Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
روحانية

كلمة الحبر الأعظم بمناسبة اليوم العالمي الثامن والأربعين لوسائل الاتصالات الاجتماعية

Public Domain

أليتيا - تم النشر في 25/01/14

التواصل في خدمة ثقافة اللقاء الحقيقيّة

الفاتيكان / أليتيا (aleteia.org/ar). – ننشر في ما يلي النص الكامل لرسالة البابا فرنسيس لمناسبة اليوم العالمي الثامن والأربعين لوسائل الاتصالات الاجتماعية الذي يحتفل به يوم الأحد 1 يونيو 2014.
أيّها الإخوة والأخوات،

نعيش اليوم في عالمٍ لا ينفك يتزايد "صِغَرًا" وحيثُ يبدو أنّه من السهل التقرب من بعضنا البعض فتطور وسائل النقل وتكنولوجيا التواصل يُقربنا من بعضنا البعض فنتواصل أكثر فأكثر كما ان العولمة تجعلنا أكثر فأكثر ارتباطًا. إلاّ أن الإنقسامات، الحادة في بعض الأوقات، لا تزال قائمة وسط البشريّة. فعلى المستوى العالمي، نشهد الفجوة الفاضحة بين رفاه الأكثر غنىً وبؤس الأكثر فقرًا. ويكفينا في أغلب الأحيان التجوّل في أحد الشوارع لنرى التناقض الواضح بين الأشخاص الذّين يعيشون على الأرصفة وأنوار المحال البرّاقة. تعوّدنا على هذا المشهد الى حدّ لم يعد يفاجئنا. فيعاني العالم من أشكالٍ عديدة من أشكال الإقصاء والعزل والفقر بالإضافة الى النزاعات التّي تمتزج فيها الأسباب السياسيّة بالإقتصاديّة والعقائديّة ولسوء الحظ الدينيّة.

في هذا العالم، بإستطاعة وسائل الإعلام ان تساهم في تقريبنا من بعضنا البعض وباعطائنا معنى متجدّدًا لوحدة الأسرة البشريّة يدفعنا نحو التضامن والإلتزام الجاد في الحياة الكريمة. ويساعدنا التواصل بشكلٍ جيد على التقرب والتعرف على بعضنا البعض والتّوحد. ولن نستطيع كسر الجدران التّي تفصلنا إلاّ إن كنّا على استعداد للاستماع الى بعضنا البعض والتعلّم من بعضنا البعض. نحن بحاجة الى حلّ اختلافاتنا من خلال أشكالٍ من الحوار تسمح لنا بالنمو ضمن إطارٍ من التفاهم والاحترام. وتفرض علينا ثقافة اللقاء ان نكون على استعدادٍ لا للعطاء وحسب بل لتلقي ما يقدمه الآخرون. ومن شأن وسائل الإعلام ان تساعدنا في هذا المجال خاصةً وأن شبكات التواصل بين البشر قد أصبحت اليوم متطورة الى حدِّ كبير. وباستطاعة شبكة الإنترنيت بشكلٍ خاص ان تقدم إمكانيات لقاء إضافيّة بيننا وهذا أمرٌ ايجابي وهديّة يمّنها الله علينا.

إلاّ أن هناك بعض الإشكاليات: تتخطى سرعة المعلومة قدرتنا على التفكير والتمييز ولا تسمح بتعبيرٍ ذاتي حكيم وصحيح. وقد تُعتبر تعدّديّة الآراء غنىً إلاّ أنّه من الممكن أيضًا الإنغلاق في دائرةٍ من المعلومات تتناسب فقط وتطلعاتنا وأفكارنا أو حتّى مصالحنا السيايّة والإقتصاديّة المحدّدة. فقد يُساعدنا عالم التواصل على النمو كما بإستطاعته أن يُضللنا. فقد تنتهي رغبتنا بالتواصل بعزلنا عن الآخر كما لا يمكننا ان ننسى أن عددًا كبيرًا من الأشخاص لا يستطيع الوصول -وذلك لأسبابٍ عديدة- الى وسائل التواصل الإجتماعي.

إن هذه الحدود حقيقيّة وموجودة إلاّ أنّها لا تبرر رفضًا مطقًا لوسائل التواصل الإجتماعي بل تذكرنا على العكس بان التواصل هو قبل كلّ شيء سعيًّا انسانيًّا لا تكنولوجيًّا. وبالتالي، ما الذّي يُساعدنا في البيئة الرقميّة على النمو انسانيًّا وعلى فهم بعضنا البعض؟ فعلى سبيل المثال، علينا ان نسترجع شيئًا من معنى البطئ والهدوء ما يتطلب وقتًا والقدرة على السكوت للإصغاء. نحن بحاجةٍ أيضًا الى التحلّي بالصبر إذا ما أردنا أن نفهم المختلف عنّا: فلا يُعبر الشخص حقيقةً عندما يكون مقبولاً من الآخر وحسب بل أكثر بعد عندما يكون مُرحب به. إن كنّا نريد حقيقةً الإستماع الى الآخرين،علينا ان نتعلم كيف ننظر الى العالم بعيونٍ مختلفة وتقدير التجربة البشريّة على النحو الذّي تتجلى فيه في مختلف الثقافات والتقاليد. هكذا نستطيع أن نُقدّر أكثر بعد القيّم المسيحيّة مثل النظرة الى شخص الإنسان والزواج والأسرة والتمييز بين المجالَين السياسي والديني ومبادئ التضامن والتبعيّة وغيرها.
إذا كيف عسا للتواصل أن يكون في خدمة ثقافة اللقاء الحقيقية؟ وما الذّي يعنيه بالنسبة لنا، نحن تلاميذ الرّبّ لقاء شخصٍ حسب تعاليم الإنجيل؟ وكيف يمكننا أن نكون قريبين من بعضنا البعض على الرغم من حدودنا وخطايانا؟ وتُلَخص هذه الأسئلة كلّها بالسؤال الذّي طرحه يومًا المحاور على يسوع "ومن قريبي؟" (لوقا 10 ، 29). يسمح لنا هذا السؤال بفهم التواصل على مستوى القرب من الآخر وقد نترجمه بالسؤال الآتي: "كيف يتجلى "القرب" في اسخدام وسائل التواصل وفي البيئة الجديدة التّي استحدثتها التكنولوجيات الرقميّة؟ وجدت الإجابة في مثل السامري الصالح الذّي اعتبرها أيضًا مثل التواصل. في الواقع، إن من يتواصل مع الآخرين يكون قريبًا منهم. ولم يكن السامري الصالح قريبًا وحسب بل أخذ على عاتقه هذا الرجل الذّي وجده نصف ميتٍ على حافة الطريق. فيعكس يسوع بالتالي المعادلة: إذ المهم ليس التعرف على الآخر على أنّه شبيهي بل القدرة على تشبهي بالآخر. يعني التواصل إذًا أن نعي طبيعتنا البشريّة كأبناء اللّه. ويحلو لي ان اعرّف بهذه القدرة على التواصل على أنّها "قرب".

فعندما يكون الهدف من التواصل الإستهلاك قبل كلّ شيء أو التلاعب بالأشخاص، نواجه اعتداءً عنيفًا كذاك الذّي واجهه الرجل المجروح الذّي ألقاه اللصوص أرضًا على حافة الطريق كما جاء في المثل. لم يعتبره أيٌّ من اللاوي أو الكاهن على أنّه قريبًا بل على العكس غريبًا من الأفضل الابتعاد عنه إذ حدّدت قواعد الطهارة حينها تصرفهما هذا. واليوم، نواجه خطر ان تحدّد بعض وسائل الإعلام تصرفاتنا فتدفعنا الى حدّ تجاهل قريبنا.

لا يكفينا عبور "الطرقات" الرقميّة أي التواصل فقط فمن الضروري ان يترافق ذلك مع لقاء حقيقي. لا يمكننا ان نعيش وحدنا منغلقين على أنفسنا فنحن بحاجة أن نحب وان نشعر بالحبّ كما نحن بحاجة الى الحنان. وتجدر الإشارة الى ان استراتيجيّات التواصل ليست هي التّي تضمن الجمال والطيبة والحقيقة. وفي جميع الأحوال، لا يستطيع عالم الإعلام ان يكون بعيدًا كلّ البعد عن مصلحة البشريّة ومن مهامه التعبير عن الحنان فباستطاعة الشبكة الرقميّة ان تكون مكانًا مفعمًا بالإنسانيّة يجمع البشر. ليس حياد الإعلام سوى ظاهريًا: فوحده الذّي يتواصل منخرطًا مئة في المئة باللعبة قادر ان يصبح مرجعًا فالإنخراط الشخصي هو أساس مصداقيّة المتحاور وبالتالي من الممكن للشهادة المسيحيّة ان تصل بفضل الشبكة الى أطراف أساسيّة.
غالبًا ما أقول إنّه إذا خُيّرتُ بين كنيسة متصلبة تخرج الى الشارع وكنيسة مريضة بالتقوقع على نفسها، أُفضل الأولى حيثُ تكون الطرقات هي الطرقات التّي يرتادها الناس وحيثُ باستطاعتنا ان نلقاهم فعلاً. ومن هذه الطرقات، الطرقات الرقميّة المفعمة بالإنسانيّة المجروحة بأغلب الأحيان: نساءٌ ورجال يبحثون عن الخلاص أو الرجاء. وباستطاعة الرسالة المسيحيّة أن تسافر أيضًا بفضل الشبكة الى "أقاصي المعمورة" كما يعني فتح أبواب الكنائس فتحها أيضًا في البيئة الرقميّة إمّا لكي يدخل من عبرها الناس بغض النظر عن ظروف حياتهم إمّا لكي يتمكن الإنجيل من اجتياز عتبة الهيكل فيخرج لملاقاة الجميع. فنحن مدعوون لكي نشهد لكنيسةٍ تكون بيت الجميع. فهل نحن قادرين على نقل هذه الصورة؟ يُساهم التواصل في تحديد رسالة الكنيسة الرسوليّة جمعاء وتُعتبر شبكات التواصل الإجتماعي اليوم مكان يسمح لنا بعيش الدعوة الى إعادة اكتشاف جمال الإيمان وجمال اللقاء بالمسيح وعلى الكنيسة ان تنجح حتّى ضمن سياق التواصل الرقمي هذا على نشر الدفء والحرارة في القلوب.

لا تحقق الشهادة المسيحيّة هدفها عن طريق رشق الرسائل الدينيّة بل من خلال الرغبة في تقديم ذواتنا للآخرين "من خلال جهوزيتنا للانخراط بصبرٍ واحترام في مشاغلهم وشكوكهم على طريق البحث عن حقيقة ومعنى الوجود البشري. (بندكتس السادس عشر، رسالة بمناسبة اليوم العالي السابع والأربعين للتواصل الإجتماعي، 2013). فلنفكر مثلاً في حادثة تلاميذ عماوس. فمن الواجب معرفة محاورة النساء والرجال اليوم لكي نفهم توقعاتهم وشكوكهم وآمالهم واقتراح الإنجيل عليهم أي يسوع المسيح، الإله الذّي صار انسانًا فمات وقام لكي يُحررنا من الخطيئة والموت. ويتطلب هذا التحدي عمقًا وتعلّقًا بالحياة وحساسيّة روحيّة إذ يعني التحاور أن نكون مقتنعين بأن للآخر شيء ايجابي يقوله وافساح المجال أمام آرائه واقتراحاته وهذا لا يعني التخلي عن أفكارنا ومعتقداتنا بل عدم الإدعاء بأنّها فريدة من نوعها ومطلقة.

فلندع صورة السامري الصالح الذّي يُضمض جراح الرجل الجريح بصبّه الزيت والخمر تقودنا وليكن تواصلنا زيتًا مُعطّرًا للألم وخمرًا ذكيًّا للفرح. إن تأثيرنا ليس نتيجة خداع أو مؤثراتٍ خاصة بل نتيجة قدرتنا على التقرب من كلّ شخص مجروح نلتقي به في الطريق بحبٍ وحنان.لا تخفوا ولوج حدود الأراضي الرقيميّة فتواجد الكنيسة في عالم التواصل مهم جدًا للحوار مع إنسان اليوم وجعله يلتقي بالمسيح: كنيسة تكون رفيقة الدرب وتواكب المؤمنين. وفي هذا الإطار، تظهر ثورة وسائل التواصل والمعلومات على أنّها تحدّيًا كبيرًا ومثيرًا يتطلب طاقات ومخيّلة جديدة لنقل جمال اللّه للآخرين.

الفاتيكان، 24 يناير 2014
ترجمة أليتيا (aletei.org/ar)
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
البابا فرنسيس
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً