Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
الجمعة 30 أكتوبر
home iconروحانية
line break icon

ما هي السعادة؟ (القسم الثاني)

© SHUTTERSTOCK

La felicidad

أليتيا - تم النشر في 04/01/14

هل السعادة واحدة للجميع، أم أنها حالة نفسية شخصية أم شيئاً مفضلاً؟

هل هي مجموعة من الأمور المادية، أم إنجاز ما، أم شعور إيجابي؟ وهل السعادة واحدة للجميع، أم أنها حالة نفسية شخصية أم شيئاً مفضلاً؟


في القسم الأول من بحثنا حول طبيعة السعادة، كنا نترصد شيئاً لم يكن مجرد وسيلة لشيء آخر، شيئاً بشرياً بتميز، شيئاً يولد فينا بطريقة ما. وجدنا ذلك في النشاط الفاضل، الاستعمال الممتاز لقدرتنا العقلانية. لكن العمل الفاضل متنوع. فهناك نشاطات ما يسمى بالفضائل الأخلاقية كالشجاعة والزهد والعدالة، وهناك نشاطات ما يسمى بالفضائل الفكرية كالحكمة العملية والعادات المرتبطة بالفنون والعلوم المتنوعة. يمكن وصف كافة هذه النشاطات الفاضلة كسبل محبة الحقيقة. فإن محبتنا للحقيقة موجهة في النهاية إلى من هو الحق والمحبة. وتتمثل ذروة النشاط الفاضل في ممارسة فضيلة الحكمة الفكرية في التأمل المحب بالله – التأمل غير الكامل مع الأسف في هذه الحياة، وإنما المكتمل في السماء في الممارسة التي تسميها الكنيسة بـ "الرؤية المبهجة".


كثيراً ما نعتقد أن السعادة هي جوهرياً "هناك" في مكان ما – في شخص جديد قد يدخل حياتنا، وظيفة جديدة، المزيد من المال، صحة أفضل، اعتراف عام بجهودنا، ظروف اجتماعية أكثر عدالة، وأمور مماثلة. ليس من الخطأ تماماً التفكير على هذا النحو؛ فإن جميع العناصر المذكورة في هذه القائمة هي في النهاية جيدة. لكن التركيز على العمل الفاضل كجوهر الحياة السعيدة يعيد إبعاد أنظارنا عن أمور "خارجة" عنا ويوجهها نحو ما يمكننا فعله "داخلنا" – أي ما يمكننا أن نبدأ به باستخدام قدرتنا كحيوانات ناطقة لمعرفة الحقيقة والتصرف بمحبة بناء عليها. لقد أصبحت "روح المبادرة" مصطلحاً شائعاً في مناقشات الفعالية في أماكن العمل، لكن السعادة هي "النشاط المؤيد" البارز. إن السعادة ليست جزءاً من حسن الحظ الذي نرجو أن يحالفنا، ولا نتاجاً ناجحاً أم إنجازاً. إن السعادة في جوهرها هي فعل داخلي نحب من خلاله الحقيقة.


العقل البشري هو "مدير" أفعال فضائل مماثلة، لأننا بالعقل نستطيع أن نفهم الحقيقة التي يجب أن تكون إلهام كافة أعمالنا وغايتها. يمكن فهم الحقيقة بأكثر من طريقة. نتوصل إلى معرفة الحقيقة مثلاً من خلال البحث العلمي، وإنما أيضاً من خلال التأمل الأخلاقي والتجربة الجمالية، فضلاً عن الوحي المباشر من الله.


يسعى العقل، كمدير أفعالنا، إلى تنظيم إرادتنا، أو أحد أهوائنا أو مشاعرنا. تُصنّف الفضائل الأخلاقية المتعددة بانتمائها إما إلى تنظيم العقل للمشاعر (كما في الشجاعة والزهد والسخاء والحلم)، وإما إلى تنظيم العقل للإرادة (فضيلة العدالة). في كافة هذه الأفعال الفاضلة، يتجلى حبنا للحقيقة. مجدداً، ليس الأمر الأكثر أهمية هو ما ننجزه من خلال هذه الأفعال، وإنما رغبتنا الداخلية في القيام بها.


هذا لا يعني أن محاولة القيام بالصالحات في العالم ليس مهماً. بعيداً عن ذلك، يوجهنا العقل دوماً إلى خدمة إخوتنا البشر، إلى خدمة ما يُسمى في التقليد الكاثوليكي بـ "المصلحة العامة". لكن، وكما نرى في مثل الأرملة الفقيرة التي ألقت فقط درهمين في الصندوق (لوقا 21: 1، 4)، إن أكثر ما يهم هو المحبة التي نقوم من خلالها بالأمور، وليس النتائج التي نحققها (مهما كانت نبيلة).



إن المثير للاهتمام حول الحياة الفاضلة هو أن الأمور التي كثيراً ما نظن أنها السعادة لا تُنسى، بل يتم السعي إليها بطرق أكثر وفرة وإرضاء. تُثمن الحياة الفاضلة الثروة، وإنما ليس على حساب أمور أكثر أهمية. كما أن الحياة الفاضلة لا تزدري بالجنس، وإنما تضعه ضمن السياق الرائع للزواج والحياة العائلية. كذلك، تعتبر الحياة الفاضلة أن للصداقة قيمة عزيزة، لكنها تثمن بخاصة الصداقات القائمة على السعي المشترك إلى الحياة الفاضلة.


في التطويبات (متى، الفصل الخامس)، يبيّن ربنا مبادئ الحياة السعيدة بالمعنى المسيحي. "طوبى للمساكين في الروح، لأن لهم ملكوت السماوات… طوبى للمحزونين، لأنهم يعزّون". إنها تصريحات مذهلة حول الحياة السعيدة؛ فمن يفكر بشكل طبيعي أن السعادة متعلقة بأن يكون المرء فقيراً ومحزوناً ومُهاناً؟ حتى ربط السعادة بإظهار الرحمة وصنع السلام ليس الرابط الذي نميل إلى خلقه. إن فهم المسيح للسعادة يتحدانا لمتابعة إنجاز بعيداً عن متناول العقل المجرد. للفهم المسيحي للسعادة أساس ما في الفضيلة الطبيعية لحب الحقيقة، لكنه يأخذ تلك الحقيقة ويعمّقها بأساليب غير متوقعة – لدرجة الاضطهاد إذا كان يخولنا الاتحاد بالمحبة مع إلهنا الذي وحد حياته بحياتنا من خلال آلامه.


لذلك، توجد عدة أبعاد للحياة السعيدة: هناك حياة سميتها بالفضيلة الطبيعية، وهناك الحياة السعيدة للفضيلة المسيحية التي تصبح ممكنة من خلال مواهب ما يسميه القديس توما الأكويني بـ "الفضائل اللاهوتية" – أي الإيمان والرجاء والمحبة (Summa theologiæ، I-II، السؤال 62، الفقرة الأولى). ولكن، حتى الفضيلة المسيحية في هذه الحياة الأرضية، حتى وإن عاشها قديس، تترك محبتنا للحقيقة غير راضية. لن ترتاح قلوبنا إلا عندما تجد محبة حقيقية محبوبة تماماً وحقيقية تماماً (Summa theologiæ، السؤال الثاني، الفقرة 8). إن سعادتنا، وفي إعادة صياغة لما قاله القديس أغسطينوس، لن ترتاح أبداً إلا عندما نرتاح في الرؤية المُحبة لله "كما هو"، الرؤية التي يتمتع بها المباركون في السماء (1 يوحنا 3: 2، 3).

ننشر في ما يلي بعض الكلمات المأخوذة من عظة البابا بندكتس الأخيرة في عيد مريم أم الله (1 يناير 2013) والتي تشكل طريقة مناسبة لإنهاء هذا التأمل حول السعادة:

بالنسبة للكتاب المقدس، إن التأمل في وجه الله هو السعادة العظمى: "ليشدو فرحاً أمام وجهك" (مزمور 21، 7). من التأمل بوجه الله، يولد الفرح والأمان والسلام. ولكن ماذا يعني حسياً التأمل بوجه الرب، كما هو مفهوم في العهد الجديد؟ إنه يعني معرفته بشكل مباشر، بقدر ما هو ممكن في هذه الحياة، من خلال يسوع المسيح الذي يتجلى فيه.    

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
غيتا مارون
صلاة رائعة كتبها الشهيد اللبناني فتحي بلدي
غيتا مارون
هل مُنح الخلاص للمسيحيين فقط؟ الأب بيتر حنا ي...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً