Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر
روحانية

كيف نشرح العنف المذكور في الكتاب المقدس؟

Public Domian

أليتيا - تم النشر في 31/12/13

الله يربّي قلبَ الإنسان القاسي

روما / أليتيا (aleteia.org/ar). –  إنّ تاريخ شعب اسرائيل عبارة عن مسيرةٍ تعليمية. وعبر مراحل، يُخرج الله شعبه من العنف باسمه، حتّى اليوم الذي سيقول فيه يسوع "طوبى للودعاء".


يعودُ تاريخُ كتابة الكتاب المقدس إلى القرون الأخيرة قبل مجيء يسوع المسيح، ولكنّ الشهادة عنه تمتدّ لألفي عام. ولذلك، عندما نتكلّمُ عن الكتاب المقدس، لابدّ أن نعرف في أيّ حقبةٍ من الوحي علينا وضعه. ففي بداية الكتاب المقدس، تتكلمُ الفصول الأولى من سفر التكوين عن خلق وأصول الإنسانية، وهذا يعني أنّ العنف لا يأتي من الله.



إنّها حقيقة ملموسة، فالعديدُ من صفحات الكتاب المقدس تضمّ مشاهد عنيفة للغاية. "إنّي أبغضتهم بُغضًا تامًّا"، يقول المزمور 139. ويشكّلُ هذا العنف عائقًا أمام قراءة العهد القديم، كما ينمّي الرفض تجاه الأديان، وبصورةٍ خاصّة تلك التوحيدية. فالكتاب المقدس، على هذا الأساس، يصبح دليلاً للتعصب الذي توارثته المسيحية أو الإسلام.من أين يأتي العنف بحسب الكتاب المقدس؟ لا يأتي من الله. فالخليقة عملٌ فيه سلطان، وليس عنف. ورسالة الإنسان تكمنُ، من بين أمورٍ أخرى، في تنظيم الخليقة في هذا العالم غير الكامل. وتهدفُ سيادته هذه على العالم المخلوق إلى إحلال السلام، ولكن الحيّة – الشرير – تعرضُ على الإنسان أكلَ الثمرة الممنوعة ليصبح قادرًا على منافسة الله. ولم يستطع آدم وحواء مقاومة هذه التجربة، لا بل انجرّا وراءها وانخدعا بها: إنّها الخطيئة. كان العنفُ أوّلَ عاقبةٍ للخطيئة. فمن جراء التنافس، يقتلُ قايين أخاه هابيل. يريدُ الله إيقاف هذا العنف، ولكنّه يبقى مشتعلاً لا بل يصل إلى درجة، كما يقول الكتاب المقدس، تجعل الله يندم على خلقه للإنسان. فيقول الله لنوح: "الأرضُ بسبب البشر مليئةٌ بالعنف". ولكنّ الإنسانية تبدأ من جديد انطلاقًا من البارّ الوحيد الذي يلتقيه الله، نوح وعائلته. ! ويجتاحُ الفيضان الخطأة والخطايا، وهذا لا يعني أنّ الله ينتقم، ولكنّه لا يستطيع السماح للشرّ أو للظلم والعنف والخطيئة، بالانتشار بصورةٍ مستمرة. وفي النهاية، وكعلامةٍ على عهدٍ جديد مع الإنسانية، يضعُ الله في السماء قوس قزح يجمعُ الإنسانية من جميع جهات الأرض. فيصبحُ القوسُ، سلاحُ الحرب، رمزًا للسلام. ويعلنُ عن تحوّلٍ جذري: موت يسوع على الصليب كمصدر للخلاص. تستخدم الفصول الأولى من الكتاب المقدس بوضوح أسلوبَ الصور، ولكنّ العقول السطحية تأخذها باستخفاف أحيانًا. في حين أنّ هذه الفصول تفسّرُ وضعَ الإنسان وجميع البشر قبل أن يبدأ تاريخ شعب اسرائيل مع ابراهيم.

ليُعرّف نفسه للبشر، اختار اللهُ إنسانًا، ابراهيم وسلالته. وعندما نما بنو اسرائيل كثيرًا في العدد، في وقت موسى، أصبحَ فرعون عنيفًا معهم، ووصل إلى قتل جميع المولودين الجدد من الذكور. ولكنّ الله دافع عن شعبه: هذه هي العدالة.



لم يولد شعب اسرائيل في العنف، بل وُلِد من دعوة: فالله يدعو ابراهيم ويُخرجه من موطنه لكي ينتقل كبدوي مع عائلته وماشيته. هو نفسه رجلُ سلام، إذ يتشفعُ لدى الله من أجل صادوم، المدينة الخاطئة. وفي حادثة الصراع عند بئر السبع، يصلُ إلى حلٍّ مع منافسه وينتهي بتوقيع عهدٍ معه. يسلّم عليه ملكيصادق، ملك سالم (أورشليم)، كلمة تعني "السلام". فإذا كان ابراهيمُ مسالمًا، فماذا نقول عن الله؟ منعَ الله ابراهيم أن يقدّم له ابنه ذبيحة وهذا المنع سيبقى ذكراه دائمًا. وفي أورشليم، وُصِفَ وادي آبن هنُّوم بالملعون لأنّ الملوك الأشرار آمنوا بالحصول على الرضى الإلهي من خلال تقديم أولادهم وبناتهم ذبائح. ولكنّ الله يدينُ هذا الأمر من خلال كلمات النبي إرميا: "وهو ما لم آمُرْ به ولم يَخطُرْ ببالي" (إرميا 7، 31). ولكنّ الله هو ذلك الذي يمطرُ نارًا على صادوم ويدمّر المدينة وشعبها. بينما يذكرُ الإنجيل أنّ تلميذين ليسوع أرادا يومًا أن يُنزلا نارًا على قريةٍ رفضت استقبالهما، ولكن يسوع يوبّخهما. وتضيف بعض الطبعات على لسان يسوع: "أنتما لا تعرفان من أيّ روح أنتما". بمقارنة هذين المشهدين، يزدادُ الرفض تجاه العهد القديم الذي يقدّمُ وجهًا مبغضًا لله أكثر منه محببًا. وعلى أيّة حال، وحتّى عندما يدمّرُ صادوم، لا يستسلمُ الله إلى روح التعسف: فمدينة صادوم هي التي أخطأت ولم تلتزم بواجبها الإنساني الأساسي وهو الاستضافة . فالله إذًا ليس عنيفًا، بل عادلاً ويحمي شعبه. وبعد عدّة قرون، يعاني ابراهيم وسلالته في مصر من العنف ويُهدَّدون بالإبادة. تبدأ عندها مرحلة جديدة من التاريخ، وفيها يدافعُ الله عن بني اسرائيل "بيدٍ قديرة وذراع ممدودة". وتحت قيادة موسى، يخرجهم من مصر، يدافع عنهم عندما يُهاجَمون ويُدخلهم إلى أرض الميعاد.

في عالمٍ مليء بالعنف، غالبًا ما يواجهُ شعب اسرائيل الحربَ. والأمر لم يتعلق باتقلاله الوطني وحسب، بل والديني أيضاً.



اختار الله شعبًا لن يكون يومًا مملكةً متسلطة وقويّة، بل سيدخل عنوةً في منافسة مع القوى التي تحيط به. ولابدّ أن نعلم أن الحرب في ذلك الوقت كانت أمرًا يحدثُ بصورةٍ اعتيادية. لنفكّر على سبيل المثال في القرون الوسطى. وبقدر ما يثق الله في هذا الشعب، يصبحُ لحروب بني اسرائيل هدف مقدّس. فـ"الله ضابط الكلّ" هو ربّ الجيوش السماوية، التي تشير إلى عددٍ لا يُحصى من النجوم، ولكنها أيضًا جيوش اسرائيل التي تدافع عن استقلالها الديني. خطرُ آخر: يمتزجُ شعب اسرائيل أيضًا مع شعوبٍ أخرى ليتعرّض لخطر تبنّي آلهتهم أيضًا. وفي بعض الحالات، استطاعت هذه الرغبة في الطهارة الدينية أن تبيدَ شعبًا أو آخر. ولكن يبدو أن لهذا السلوك النادر أسباب دنيوية جدًا، وخاصّةً الغنيمة، أي ما يُقدّم لله لكي لا ينجرّ شعب اسرائيل وراء الطمع في الخيرات المادية. وفيما يخصّ قانون اسرائيل، كانت عقوبة الموت تُنفّذ بحقّ عددٍ محدد من الجرائم، ولكنها في النهاية إمّا جرائم اجتماعية مثل القتل والاغتصاب، أو دينية بحتة أي، على سبيل المثال، عندما يسلّم المرءُ أولاده للأصنام. ولكن كلّ شيء يأتي بالقانون، بناءً على العديد من الشهادات، وكان لابدّ من إعطاء الفرصة للمتّهم ليدافع عن نفسه. فـ"قانون الانتقام" أو "العين بالعين والسنّ بالسنّ"، ليس دعوةً للانتقام بل للحدّ من العقاب.

العنف في نهاية الأمر يؤدي فقط إلى وقوع ضحايا، ولا يمكن هزيمته بعنفٍ مضاد. وإذا أتى العنف من قلب الإنسان، فعلى قلب الإنسان نفسه أن يعالجه ويحوّله إلى نعمة، وهذا ما فعله المسيح. ولكن، بعد عشرين قرنًا من تربية الله لشعبه، لم يفهم هذا الشعب.. ونحنُ، هل فهمناه؟



في التاريخ، غالبًا ما وقع بني اسرائيل ضحية العنف الذي يقوم به. ولكنّ الله، من خلال الأنبياء، يجعل شعبه يكتشف تدريجيًا بأنّ العنف طريقٌ لا مخرج له، وأنّ استخدام القوّة لا يضعُ حدًا للخطيئة التي تسكنُ في الإنسان. الأهمّ هو اهتداء القلوب والتغيير الكلي لنظرة الإنسان، كما أعلنته نبؤاتُ خادم الله: "يبرّر عبدي البارّ الكثيرين وهو يحتملُ آثامهم" (إشعيا 53، 11). ويؤمن المسيحي بأنّ يسوع المسيح هو تحقيقُ هذه النبوءة. إنّ قصّة العنف في الكتاب المقدس هي مسيرةٌ تربوية. من جهةٍ أخرى، لا جدوى من إنكار العنف في قلوبنا ومجتمعنا وعالمنا. ولابدّ كخطوةٍ أولى من السيطرة عليه لنمنع احتلاله على كلّ شيء. لابدّ أيضًا أن نعرف بأنّ الانحرافات ممكنة، فالقرن العشرون، على سبيل المثال، اتّسمَ بعنفٍ شديد. إذا كانت الكراهية موجودة، فأنّها تنحدرُ إلى جميع صيغ الشرّ: رفض الله، الباطل، الظلم، احتقار للآخرين ولكرامتهم ولخيراتهم. لابدّ من كره الخطيئة ومحبة الخاطئ. وهذا ما يذكره صاحب المزامير – "إنّي أبغضتهم بُغضًا تامًّا" -، وهو ما حققه يسوع بصورةٍ كاملة ولم يفهمه منافسوه. ونحنُ، هل فهمناه؟

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً