Aleteia
الإثنين 19 أكتوبر
روحانية

هوائي النِعم

jespro.org

jespro - تم النشر في 04/03/14

معاينة الله في الأزمات

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar). إحدى الأمور الّتي غيّرت نظرتي إلى العالم هو العيش في جماعات متعدّدة الجنسيات والأطياف، فلا تستطيع بعد أن تنظر إلى العالم من منظور بلدك أو مدينتك أو حيّك، وتكتشف مع الوقت أنّ العالم على اختلافه واتّساعه يشترك بأمرٍ معيّن، ألا وهو الكوارث والمصائب… نعم العالم يتوحّد في مصائبه، العالم مليء بالمصائب، فليست الأزمات المتعاقبة في الشرق الأوسط وحيدة، بل تنتمي إلى عائلة مصائب أكبر.

بالأمس، كنت أتحدّث في جماعتي عن مصائب بلدي، وإذا بآخر يتحدّث عن الرماد البركانيّ الّذي غطّى بيت أهله، وأهلك شجر الموز خاصّتهم في أندونيسيا… حينها تحوّل الحديث إلى حديث عن المصائب الطبيعيّة، وتذكّر الأمريكان منهم الخسارات الّتي لحقت جنوب الولايات المتّحدة مع إعصار كاترينا، ومنهم من عاد بالتاريخ "بحكم سنّه المتقدّم" إلى الحرب العالميّة الثانية… وإذا بمصائبنا تلتقي بعائلتها ولن تشعر بالاغتراب بعد الآن  .

لا أحد بمأمن عن المصائب، وكأنّه القدر المتلوّن الّذي يحكم مصائرنا. هذه حكمة القدماء عندما رسموا الزمن على شكل دائرة، وخبرة الشعب العبرانيّ في الكتاب المقدّس قائمة على تعاقب الكوارث… تمتلئ قواميسنا بكلمات يا ليت، ولعلّ وأخواتها، وتصطبغ أشعارنا بلغة سوداويّة حزينة… ولكن إن تنوّعت المصائب، فإن الطامة الأكبر هي أنّ إلهنا مُحتجب، أو بالحري يبدو وكأنّه سلبيّ، يتجاهل الويلات الكُبرى، إذ لم يعُد يُحصي كمّ الأهوال… ولا يلتفت لأنواعها  .

لقد تغيّرت حياتي في السنين الثماني الأخيرة ولو بشكلٍ تدريجيّ، مع عيشي في كنف الروحانيّة الإغناطيّة، هذه الروحانيّة الّتي تزوّدني بالمفاتيح الّتي تُساعدني على رؤية الله في كلّ شيء، وبالأخصّ في خضمّ هذه المصائب من حولي… فإن كنت تعلّمت شيئًا من المنطق في الفلسفة، فالروحانيّة علّمتني معادلة غير منطقيّة أبني عليها حياتي… فبينما منطق الجاهل يقول: مصائب = لا إله… راجع مزمور (١٤: ١). أوصلتني القراءة المتواترة لأحداث حياتي على ضوء مراجعة النهار إلى هذه المعادلة: مصائب = هنا إلهك، إلهك يُريد أن يوصل لك رسالة مهمّة …

بالطريقة عينها، عمد الله على تحويل إغناطيوس "إينيغو" المحارب، إلى إغناطيوس الحاجّ، ومن ثمّ مؤسس للرهبانيّة اليسوعيّة. فهِم القدّيس إغناطيوس لاحقًا أنّ خسارته في بامبولنا تصبّ في خانة خيره الأعظم، وها إنّي أقرأ خسارة بامبلونا المباركة بطريقتي، وأقول لولا بامبلونا لما كنت يسوعيًّا أكتب هذه السطور. وبالطريقة عينها، قاس إغناطيوس مصائبه وفق هذه المعادلة الساذجة، لكنّها حقيقيّة: كلّما تعرّضت مخطّطاتي لصعوبات، هنا يد الله تُريد أن تتدخّل بشكلٍ مباشر وتسيّر الأمور لمصلحة أعمّ وأفضل لي. فحين طردوه من الأراضي المقدّسة، أو حين توقّفت رحلات البندقيّة، ومنعته من العودة إلى أورشليم مع رفاقه الأوّلين، اعتمد دومًا على ذاكرته الروحيّة، وسلّم قيادة الدفّة لله… وبقي على توالف مع المشيئة الإلهيّة.

لا أدري إن كان فعل "الموالفة" موجود أصلاً في اللغة العربيّة، لكن هذا ما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار، لا سيّما أنّ خبرتنا الروحيّة تقول لنا إنّ المصائب تحمل في طيّاتها رسائل إلهيّة، لذلك علينا ضبط تواتر قلوبنا مع الأثير الإلهيّ، كي نتمكّن من التقاطها والعمل بموجبها. فيجب أن نضع نُصب أعيننا حقيقة أن هذه الرسائل لا تعرف نبرة صاخبة، ولا تأتي مزلزلة بل في النسيم الهادئ (ملوك الأوّل ١٩ : ١٢).

وهاك ثلاث مفاتيح يمكنها مساعدتك على هذه الموالفة بين هوائي قلبك، وموجات الأثير الإلهيّ:

إفتح عينيك: لا تقودنا الكارثة إلى الانغلاق والتمحور على ذواتنا، بل هناك دور لنا في قلب هذه المصيبة، فبينما قد تصل الكارثة إلى حدّ الموت، نتسائل لماذا يُحافظ الله على حياتنا؟ هناك دور مناط بنا في مسيرة الخلاص ما دام قلبنا مازال يبنض، الله بحاجة إلينا، نحن يداه الفاعلتين بالمحبّة، نحن نظرته الّتي تفيض رأفةً، نحن تعزيته لقلوب المكروبين… ولا يمكن أن يتحقّق هذا الموقف بدون موقف شكر، وعرفان جميل لكلّ النِعم الّتي حصلنا عليها، ومنها نعمة أن نكون أحياء. ونتوقّف عن التباكي حين نرى هول مصائب الآخرين. يدعو الله أيوب للابتهال: "بلِ افتَدى نَفْسي مِن المُرورِ بِالهُوَّة وحَياتي تُبصِرُ النُّور. هذا كلُه يَفعَلُه الله بالإنْسانِ مرَتَين وثَلاثًا لِيُعيدَ نَفْسَه مِنَ الهوة ويُنيرَها بِنور الأَحْياء." (أيوب ٣٣: ٢٨ – ٢٩).

إفتح ذراعيك: كما ننفتح على الآخرين، هناك أخرون أيضًا يهتمّون بشأننا، هم ملائكة أرسلهم الله لنا. فبدل أن نركّز على شخص لم تسمح ظروفه أيًّا كانت بالتفاعل مع ما حلّ بنا، هناك كُثر، بعضهم لم نعرفه من قبل، يظهرون في أحلك المواقف ليقولوا كلمات قد تبدو بسيطة، لكنّها معزّيّة… ليقوموا بردّة فعل تنمّ عن مجّانيّة لا تعرف أي منطق… لنفسح لهم مجالاً في قلوبنا، فهم رسائل إلهيّة تقول لكلّ واحدٍ منّا: أنت لست وحيدًا، قد يخال لك أنّني مشغول بأمور أُخرى يتخبّط بها العالم، لكنّي لم أنسك لأنّك كريم في عينيّ. قد يكون هذا الصديق على الفيس بووك، أو على الطرف الآخر من الهاتف، هؤلاء أيضًا أصدقاء حقيقيّون، وليسوا بائعي كلام. "الصديق الأمين دواء الحياة والّذين يتقون الرب يجدونه" ( يشوع بن سيراخ 6: 16).

إفتح قلبك: من الصعب، وقد يكون من المستحيل أن نتخطّى الكوارث الّتي تلمّ بنا من دون حياة تقوم على الصلاة، وإن لم نؤمن بقوّة الصلاة، فإنّ إيماننا باطل… صلاتنا تستطيع أن تقوم بالمعجزات: "مَن آمَنَ بي يَعمَلُ هو أَيضاً الأَعمالَ الَّتي أَعمَلُها أَنا بل يَعمَلُ أَعظَمَ مِنها." (يوحنا ١٤: ١٢). من يُريد أن يوالف قلبه مع الأثير الإلهيّ، عليه أن يضعه على محطّة التواضع… والتواضع الروحيّ لا يعلّمنا الصلاة من أجل الآخرين وحسب، بل أيضًا طلب الصلاة من أجلنا، ومن يؤمن بقوّة الصلاة يلمس في تفاصيل حياته اليوميّة كيف بات العالم يتحرّك لمصلحته، وباتت الأمور تتغيّر من كونها سلبيّة بالكامل… إلى كونها مرحلة انتقاليّة ستُفضي بعدها بأمور أحلى وأفضل. أي نوعٍ من التسليم يسكن قلوبنا في وقت الشدّة؟ هل هذا التسليم يعني استسلامًا وخضوعًا؟ بالطبع لا، لأنّ إلهنا يحبّ الأشخاص من طينة أيّوب، أشخاص يدخلون معه في علاقة عارية عن كل الأقنعة، وتواجهه وتلومه لكن بقلبٍ مُصلٍّ…

لن تكون حياتنا مثاليّة، لكنّها بالطبع ستكون عظيمة، أقلّه في عيون الّذي دعانا إليها منذ الأزل. فهو لم يعِدنا بحياة مثاليّة خالية من كلّ المشقّات، إلهنا من فيض حبّه لنا، تجسّد وشاركنا مشقّتنا… صارع الألم، وتغلّب على التجربة… ولم يكن يسوع ليختم حياته على الصليب بطريقة أجلى تعبّر عن عمق اتّحاده مع البشريّة، عندما ناجى أبيه الّذي في السموات وقال: لماذا تركتني…

يقول المثل تتعدّد المصائب أمّا الموت فواحد، لكن إيماننا يقول تتعدّد المصائب أمّا إلهنا فواحد… إلهنا يجهد ليخفّف من ألمنا، أحيانًا نراه يبحث تحت الأنقاض ينتشل الجثث علّه يرى أحدها مازال على قيد الحياة… إلهنا أُصيب بينما كان يحاول إجلاء النازحين من حيّ مُحاصر… إلهنا فقد ابنته… إلهنا فقد الكثيرين من أولاده… إلهنا ترمّل … إلهنا تيتّم… إلهنا مات …. لكنّه إله قيامة، لذلك على رجاء القيامة… لنُصلّي أن نقوم من بين أنقاض يأسنا ونزرع بشارة الرجاء والمحبّة والإيمان من جديد… إلهنا وعدنا بحياةٍ مليئة بالنِعم، إنّه يُمطرنا ببراميل من النِعم علّنا نُصلي لتصيبنا أحدها، فتنبض حياتنا تجدّدًا…

نشر هذا المقال على موقع الرهبانية اليسوعية في الشرق الأوسط بقلم طوني حمصي اليسوعيّ على الرابط التالي: http://jespro.org/index.php?option=com_k2&view=item&id=824:un-appercu-de-dieu-dans-la-crise&Itemid=118

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
depressed Muslim woman in Islam
هيثم الشاعر
فاطمة فتاة مسلمة رأت يسوع يرشّ الماء عليها قب...
MIRACLE BABIES
سيريث غاردينر
توأم معجزة تفاجئان الجميع بعد أن أكد الأطباء ...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
رسالة من البابا فرنسيس والبابا الفخري بندكتس ...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
غيتا مارون
بالفيديو: الحبيس يوحنا خوند: يا مار شربل عجّل...
TERESA
غيتا مارون
10 أقوال رائعة للقديسة تريزا الأفيليّة
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً