Aleteia
الجمعة 23 أكتوبر
روحانية

"هوشعنا، مبارك الملك الآتي باسم الربّ" (يو12: 13)

البطريركية المارونية

أليتيا - تم النشر في 13/04/14

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي، أحد الشعانين العظيم - بكركي، الاحد 13 نيسان 2014

بكركي / أليتيا (aleteia.org/ar). يسعدنا أن نحتفل معكم ومع أطفالكم وشبيبتكم بعيد الشعانين، فنُحيي فيه تذكارَ دخولِ الربِّ يسوعَ إلى أورشليم، واستقبالِه الهاتفِ العفوي من الجماهير "كملكٍ آتٍ باسمِ الرب". دخلَ المدينة لآخرَ مرّة قبلَ آلامِهِ وموتِهِ وقيامتِه، مُعلنًا، من خلال هُتافات الجمع أنّه ملكُ المحبّةِ التي بلغتْ ذُروتها بموتِه على الصليب لفداء البشر أجمعين، وملكُ السلام الذي انتشرَ على الأرض بقيامته. فوُلدتْ من موته وقيامته مملكةُ المسيح التي هي الكنيسة. وبدأ معها ملكوتُ الله على الأرض وسيكتملُ في ملكوت السماء.

نباركُ في هذا الاحتفال الليتورجي الشموعَ وأغصانَ الزيتون، ونسيرُ في تطواف، إحياءً للتطواف الذي استقبل به الكبارُ والصغارُ الربَّ يسوع في أورشليم. لكنّنا في الوقت نفسه، نستقبلُه في أعماق نفوسنا، في عائلاتنا ومجتمعِنا، في كنيستنا ووطننا. إنّه الحقيقةُ المنيرة، والنِّعمةُ الشافية، والمحبّةُ المُحيية. ونردّد الهتافَ، الذي يتواصل جيلاً بعد جيل، "هوشعنا، مباركٌ الملك الآتي باسم الرب"(يو12: 13).

2. إلى مملكة المسيح ننتمي بالمعمودية، وفي ملوكية المسيح نشارك بمسحة الميرون، فطُبِعْنا بثقافة الحبِّ والسلام، وبثقافة البساطة والتواضع. إنّها ثقافةُ المسيح التي تزرع الطُّمأنينة في القلوب، وتنتزعُ الخوفَ من النفوس، وتولّدُ الثقة. بفضل هذه الثقافة ومن وحيها، كان للمسيحيين في لبنان الدورُ الأساسُ في خلقِ الثوابت الوطنية الثلاث: العيشِ المشترك بين المسيحيين والمسلمين، والميثاقِ الوطني وصيغته التطبيقيّة. وقد تبسّطنا بمضمونها في المذكّرة الوطنيّة التي أصدرناها.

فالعيش المشترك يرتكز على الانتماء الوطنيّ لا الدّيني، وعلى التعدّدية في الوحدة، والمساواةِ في الحكم والإدارة. والميثاقُ هو تكريسُ هذا العيشِ المشترك، وهو شريعةُ الحياة الوطنيّة وروحُها. والصيغة التطبيقيّة هي الضامنةُ للعيش المشترك والميثاق؛ وقد جاءت حصيلةَ تجربةٍ تاريخية أثبتتْ أنَّ لبنان لا يقوم إلا بجناحَيه المسيحيّ والمسلم. نحن نرجو أن يكون لبنانُ المثالَ والنموذجَ لبلدان الشرق الأوسط الباحثة عن هويتها[1]، آملين أن تصل إليها عن طريق الحوار والتفاهم، لا عن طريق العنف والحرب.

دخل يسوعُ أورشليمَ ملكًا روحيًّا متواضعًا مُحبًّا. وقد تمّت فيه نبوءةُ زكريا التي كُتبتْ عنه من قبل خمسماية سنة: "لا تخافي يا بنتَ صهيون، هوذا ملكُك آتٍ راكباً على جحشٍ ابن أتان"(يو12: 15؛ زكريا9:9). ملكٌ يكسرُ أقواسَ الحرب، ملكُ السّلام، ملكُ البساطة، ملكُ الفقراء. مملكتُه لا حدودَ لها، لأنّها تشمُلُ كلَّ الأرض، وتتّسع وسع البشريّة السائرة على مجرى التاريخ. هذه المملكة تحقّقتْ في الكنيسة الجامعة، كنيسةِ يسوع المسيح؛ وتظهرُ في الجماعة المسيحيّة الملتئمة حول الإفخارستيا، حيث تتعلّم المحبّة والتواضعَ والسلام والأخوّة والبذلَ والعطاء، فتنشر هذه القيَم في محيطها وفي الثقافات، وتبني بها مجتمعًا جديدًا.

إنتماءُ المسيحيّين إلى الكنيسة، مملكةِ المسيح الجديدة، يعطيهم ثقافةَ الوحدة وجمعِ الشمل، وثقافةَ الانفتاح على جميع الأديان والثقافات والحضارات. في كلّ مرّة يخرجون عن هذه الثقافة، إنّما يتنكّرون لهذا الانتماء. فالتفرقة والانقسام والعداوة ورفضُ الآخر وإهمالُ ثقافةِ الآخرين وحضارتِهم، كلُّها تتنافى والروحَ المسيحيّة والثقافةَ المسيحيّة التي تبثّها وتعلّمها الكنيسة.

رموزُ عيد الشعانين، شموعٌ وسَعَفُ نخلٍ وأغصانُ زيتون.
الشموع تذكِّرنا بنور حقيقة المسيح التي تُضيء حياتَنا ودروبَنا؛ وسعفُ النخل، المعتمدة لاستقبال الملوك، تذكِّرنا بالولاء للمسيح ملكِنا الوحيد، والالتزام بنشر محبّته وعدالته وقيَم إنسانيّته؛ وأغصانُ الزيتون تذكّرنا برسالة السلام والحوار والتعاون.

صلاتُنا اليوم أن نحمل جميعُنا بركةَ العيد، شمعةً وورقةَ نخلٍ وغصنَ زيتون، إلتزامًا منّا بهذه الرسالة، وأن يحملَها في أيديهم وقلوبهم المسؤولون السياسيّون، ولا سيما نوابُ الأمّة ووزراءُ الحكومة. ونصلّي لكي يستمدّوا، من وَحيها، القراراتِ في بتِّ الشؤون الوطنيّة العالقة. وبذلك يزرعون الطمأنينةَ والثقة في قلوب المواطنين، فلا يضطرّوا للّجوء إلى إضرابات وتظاهرات، وكأنَّ الشعبَ في حالةِ عداءٍ مع الذين محضوهم ثقتَهم ووكلوا إليهم خدمةَ خيرهم العام خير الوطن.

إنّ الأنظارَ تتّجه نحو المجلس النيابي الذي سَيَبُتُّ، بعد غد، مشروعَ سلسة الرتب والرواتب. وقد أنجزت إعدادَه اللجانُ المشتركة، ووضعتْ التقريرَ النهائي اللجنةُ الفرعية المنبثقة من هذه اللجان. نأمل من المجلس النيابي أن يوازن تمامًا بين ثلاثة هي: حقوقُ الشعب، وإمكانيّاتُ الدولة، والإصلاحاتُ اللازمة. فالعدالة تقتضي أن يُعطى الشعبُ حقوقَه؛ والدولة مسؤولة عن توفير إمكانياتها من دون أن تُرهِقَ المواطنين بمزيدٍ من الضرائب، أو تزعزعَ المؤسسات الخاصّة التربويَّة والمصرفيّة والسياحيّة التي هي ضمانة البلاد؛ والإصلاحاتُ توجبُ على المجلس النيابي والحكومة إتّخاذَ القرارِ الجريء بالتزامها. فتضبُطُ هدرَ المال العام بضبطِ مداخيلِ الدولة وحصرِ النفقات، وتُجري المحاسبة العموميّة؛ وتضعُ الموازنة السنويّة، وتفعّل أجهزةَ الرقابة، وتملأُ الشواغرَ في المؤسّسات العامّة من أجل إعادة الروح إلى الدولة. فتفتحُ هكذا آفاقَ الأمل أمام أجيالِنا الطالعة، وتُحسِّنُ دخل شبابنا المتخرّجِ سنويًّا من جامعاتنا.

ونتطلّعُ جميعًا إلى أن يعلنَ رئيسُ مجلس النواب في اليومَين المقبلَين بدايةَ الجلسات لانتخاب رئيسٍ جديد للجمهوريّة يكون على مستوى التحدّيات السياسيّة والاقتصاديّة والامنيّة الراهنة. فهو الضمانةُ لشرعيّةِ جميع المؤسّسات الدستوريّة، وللدفع بالدولة إلى الأمام، ولفتح آفاقٍ جديدة في حياتنا الوطنيّة. إنَّ حُسن اختيار الرئيس الأنسب والأجدر للبلاد يقتضي المتَّسعَ اللازمَ من الوقت للاقتراعات والتشاورات.

إنَّ أجملَ ما نُهدي أطفالَنا وشبيبتَنا في عيدها هذا، أسبابُ الفرحِ والرجاء بمستقبل أفضل في وطنهم لبنان. ولنهتفْ من صميم القلب للمسيح، ملكِ الملوك وأميرِ الخلاص والسلام: هوشعنا، يا ربُّ خلّص شعبك، مباركٌ الملك الآتي باسم الرب، ولنرفعَ للثالوث المجيد الآب والابن والروح القدس، نشيدَ التسبيح والشكران، الآن وإلى الأبد، آمين.

________________________________________
[1]  راجع "المذكِّرة الوطنيّة"، الفقرات 4-8.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
البطريرك الراعيالبطريرك مار بشارة بطرس الراعي
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً