Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
روحانية

المسيح والبشرّية

pixabay

أليتيا - تم النشر في 07/03/14

هل البشريّة بحاجة بعد الى المسيح وقد اطلق هو فيها زمنه، وركزّت هي عليه تاريخها؟

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar). هل البشريّة بحاجة بعد الى المسيح وقد اطلق هو فيها زمنه، وركزّت هي عليه تاريخها؟ ببساطة التجرّد تطالعنا بديهيّة، دونما اي تعقيد، وخلاصتها أنّ ما من مخلوق على الارض تجرّأ ونادى بما علّم وبشّر وطالب به المسيح. 

هو للبشرية الحضور. فلا احد سواه يحفر حضوره في بؤسها، ويتجذّر في محدوديتها، ويستقرّ في ضعفها، كاشفاً ما هو مُتَخطٍ لها، ليعطيها لا نهائية الفعل. فمن تحديّه لها يستولدها من جديد حرّة، لا معبودية فيها ولا استعباد. بل كالريح تصبح مالئة الكون حضوراً. هي لم تعرف احداً اعتقها ممّا يكبّلها، من دون ان يدخلها في أغلال اضافية، او يستظلّها ليقيم على اشلائها استعلاءه او ينكرها ليُنشد على انقاضها جبروته. هو السائر ابداً على عتيق دروبها، مشعل مراثيها بسطوعه، والمتّجه صوب افكارها، وقد اعدّها، جيلاً بعد جيل، لاستقباله، كلّ ما عداه متبدّل، متقلّب، وزائل. ومن هذا القبيل لا يزال جديداً لها، هي التي، في تفلّتها من ذاتيات الاندثار، لن تجد سواه ماسكاً بيدها لإخراجها من كهوف ظلالها وظلال غموضها. فيه لا تزال متأنسنة بألوهيته كما لو أنّها ابداً في ملء زمن التجسّد. 

هو للبشرية بلوغ الشوق.
لا إلى أوهام بل الى موجود تنوجد به. حوله تتمحوّر المفاهيم وتستمدّ الأسس جوهرها. فتنطلق معه او قربه او في اغتراب عنه ونكران. هي تندثر، وهو يبقى هو. في كماله صورتها وأصل حقيقتها، وقد عرف كيف يكلّمها، بمنطقها، من ذاته. هو كلّ للكل. لا انفصام فيه بين عقل وقلب، ولا انقسام بين منطق وفكر، ولا تصارع بين نفس وجسد. بشريّته صياغة ألوهيّته، وألوهيّته اكتمال بشريّته، كاتحاد الالوان بالنور. وهو النور الذي من النور. إنّه الضابط الكلّ، من الجذور الى القمم، بكليّته. محور الدائرة ارتكازها، وهو ركيزة دوران البشرية. وأمام كل محطّة دورة تعيد البشرية اكتشافه. انّه الفاصل دورانها حديّن: ما قبله، وما بعده. وفي إعادة اكتشافه تستعيد اكتشاف ذاتها، في إئتلاف النسبي فيها مع المطلق. 

هو للبشرية اكتمال المعنى. فهي في علّة زمنيتها، تحمله بصور عديدة، لا بدّ ان يستعيدها، هو ذاته، لها، إذ تكتمل ازليته بها. فلا شيء يريده لذاته بل لها. وهي، يوم اعلنت موته، كانت من دون علمها تكرّس اغترابها عن ذاتها لتفقدها وتقيم شعائر دفنها لينهار احترامها لهذه الذات. ذلك انّ اتحاده بها أفضل من اي كلمة تنبعث من هنا او تطلق من هناك لتنفيه او تختزله. هو الكلمة الذي به كان كلّ شيء ومن دونه لا شيء ممّا كوّن. قبله كان الموت، موتها، موتاً. معه، غدت كلّ كلماتها مُفتداة بألوهيته. من الحقيقة اتى وهو اكبر منها. ومن الحياة اتى، فكان ان وطئ الموت بالموت ليهب الحياة للجميع. لم تُعط البشريّة، لا في انتظاراتها ولا في اسانيدها ألها يقيم معها عهداً بدمه، ويقتبلها بشوق الصليب الى قلب الوجود وحقيقة هكذا حب. 

فما سرّ تجسّده؟ اكِّد: هو دخول اللامحدود فيه كخالق في تحدٍّ مع محدوديتها البشرية. وما قبول مريم، التي هي من تراب البشرية، الاّ قبولاً لتحدّي حلول غير الزائل في القابل للفناء. 
وما سرّ فدائه؟ اكِّد: هو قبوله الحرّ لجعل القابل للفناء اهلاً للأبدية بالموت. هو تحدٍّ آخر: تحدي ابدّية الحياة لزمنّية الموت في البشريّة. وما القيامة الاّ خلق جديد لبشريّة اكثر انسانيّة، هي مريم مثالها، في قبول تحدّي الالوهة بحريّة. 

وما سرّ اقتبال البشرية للمسيح؟ اكّد: هو يكون اقتبالاً مريمياً او لا يكون. اقتبال هو اعتراف كلّ احد بكينونة الآخر وصيرورته عبر الآخر وفيه. وجرياً على هذا،  كتب القديس مكسيموس انّ "كلّ نفس تغدو مريم جديدة اذا اطلقت المسيح الى العالم". وبشريّة كل الفيّة بحاجة الى مريميّة اساسيّة فيها كي يقول الخالق لها: "أيّتها الممتلئة نعمة"، فتكون الكلمة التي بها تخلّص الآخر، تفتديه وتقيمه الى الحياة ليغدو بدوره كلمة الى آخر جديد. 

هي تلك قصة المسيح مع بشريّته. قصة تحدّ في رفع المخلوق الى سرّ الالوهة، بالقبول، الذي هو كلّ الحب. فمن الحب يأتي المسيح والى الحب تمضي البشرية، ليصبح الحب مرادفاً لكليهما ورابطهما الى بعضها كما هو رابط الاقانيم الثلاثة في الله الى بعضهم. أجل ! مع المسيح تصير البشرية الاقنوم الرابع لثالوثية الله لأنه بها اصبح ابن الله بشراً حقاً.

هي تلك رسالة المسيح الى بشريته، وقد ذهب بها الى ابعد الحدود، وتخطّى لها حدود الأمثولة إذ اصبح للبشريّة مرآة استقرارها في شجاعة قبولها ذاتها، من اجل اكتمالها. وهو ثابت في اللهفة اليها وفي الوجع لحضورها وفي رضاها. لا الازمنة كبلّته ولا مواسم القلق ارهقت قناعاته ولا مساحات العقول اتّسَعَت حجراً على قبره.      
فهل المسيح بحاجة بعد الى البشرية وقد اطلقت هي فيه نُسك عوالمها، وركزّ هو عليها ذروة سموّه؟

هذه دعوتهما معاً او… لا يكونا! 

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً