Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
أخبار

إلى أخي الذي ماتَ في سوريا

gogole

أليتيا - تم النشر في 05/03/14

اعذرني لأنني لم أزفّك شهيداً كما الجميع يفعل "

روما / أليتيا (aleteia.org/ar). –رسالة كتبتها اخت مفجوعة تلمس في الأعماق قلوب كل من يقرؤها بغض النظر عن الدين او العرق أو أي انتماء آخر.

"لم أكن أعرفُ أنّ الموت حقيرٌ ونذلٌ الى حدّ الانهيار قبل رحيلكَ. عرفته قطّاع قلوب، خطّاف ابتسامات، لكنني لم أعهده مُحطِّماً يُكبِّرُ الألم، ويدسّ الملحَ في الجرح، ويجعلُ الوقتَ وحشاً، قبل أن أراكَ جثة. أخبرتكَ أنني إذا دنت لحظةُ موتكَ سأقعُ أرضاً ولن يقوى أحباؤكَ على جعلي مُتزنة. إنني يا أخي هشّة وعاجزة، تخذلني دموعي كلّما احتجتها. يخذلني الكون من حولي لأنكَ ترحل. أتُدركُ معنى أنْ ترحل؟ أنْ تُخلِّف وراءك أماً عجوزاً وأباً تائهاً وأختاً تتصنّع القوة فيما هي تتفتت، وأخوةً يُعزّون أنفسهم بأنّك الآن في الجنّة؟ أما أنا، فمنذ رحيلك مُدمَّرة. مذهولة. خَرِس لساني.

ظلّت الصور في رأسي مشوّشة. أشهرٌ مضت وأنت فيّ جثّةً كلّ ليلة. لم أتخيّلكَ إلا ميتاً. ولكن إنْ جاء موتكَ اشتدّت القسوة. موتكَ يستولي على النفس فيُضيّق عليها، ويجعل اللحظة كابوساً أبدياً. اعذرني إن عجزتُ الآن عن وصفه. أو ملامسته. أو الصراخ في وجهه.

اعذرني لأنني لم أزفّك شهيداً كما الجميع يفعل. اعذرني لأني يا أخي لا أقرأ الفاتحة. وأعبس في وجه كل مَن يصوّرك مُرتاحاً بموتك. ثم أنهارُ وأنهارُ وأريدُ ألا أنهض.

كانت السادسة والنصف صباح الجمعة الفائت عندما أيقظتنا من أجل الوداع. مرّ يومان حتى حلّ وداعٌ مرعبٌ صاعقٌ. منذ خبر رحيلكَ وأنا صمتٌ قاتل. بقيتُ هناك، حيث أنتَ تتألم بينما تأتيك الرصاصة في رأسكَ. أنظرُ من حولي فلا أرى وجهكَ. كان مشهدُ القبر مروعاً وأنا الجبانة أضعفُ من أنْ أتقدَّم. أمروني بمناداتك. آخخخخخخ يا خيّ. شو بقول؟ راح القلب يخفقُ بينما نتوجّه الى المستشفى حيث تُسجى. فإذا بي أمامكَ. أمام جثّتك. كلّي على الأرض مُشظّى، ويدي تتحرّك بصعوبة. سامحني يا أخي لأني لمستُ قدمكَ بدلاً من وجهكَ. لكنّ قدميك تعنيان لي الكثير، إذ سارا بكَ نحو النهاية. تركتُ على أحدهما دمعة. أردتُها صافية مثل عينيك اللتين لم تفرحا يوماً. ونهر يستريح في ظلّ شجرة.

لن أحدّثك الآن عن موقفي من خوضكَ الحرب لظنٍّ أنكَ تعرفه أو تشكّ به. أترككَ حراً في اختيار المصير المُناسب. لكني سأخبركَ عن أمنا كيف تتحطّم وكيف يتمزّق الفؤاد. منذ الفجر وهي تملأ المنزل شوقاً اليك. أُمنا يا أخي تُصبح غصّة. أجزمُ أنكَ بقيتَ خائفاً من هذه اللحظة. نحن نبكي فقط، فيما هي تُكوى. سأتركُ جانباً بأي الطرق يُخفَّف عن "أم الشهيد"، وكيف تُلقَّن "الصبر". سأتركُ ذلك للجميع، وأحدّثك عنها من دون تحميلكَ ذنب وجعها. أُدركُ جيداً أنّكَ منذ كنتَ طفلاً وأنتَ تشعرُ بالذنب تجاهها وتجاهنا. الظرفُ ليس مناسباً للهلوسة، وأحدٌ لن يكترث ليعرف المزيد عنا. لكنني يا أخي حين لمستُ ترابكَ رحتُ أشتاقُ اليك، فأتذكّرُ الماضي والنشأة. رحتُ أصرخُ كما لو أنني أجمعُ صراخَ الكون في صرخة.

أحبّكَ من دون مقابل، ومن دون أن يكون لكلينا أي نظرة مُشتركة. سامحني إذ لم أكن أقلّد سلوك الجميع في التبرّك منكَ وتهنئتكَ. سامحني لأني لا أحملُ تطلعات الأخت التي تتمنى

ذنبي تجاهكَ يقتلني، فأزدادُ حاجةً لأن أخرس. لا أملكُ إلا أن أكتبَ اليكَ كلاماً لا يعنيكَ ولن تقرأه البتة. أخشى أنكَ تراقبني فتُدركَ بأني لستُ كالجميع أحبّكَ. قلْ أنّكَ تفعل وسأتوقّفُ عن البوح وأصمتُ الى الأبد. أقبّلُ وجهكَ المُحطَّم وقدميك اللتين اختارتا طريقهما. أقبّلُ روحكَ التي توجِعُ روحي وحذاءكَ الذي تركوه لنا وكل صوركَ.

عن جريدة النهار

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الحرب في سوريا
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً