه مرور الزمن. فباتت الصلاة كهويّة وجوديّة لهم، حافظوا على لغتهم بقدر ما حافظوا على إيمانهم شهادة لحفاظهم على إيمانهم، وإرتباطهم بجذور الوطن الأمّ, 

أمّا أنا، أمام هذا الدهشة، فماذا أقول لأهل كورماكيتس، لقد طورنا اللغة العربيّة فأصبحنا نكتبها بحرف لاتينيّ لا يفهمه إلّا الجالس على وسائل التواصل الاجتماعي؟ هل أقول لهم أن الإيمان أصبح في الكثير من الأوقات إصطفافاً سياسيّاً؟ أو أقول لهم أن شبابنا يقفون أمام السفارات، ليس ليدخلوا إلى أرض أجدادهم كما أنتم فاعلون على النقاط العسكريّة التركيّة، بل لإستعطاء الجنسيّات الأجنبيّة؟ ماذا أقول لهذا الشاب الذي أتى إليّ متفاخراً بأنه زار لبنان مرتين، هل أقول له أن أهل لبنان لا يفكرون مرّتين في ترك وطنهم ونكران أصول إيمانهم ولغتهم؟ هل أقول لهم أنّ لغتنا العربيّة باتت خارج موضة العصر فأصبح أطفالنا يتكلّمون الفرنسيّة والإنكليزيّة ولا يعرفون شيئاً عن لغتهم العربيّة؟

لكم تحيّةً يا موارنةً وسط البحار،  علمتمونا الكثير وإليكم وعوداً بالقليل. 

إلى اللقاء

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً