Aleteia
الأربعاء 28 أكتوبر
أخبار

كونوا صيارفة محنّكين

jespro.org

jespro - تم النشر في 04/03/14

في تمييز الأرواح

بيروت / أليتيا (aleteia.org/ar). نحن نتلقّى كلمات مختلفة، من محيطنا، من داخلنا، كلمات مختلفة تترك فينا أثرًا في شعورنا الّذي هو مكان حيويّتنا، وتصير دافعًا لقراراتنا وتصرّفاتنا. تضعنا الكلمات على "موجة" معيّنة، فننظر إلى أنفسنا وإلى العالم بحسب هذه الموجة. ولكن هل تصدق الكلمات؟

لا نستطيع دائمًا أن نقيس هذه الكلمات بمقياس العقل. يمكننا ذلك، ولكن إلى درجة محدودة. من يصدق أكثر، المنجّم الّذي يقول لي برجي ويدعوني إلى تصديقه أم الكاهن الّذي يقول لي أن أومن بما لا أراه ويدعوني أيضًا إلى تصديقه؟ إذا صدّقت المبرّج أرى كلماته تصدق في حياتي، لا لأنّها صادقة بل لأنّي على موجته، وكذلك إذا صدّقت الكاهن أرى كلماته تصدق، ربّما للسبب نفسه. ما الّذي يجعلني أصدّق أنّ الكاهن ليس مبرّجًا من نوع آخر؟ هكذا يفكّر العالِم والفيلسوف، وكلاهما يجد لنفسه موجة تحمله فيرى أنّ أفكاره صادقة. بالطبع، الحوار والجدال يسمحان بتبادل وجهات النظر وبالتأثير المتبادل، ولكن حين أصل أمام القرار، حيث أنا مسؤول عن تصرّفاتي، وما من أحد يستطيع أن يأخذ مكاني، وحيث تبدأ الكلمات بالتلاعب بي: "افعل هذا؛ اعمل هذا" ولكن من يكلّمني ليس قادرًا أن يعدني بشيء، حين أصل إلى هذا المكان الوحيد حيث أريد أن يأخذ أحد القرار عنّي أو معي، ليس لي سوى أن آخذ موقفًا. حتّى ولو امتنعت عن أخذ القرار، فهذا قرار، وأنا أعلم أنّي مسؤول عنه. الزمن لا يعود إلى الوراء، ولا يتوقّف، وفي حياتنا أشياء كثيرة هي نهائيّة، لا رجعة عنها. فقراراتي تحدّد من أنا ومن سأكون. وعدم اتّخاذ القرار يحدّدني بالطريقة نفسها، فمن أريد أن أكون؟

الإيمان المسيحيّ هو "موجة" من الموجات. ليس لي عليه برهان، وأمام تصديقه أم عدم تصديقه أنا وحدي أقرّر وليس من يأخذ القرار عنّي. إن أصغيتُ إليه يعدني بالقدرة على الحبّ، ويظهر لي إنسانًا أحبّ، هو المسيح، ويعدني بأنّه يجعلني مثله. لا يستطيع الكاهن أن يعدني بشيء أساسيّ، أمّا كلمة الله فتعدني بكلّ شيء. لا أجد لها ضمانًا في العالم، لأنّ لو كان لها ضمان، لكان الضمان أصدق منها ولما عادت "كلّ شيء". لو فرضت نفسها فرضًا عليّ لكانت تنكر نفسها لأنّها ترفض أن تكون أمرًا واقعًا مفروضًا عليّ فيما هي تعدني بالحرّيّة. فهي تأتي إليّ كلمة من ضمن كلمات أخرى وتنتظر بتواضع أن أصدّقها.

لكلمة الله تأثير على شعوري، مثل كلّ الكلمات. ما يقوله الإيمان المسيحيّ هو أنّ تأثير كلمة الله هو الحرّيّة والفرح والحبّ. حين أسير في اتّجاه يناقضها، أي نحو اشتهاء العبوديّة، نحو ترك دعوتي إلى الحبّ الأكمل مكتفيًا بحبّ أقلّ أو حتّى ضدّ الحبّ، يكون وقعها عليّ مُتعِبًا: أشعر بالخطأ، أختبر الحزن. فهي بحسب الإيمان المسيحيّ الكلمة الخالقة، وبالتالي لي معها علاقة خاصّة غير الكلمات الأخرى: إن تركتها لا تتركني، وإن رفضتها لا ترفضني، وإن احتقرتها لا تحتقرني. لهذا هي لا تهملني حين أبتعد عنها، بل تزعجني، تكشف لي فراغ حياتي، تعاتبني. بل أجد نفسي في حيرة مستمرّة، وكأنّ ما صدّقته غير قادر على إشباعي، وهذا طبيعيّ لأنّ ما من شيء يشبع الإنسان إلاّ ما يتوافق مع طبيعة الإنسان: "خلقتنا لك يا ربّ، وقلبنا لن يرتاح إلى أن يستقرّ فيك" (القدّيس أغسطينوس). ومع ذلك، أشعر أنّ صوتًا آخر يشجّعني على تجاهل كلمة الله، كأنّه يريدني ألاّ أنظر إلى حزني، أو إذا نظرتُ إليه، يريدني أن أقتنع أنّ لا مهرب لي منه. هذا الصوت الآخر الّذي يريدني أن أنسى وأتجاهل كلمة الله، أسمّيه العدوّ.

ولكن حين أسير باتّجاه كلمة الله، يكون وقعها عليّ معزّيًا، يعطيني حبًّا شديدًا وفرحًا وحرّيّة لم أتذوّق مثله في أيّ طريق آخر. ومع ذلك فالصوت الآخر لا ينفكّ يحاول إبعادي عن طريقي، فيحاول إضعاف فرحي بأفكار الشكّ ويستخدم جروح ذاكرتي ليقنعني أنّ فرحًا مثل هذا ليس حقيقيًّا، وأنّي موهوم، وعلى قدر ما يجد عندي قبولاً لأفكاره يزيد من حدّتها فأشعر بالظلمة والحزن، وأظنّ أنّي فقدتُ كلّ شيء.

كلّ هذا يقوله لي الإيمان المسيحيّ. قد أختار تصديقه كما قد أختار عدم تصديقه. قد أقول "هذا وهم وضلال" وقد أجد أسبابًا كثيرة تدعم قولي، لكنّ لا شيء يستطيع أن يلغي أنّ هذا قرار، قراري، صنع يدي. قد يقول البعض: "كثيرون من غير المسيحيّين يحيَون فرحًا وحبًّا وحرّيّة وهذا ينفي كلام الإيمان المسيحيّ". هذا غير صحيح. الإيمان المسيحيّ يقول إنّ كلمة الله وحدها تعطي الفرح والحبّ والحرّيّة بشكل أصيل، ولكنّه لا يقول إنّ الإيمان المسيحيّ وحده يعطيه. كلمة الله تصل إلى كلّ إنسان لأنّها خلقت كلّ إنسان. ويقول الإيمان المسيحيّ أيضًا أنّ كلمة الله لها تاريخ مع البشر، وأنّ المسيح هو قمّة هذا التاريخ، ولكنّه لا يقول إنّ المسيحيّ هو قمّة الإنسانيّة. بسبب الكلمات الكاذبة يصير تاريخنا خلطًا عجيبًا فيظهر الخير كأنّه شرّ والشرّ كأنّه خير، ويظهر المسيح للبعض أنّه دجّال، فإن رفضوا المسيح لأنّه في نظرهم دجّال وهم في ذلك مخطئون ولكن عن صدق، أليس ذلك أفضل من قبولهم إيّاه عن كذب؟ لذلك قال يسوع: "من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له، أمّا من قال على الروح القدس، فلن يُغفر له لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة." (متى 12: 32).

  • 1
  • 2
  • 3
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
غيتا مارون
صلاة رائعة كتبها الشهيد اللبناني فتحي بلدي
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
PAPIEŻ FRANCISZEK
الأب فادي عطالله
قداسة البابا والمثليين الجنسيين
José Manuel De Jesús Ferreira
عون الكنيسة المتألمة
بيان عون الكنيسة المتألمة حول مقتل الأب خوسيه...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً