Aleteia
الثلاثاء 20 أكتوبر
روحانية

بعيدا عن لغة العقاب والموت... إنطلاقة جديدة

aleteia ar

أليتيا - تم النشر في 22/03/14

تأمّل بإنجيل أحد الإبن الضال

روما / أليتيا (aleteia.org/ar). عندما نقرأ الإنجيل وندخل في فكر المسيح لا نجد أنفسنا سوى محبوبين، ونشعر أننا نحن المحور، لأن السيد المسيح عكس كل المقاييس، وجعل من نفسه خادما للشعب في سبيل خلاصه. فعبارة "الجميع يطلبونك" (مرقس 1/37) تردّدت مرارا وتكرارا في الأناجيل. ولا تزال تتردد إلى اليوم. لكن، تُرى لماذا هذا الإلحاح في الطلب لرؤية يسوع؟ من أنت أيها السيّد ليطلبك الجميع؟ ماذا لديك لتقوله؟ هل عندك ما يميّزك عن غيرك؟ هل تختلف سبُلُكَ عن سُبُلِ الآخرين..؟ في أسابيع الصوم المبارك نتأمل كلمات وتصرفات هذا السيد الذي سكنت أقواله في أعماله. أنظروا كيف عامل الناس في تذكار أسابيع الصوم: الأبرص: "تحنن عليه"، المرأة النازفة: "يا ابنتي"، الإبن الضال: "تحنن عليه وقبّله"، للكسيح: "يا ابني"، للأعمى: "ماذا تريد أن أصنع لك"… باختصار هذا هو إله المحبة. في مثل الإبن الضال (لوقا 15/11-32)، سوف نرى كيف يعلّمنا السيد المسيح أن نظرة الله لأولاده هي دائما نظرة غفران وحب غير مشروط، من أجل انطلاقة جديدة: 

الإبن الضال هو شابٌ أغوته ملذات الحياة، وأبعدته أهواؤه عن البيت الأبوي.  هو شاب في ربيع العمر، وجد الحل بعد صراع في ذاته بين الطريق والطرقات، بين الحقيقة والحقائق، بين الحضن الوالدي وقارعة الطريق… فحزم أمره، وخرج، عساه يقنع نفسه بأن الحياة تكون حيث الحرية تكون. وكلنا يعلم أن البيت الوالدي هو دائما المركز والمحور، وبعيدا عنه تهمّـشنا ذئاب الطرقات. ليس في الدنيا أجمل من دفء البيت، ومن الحضن الوالدي. لهذا كان يقف الوالد كل يوم عند الباب وينظر بعيدا ليرى رجوع ابنه، ليكون أول من يصل إليه ويحضنه ويقبّله طويلا، "دون شروط مسبقة". هذه هي ثقافة الله مع الإنسان: الإنتظار، ليجيب التوبة بالغفران، والرجوع بالقبلة، والعوز بفيض النعم… وبالفعل، عاد الولد ( فعل توبة) ورمى الأب بنفسه على عنق ابنه وقبله طويلا (فعل غفران)… ولكن، بين اللاهوت وعلم الاجتماع أتساءل، أولا: ماذا لو لم يرجع الابن الى البيت!! ماذا كان ليفعل الأب لو قرر الإبن "العناد" في الضلال؟ ثانيا: ماذا لو عاد الولد إلى البيت ولم يجد غفرانا يستوعب توبته؟

هناك احتمالات كثيرة ومتشعّبة، سأذكر منها اثنتين:
1-    في ثقافة المسيح وفكره وتعاليمه، نتعرّف على النظرة الراقية التي ينظر بها الله للإنسان إبنه. فهو لا ينفك يجد وسيلة ليعيد الشاردين إلى الطريق المستقيم. فإذا كان الإنسان "عنيد" في خطئته، فالله "راسخ" في غفرانه. وإذا كان الإنسان "عنيد" في كبريائه، فالله "جبّار" في تواضعه… لهذا نجد الراعي بمَثل الخروف الضال (لوقا 15/3-7): يترك الخراف التسعة والتسعين في البرّيّة ويذهب في البحث عن الضال، الخاطئ، العنيد، التائه حتى يجده، و"يحمله". لهذا، لو لم يعد الإبن الضال إلى البيت لخرج الأب في البحث عنه. ولا أظنه يعود حتى يعيده معه، لأن جفون الوالدين الصالحين لا تعرف النوم طالما أن ثمرة حبهما تائه، ضال، عنيد، وربما غبيّ. لهذا نحن على ثقة أن الله هو أب وحيث يكون الأب هناك يكون الحب السامي. الأب لا يمكن له أن يجيب على تصرفات ابنه الطائشة بتصرفات طائشة مماثلة، وإلا لما استحق أن يدعي أبا ومربّيا وناضجا. 

2-    كل شاب وصبية في هذه الحياة خرج عن البيت الوالدي بطريقة أو بأخرى مهما كان احترامهم لأهلهم كبير فعصوا الأوامر. حتى الأهل أنفسهم، عندما كانوا في مطلع العمر، خرجوا عن إرشادات أهلهم ولو قليلا… فالسؤال يطرح نفسه اليوم: هل يجد الأولاد عند عودتهم عن ضلالهم الحضن الوالدي الدافء؟ هل يسمع الأبناء من آبائهم كلمات التعزية اللازمة؟ أم يسمعون كلمات الملامة والتهديد مترافقة مع نظرات بطرف العين تُشعر الولد بالندم على هذه التوبة؟

قبل الدخول في الخاتمة، يجب أن نعلم أن للتوبة ضمانات. فالمسيح لم يُخجِل أحدا في كل مسيرته. وقد رأينا في ردة فعل الأب كيف رمى بنفسه على عنق ابنه، وقبّله طويلا، وجعل خاتما في يده، من دون ملامات، ومعاتبات جارحة، إذ لم يدعه يكمل "فعل الندامة". والأهم أن الأب لم يعط أي أهمية لضغوطات الأخ الأكبر الرافض منطق الغفران الأبوي (لوقا 15/28) مع علمنا الكامل بأن مطالبه كانت منطقية من بوابة المجتمع، لكنها مدمّرة في نظر الآب. ومن جهة أخرى، ضَمَنَ الراعي "توبة" خروفه (بمعنى خروجه عن المسار)، إذ "حمله" وقرّبه إلى قلبه، إلى أحشائه، تماما كالمرأة الحامل، فخلقه من جديد. فإن التوبة، عندما لا تجد أرضا صالحة، سوف تقود التائب حتما إلى قرارات وتصرفات قد لا تُحمَد عقباها. 

أيها الأحباء، لماذا شفى المسيح الأبرص، وأقام الكسيح وأعاد النظر للأعمى؟ لماذا بحث عن التائه وقبّله؟ لماذا رفض المسيح رجم المرأة الزانية؟ لماذا دخل بيوت الخطأة وأكل معهم؟ بكل بساطة لأن الرب يسـوع رفض رفضا قاطعا لغة العقاب والموت. لقد أعاد الحياة الإجتماعية للأبرص المنفي، وأقام الكسيح على قدميه، وأعاد البصر للأعمى وغفر للخطأة، وكأن به يقول: "إنطلقوا من جديد…" نحن نحتاج إلى الغفران من أجل إنطلاقة جديدة. والوالد في هذا النص أعاد الولد إلى مقامه من خلال غفران الكامل. أعاده إبنا، مع أن الأخير طلب أن يُصنَّف خادما في البيت. والراعي لم يفتك بالخروف بل "حمله" أي ضمّه إلى قلبه. 

الآن يمكننا أن ندرك، ولو قليلا، لماذا كانت الجموع تطلب يسوع. اليوم تزداد ثقتنا أن تعاليم المسيح لن تعرف نهاية طالما أن هناك قلوب تستجيب لكلماته وتتشبّه به. هذه هي الحضارة الجديدة التي عكست مفهوم المنطق البشري: القائد يرفع شعبه ليكون مثله. يقبّل أقدام الناس، يعانقهم، يناديهم: أولادي. فالذي قال بعد غسل الأرجل: "إذا كنت أنا المعلم والسيد قد غسلت أقدامكم، فعليكم أنتم أيضا أن يغسل بعضكم أقدام بعض" (يوحنا 13/14) يقول لنا اليوم: إذا كنت أنا الإله قد غفرت لكم من أجل انطلاقة جديدة، فعليكم أنتم أيضا أن يغفر بعضكم خطايا بعض، أيضا من أجل انطلاقة جديدة…

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
هيثم الشاعر
رسالة من البابا فرنسيس والبابا الفخري بندكتس ...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
غيتا مارون
بالفيديو: الحبيس يوحنا خوند: يا مار شربل عجّل...
depressed Muslim woman in Islam
هيثم الشاعر
فاطمة فتاة مسلمة رأت يسوع يرشّ الماء عليها قب...
غيتا مارون
إلى كل الحزانى والمتألمين… ارفعوا هذه الصلاة ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً