Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
أخبار

حقائق الناس... مترو روما

© Bruno

أليتيا - تم النشر في 12/03/14

طفل أفريقي "يختطف" الركاب إلى الإنسانية التي نتناساها

روما / أليتيا (aleteia.org/ar). حاولتُ كالعادة ملأ رئتَي بما يمكن أن يوجد من هواء على طول رصيف المترو، لم يكن هناك كثيرون  ينتظرون وصول القطار مثلي لكن هذا لا يعني شيئا، فقد يصل المترو بعرباته ممتلئة بما لا يسمح لأحد بالصعود. تكرر هذا السيناريو أكثر من مرة، خاصة في هذه الساعة حيث يتوجه كثيرون إلى أعمالهم متأففين، ربما ناسين شكر الله على تمتعهم بعمل في زمن يشتهر بزمن "الأزمة الاقتصادية" منذ سنوات.

لم تكن العربات اليوم مكتظة، لكن هذا لم يجعلني أندم على الأوكسجين الذي اختزنته في رئتَي، فالمحطات القادمة عديدة وستزداد دون شك أعداد المتنافسين على استنشاق القليل من الهواء المتوفر في السنتيمترات، وربما المليمترات التي تفصل بين أجسادنا نحن ركاب المترو.

الوجوه، كم تعكس من طباع الشخصيات تلك الوجوه المتراكمة واحدا جنب الآخر، وفي بعض الأحيان واحدا فوق الآخر في مترو روما. وخلال مراقبتي اليومية لتعابير الوجوه، هذه هواية قديمة لم أستطع التخلص منها حتى الآن، لاحظت ما يشبه الغيظ على وجه امرأة شابة تقف أمامي, انتبهت إلى أنها تنظر إلى نقطة بعينها خلفي لكني لم أستطع الالتفات لمعرفة ما تنظر إليه وما يثير ما يبدو غضبا على وجهها. حاولتُ بالتالي أن أجد ثقبا بين الأجساد المحيطة بي لأنظر إلى الزجاج المواجه لي والذي يعكس الجالسين خلفي. ها هو ما تنظر إليه الشابة، مشهد طبيعي جدا، امرأة جالسة محتضنة طفلها، لم يكن هناك ما يبرر تلك النظرات الناقمة بعض الشيء، فاستنتجت بأسف أن السبب الوحيد هو لون بشرة الأم وابنها الصغير، فهما من القارة الأفريقية، وربما يكون "احتلالهما" مقعدا هو ما يثير غضب الشابة التي تفضل الجلوس بالطبع، لكنها ترى ربما أن من حق الجالسين الآخرين أن يشغلوا المقاعد بينما لا يحق لهذه "الأجنبية" وابنها أن يحرماها من الجلوس.
لم تكن هذه مفاجأة بالنسبة لي، فقد اعتدت وجود بعض من يفكر بهذه الطريقة، إلا أن ما أثار دهشتي هو خفض الركاب تدريجيا لأصواتهم للاستماع إلى حوار لم أسمع مثله من قبل. سمعت طفلا يسأل بصوت مرتفع بلهجة سكان روما التقليدية: "ماما، ما اسم والدك؟" ورأيت الأنظار تتوجه نحو العائلة الأفريقية. نطقت الأم بصوت يملؤه الخجل اسما لا يمكنني تذكره. وواصل الطفل الذي يبدو أنه لا يعرف شأن الأطفال جميعا أن والد أمه هو جده: "وعندما كنت صغيرة لم تكن لديك أم؟". أجابت الأم التي لم تردع طفلها عن مواصلة توجيه الأسئلة المحرجة رغم خجلها الشديد: لا. كانت هذه الـ "لا" خالية من أية مشاعر حزن أو ألم،  ويعكس هذا على الأرجح تعامل من يعيش في ظروف خالية من كل ما نعتبره طبيعيا مع هذه الظروف بتلقائية وتقبل. إنها كرامة الفقراء والبؤساء.

ولم يتوقف الطفل، بل عاد بوالدته إلى طفولتها فبدأت تتحدث عن أخوتها وكيف كانوا يعملون معا في الحقل، وذلك بصوت يرتفع بشكل تدريجي ويخلو من الخجل السابق، بل ولمست في صوتها ابتسامة. لم أتمكن من رؤية وجهها لكني رأيت وجه الشابة الناقمة، لا أعتقد أنها تفكر الآن في المقعد الذي حرمتها منه هذه المرأة الأفريقية. عندما لاحظتْ أني أراقب تعابير وجهها ابتسمت بخجل وشعرت بأني أشاركها ذلك الشعور الذي جعلها تغير نظرتها إلى تلك الأجنبية الدخيلة. رأيت على وجهها التأثر بتلك الأم التي حُرمت من طفولتها والتي أتت إلى إيطاليا لتمنح طفلها فرصة عيش طفولة أفضل، وإن ظل طفلا بلا أجداد.

وها هو الطفل الفضولي يقطع ذكريات أمه حول الألعاب التي شاركت فيها أخوتها ليسأل ببراءة: "والكمبيوتر؟" وها هو الجمهور، أي ركاب المترو، يتذكر الهواتف الجوالة، ليعود كثيرون إلى أجهزتهم "الذكية" ما بين كتابة الرسائل والألعاب الالكترونية.

توقف المترو في المحطة، وقبل أن تنزل الفتاة جارتي نظرت إلى الطفل الأفريقي ووالدته وقالت مبتسمة "تشاو". أعتقد أنها قد تنهض عن مقعدها في المرات القادمة لتُجلس أجنبيا، وربما سيصبح المترو بالنسبة لها، رغم رحلاته الشاقة، وسيلة لا تتلاصق فيها الأجساد بشكل مزعج فقط، بل وتتقارب الأرواح لتوقظ المحبة الإنسانية التي زرعها الله فينا لكننا نقتلها يوميا.    

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً