Aleteia
الأحد 25 أكتوبر
نمط حياة

خلافًا لكلّ الاحتمالات: ولادتان غيّرتا قلبي

Rusty Grass

أليتيا - تم النشر في 28/03/14

ها هما يُعطيانني أكثر من ما يمكنني اعطاءهما

أليتيا (aleteia.org/ar). أُصادف في بعض الأحيان أمورًا تتحدى الحقائق العلميّة الطبيّة وهذا ما حصل معي مرتَين هذا الشهر عندما شهدت على ولادة طفلَين مصابَين بمتلازمة داون في يومَين متتاليَين علمًا أنّه من النادر جدًا ان أشهد ولادات لأطفالٍ مصابين بهذه المتلازمة والمرة الأخيرة ترقى الى أكثر من خمس سنوات.

تعتبر اختبارات ما قبل الولادة الخاصة بمتلازمة داون دقيقة 100% فمعدل السلبيّة الخاطئ أي عدد الأمهات اللواتي قيل لهن أن ولدهنّ لا يُعاني من متلازمة داون في حين هو مصابٌ بها فعليًّا – لا يتخطى الـ1% فتُتاح بالتالي امكانيّة معرفة ما إذا كان الطفل مصابًا قبل الولادة بفترةٍ طويلة إلاّ ان الحالة التّي شهدتها مختلفة كلّ الاختلاف.

شكل تشخيص الطفلة بمتلازمة داون عند الولادة صدمةً كبيرة علمًا ان والدتها كانت قد خضعت لابرز اختبارات ما قبل الولادة على يدّ طبيب ممتاز. ويُطلق على المتلازمة المصطلح الطبي التثلث الصبغي 21 وهي تنطوي على ما هو أبعد من التحديات المتعلقة بملامح الوجه والقدرة المعرفيّة إذ قد يولد هؤلاء الأطفال مع مجموعة من المشاكل الطبيّة الخلقيّة التّي قد تستدعي عناية مكثفة عند الولادة. 

تمّ استدعائي الى هذه الولادة وأنا طبيب أطفال للاهتمام بالطفل عند الولادة إذ كانت الأمّ مريضة جدًا ولكي تتمكن الممرضات وطبيب الولادة من التركيز على الوالدة. كانت الساعة تُقارب الرابعة فجرًا والمستشفى هادئ وما ان دخلت قاعة الولادة حتّى بدد الأدرينالين كلّ تعبي. فقد أُوكلت الطفلة إليّ ما ان خرج جسدها الهزيل من بين آلات المراقبة والأنابيب. وفي حين كان الجميع يركز على الأمّ التّي كانت تصارع بين الحياة والموت، لفتتني عينَي الطفلة الصغيرتَين وملامح وجهها وعدم قدرتها على التنفس. ضخيّت الهواء الى رأتَيها الضغيرتَين من خلال قناع الإنعاش وطلبتُ من ممرضة أخرى مساعدتي محاولةً عدم التأثير على عمل الطاقم الطبي الذّي كان يعتني بالأمّ. رمقت الممرضة الطفلة نظرةً فعرفتُ أنّها كانت تفكر بما أفكر إلاّ ان المهم هو أنّنا نجحنا في جعل الفتاة تتنفس بعد 10 دقائق. غاب الوالد ثوانٍ عن الأمّ المريضة ليلقي نظرةً على ابنته. لا أعرف إن لاحظ ما لاحظته إلاّ إنّني لم أتفوّه بكلمة. لم تُلتقط الصور خلال هذه الولادة التّي كانت بعيدة كلّ البعد عن ما أراده الوالدان.

فكانا ينتظران قبل بضعة ساعاتٍ فقط ولادة طفلٍ بصحةٍ جيّدة بعد فترة حملٍ طبيعيّة إلاّ انّه تمّ نقل الأمّ كما طفلتها الى العناية المركزّة.
لقد تعلمت في كليّة الطبّ كيفيّة تشخيص متلازمة داون عند الولادة إلاّ أنّني لم اختبر ذه الحالة أبدًا خلال السنوات الإحدى عشر من مزاولتي المهنة. فكانت الحالة الأولى. نقلتُ الطفلة الى وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة وتمّ تأكيد تشخيصي عن طريق فحوصات الدّم.

شعرتُ بأن الممر الذّي اجتازه للوصول الى وحدة العناية المركزّة حيثُ تمّ نقل الأمّ طويل جدًا. فردّدتُ وأنا أمشي آلاف المرّات الكلمات التّي كنتُ سأستخدمها لأخبر الوالدَين بأن طفلتهما الجميلة قد ولدت مع صبغي 21 إضافي. فكانت الطفلة بحاجة الى مساعدة خاصة للتنفس والأكل والى المزيد من الفحوصات للتأكد من أن قلبها يعمل بشكلٍ صحيح. أرادت الممرضة عند الاستقبال معرفة سبب زيارة طبيب أطفال وحدة العناية المركزة الخاصة بالبالغين إذ نعم فإن هذه الحادثة لا سابقة لها!

وهناك على حافة فراش المستشفى، تبادلتُ اطراف أجمل حديث مع أمّ الطفلة فلم أنبث بأيٍّ من الكلمات التّي تدربتُ عليها مكتفيّةً بإخبارها عن أمٍّ اخرى اعرفها تمّ تشخيص طفلها على أنّه مصاب بمتلازمة داون بعد الولادة وعن قصتها التّي امتلأت افراحًا بعد هذه الحادثة غير المتوقعة في حياتها. بكت بكاءًا مريرًا واخبرتني عن اطفالها الأربعة الآخرين وكيف عساها تشرح لهم ما هي متلازمة داون. وطال الحديثُ بيننا فأدركتُ ان هذه الأمّ اعطتني أكثر بكثير من ما اعطيتها. 

وفي اليوم التالي وأنا أحاول التفكير بما جرى، استُدعيتُ الى ولادةٍ اخرى لطفلٍ مصاب بمتلازمة داون.
كان الجميع يعرف ان هذا الطفل مصاب بمتلازمة داون وكان الأهل على بيّنةٍ من التشخيص منذ أشهر الحمل الأولى. كانت غرفة العمليات هذه المرّة مكانًا فرحًا فجرت العمليّة على انغام موسيقى هادئة وكانت الأم مرتاحة جدًا والأب والجدة ينتظران مع آلة التصوير وعلى ملامحهما سمات الترقب لا التوتر. وقرأت وفقًا للمارسة المتبعة سيرة الأمّ الطبيّة وانا في انتظار ولادة الطفل فكانت تبلغ 48 سنة وقد تكون اكثر الأمهات المتقدمات في السنّ اللواتي شهدت عمليّة انجابهنّ ومع ذلك فقد كان هذا حملها الأوّل إذ كان الزوجان يُعانيان من حالة عقم دفعتهما الى تبني أولادهما الآخرين لكن وبعد انقطاع الطمث حصل ما حصل خلافًا لكلّ الاحتمالات. وكانت الولادة ولادة سهلة كما كانت لتتمنى كلّ أمّ دون صراجٍ أو دمّ: طفلٌ صغير يخرج الى العالم فيبكي لأوّل مرّة بكاءً صحيًّا ليس إلا! طلبتُ من طبيب الولادة ان يُعطي الطفل مباشرةً لأمّه فكان بصحةٍ جيدة تخوله ان يُقضي لحظاته الأولى بين يدَي والدته. راقبته في هذه اللحظة وسط أضواء كاميرات التصوير التّي خلدت وجهه الصغير الراسم معالم متلازمة داون وابتسامات اهله ودموعهم الفرحة. بدا لي كلّ شيء طبيعي فنظرتُ الى الأهل وقلتُ مبتسمةً "إنّه بأفضل حال".
نعم! كان هذا الطفل بأفضل حالٍ حقًا أسوةً بوالدته فأعطاني أكثر بكثير من ما اعطيتهما!

كاثرين برشيلمن، أستاذ مساعد لمادة طب الأطفال في كليّة الطب في واشنطن وهي أمّ لخمسة أطفال. تساهم دوريًّا في اليتيا ولها مقالات في العديد من التلفيزيونات ووسائل الاعلام.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
فيليب كوسلوسكي
الصلاة المفضلة لبادري بيو التي كان من خلالها ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً