Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
روحانية

البطريرك الراعي / يا يوسف، قمْ خذِ الصبيَ وأمَّه واهرب إلى مصر

البطريركية المارونية

أليتيا - تم النشر في 30/12/13

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي، بكركي

بكركي/أليتيا (aleteia.org/ar) 1. إنّ هرب العائلة المقدّسة إلى مصر بطلب من الله، يبيّن لنا أنّ الله يسهر على تحقيق تصميمه الخلاصي عبر تاريخ البشر. فحمى الطفل يسوع من شرّ هيرودس الملك عندما عرف نيّته المزمعة على قتله، وحمى رسالة الخلاص والفداء. فأرسل الله ملاكه إلى يوسف ليقول له في الحلم: "يا يوسف، قمْ خذ الصبي وأمَّه واهرب إلى مصر… لأنّ هيرودس مزمع أن يقتله" (متى2: 13).


2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعاً، وبخاصّة بجوقة رعية الكحّاله التي تحيي أناشيد هذا القداس الإلهي؛ وبرابطة قدامى مؤسّسة المونسنيور قرطباوي، أدما، وبالحركة الرسولية المريمية المتمثّلة برئيسها السيد داني بوشاهين، وبهيئة مكاتب المجالس الإقليمية والمحلية؛ فنحيّي مرشدها العام سيادة أخينا المطران غي بولس نجيم السامي الاحترام. ونرحّب بجامعة بني ضو وعلى رأسها عميدها النائب الأستاذ نعمة الله أبي نصر. وإنّي أجدّد لكم جميعًا أطيب التهاني والتمنيات بالميلاد المجيد، راجين من الطفل الإلهي أن يفيضَ عليكم الخير والنعم التي تحتاجونها.

3. نسأل الله أن يحمي كنيستَه، بكلّ أبنائها وبناتها ومؤسّساتها، في لبنان وبلدان الشّرق الأوسط، من شرّ الحرب والعنف والاعتداءات المتكرِّرة. إنّه بذلك يحمي رسالتها التي يحتاج إليها هذا المشرق حاجةً ماسّة: فهو بحاجة إلى إنجيل الأخوّة والسلام. هذا الإنجيل هو صوتُ الله نفسِه الذي يدعو كلَّ واحد وواحدة منّا، وكلَّ الكنيسة في شرقنا، كما دعا يوسف في الحلم، "ليقوموا" جميعهم ويحموا ذواتهم، و"يهربوا" بوطنهم ومؤسّساتهم من شرّ القتل والاعتداء، ويستلهموا الله في قراراتهم وتحرّكاتهم. فإنّ للمسيحيّين دوراً هامّاً في صنع السلام، وإخمادِ العداوات، وتوطيدِ أواصر الأخوّة والتعاون بين جميع الناس.

على أرض هذا الشّرق رُفع صليبُ الفداء، وتركَ المسيحُ الفادي للعالم سرَّ موته وقيامته من أجل حياة جديدة تنعشه.

4. ميلادُ المسيح فادي الإنسان ممهورٌ بوجه الألم والموت. هذا الإلهُ الذي صار إنساناً، إنّما أتى إلى أرضنا لكي، بآلامه وموته على الصليب، يفتديَ البشرية، من الخطيئة والشر وعبودية الشيطان، ولكي يعيدَ للإنسان، بقيامته من الموت، بهاءَ صورة الله المشوّهة بخطاياه وشروره. وقد بدأ رحلةَ الألم بميلاده في مذود، وبهربه مشرّداً إلى مصر، وباستشهاد أطفال بيت لحم الأبرياء.

واليوم في لبنان دخل فرحُ الميلاد في حزنٍ شديد، باغتيال وجهٍ سلاميٍّ مُحبّ، هو المغفور له الوزير الأسبق الدكتور محمد شطح، رجل الاقتصاد والديبلوماسية والسياسة بامتياز، مع سبع ضحايا بريئة وحوالي سبعين جريحاً إلى جانب خراب كبير في المباني ومركز التجارة الحيوي، بانفجار سيارة مفخّخة صباح الجمعة في محلة ستاركو بيروت. إنّها ضربةٌ قاسية للبنان كلّه، وخسارةٌ جسيمة باغتيال شخصية لبنانية رفيعة، الوزير محمّد شطح، صديقنا شخصيًّا، الذي كنّا نصغي لكلامه بارتياح، وقدّرنا رؤيته للخروج من الأزمة السياسية الراهنة، التي سلَّمَنا إياها مكتوبة منذ أقل من أسبوع. وها يد أعداء لبنان والاعتدال والحوار تغتاله. لكنّ فكره حيّ ورؤيته فاعلة بإذن الله.

نصلّي إلى الله لكي يجعل من هذه المأساة الكبيرة مشاركةً من الضحايا وأهلهِم في آلام الفداء، من أجل خلاص لبنان وشعبِه ومؤسساته. بهذا يكون العزاء الحقيقي عن فقدهم، ويرضى بالتضحية الجسيمة أهلُهم، على ما نعتقد، وأهالي الضحايا التي سقطت من قبلهم، إذا مُسَّ ضميرُ الفريقَين السياسيَّين المتنازعَين، وأقرّوا بمسؤوليّتهم السياسية عن انكشاف الأمن بسبب التمادي في النزاع والتباعد وشدّ الحبال. ألا تُحرّكهم هذه المآسي الوطنية الكبيرة نحو إقرار ميثاق وطني متجدّد، يشذّب ميثاق 1943 من الشوائب التي طرأت على جوهره وهو: العيش المشترك المسيحي – الإسلامي على تنوّع مكوّناته، والولاء للبنان من دون أي تبعيّة لبلد في الشرق أو في الغرب، بل الصداقة والتعاون مع جميع البلدان. إننا ككنيسةوكبطريركية ملتزمون بهذا المسعى ونشجّع على تحقيقه. إنّ الاتّهامات المتسّرعة التي تستبق حكم القضاء تعطّل هذا المسعى، ويا للاسف، وتؤجّج النار مع ما ينتج عنه من نتائج وخيمة بحق الجميع.

5. تذكر الكنيسة اليوم هرب العائلة المقدّسة إلى مصر واستشهاد أطفال بيت لحم.

بميلاد يسوع في بيت لحم، بشّر ملاكُ الله الرعاة الساهرين على مواشيهم في عتمات اللَّيل. وما إن سمعوا البشرى حتى ذهبوا مُسرعين إلى المذود حيث وجدوا الطفل كما أعلمهم الملاك. وبواسطة العلم وقراءة حركة النجوم أعلن الله الخبر بطريقة غير مباشرة للمجوس الثلاثة الذين ساروا من المشرق البعيد، حاملين هداياهم الرمزية: الذهب للملك، والبخور للكاهن، والمرّ – الحنوط للفادي الإلهي.

أمّا هيرودس الملك فلمّا سمع الخبر، اضطرب خوفاً على عرشه، فعقد النيّة على أن يقتلَ يسوع الذي سمع عنه أنّه "ملك اليهود الجديد". لكنّ الله الذي يعرف نوايا كلّ إنسان، أوحى إلى المجوس في الحلم بألّا يرجعوا إلى هيرودس، لئلّا يعرف المكان (متى2: 12). ولمّا انصرفوا أرسل اللهُ ملاكه فتراءى ليوسف في الحلم وأمره بالهرب بالطفل وأمّه إلى مصر. فكان الهرب ونجاة الطفل وحماية تصميم الخلاص. أمّا هيرودس الملك فأمر بقتل جميع أطفال بيت لحم من عمر سنتين فما دون. انها جريمة بشرية تتكرر كل يوم.

أوّل ما يتبادر إلى الذهن هو أنّ الله في حوار دائم، وبشتّى الطرق، مع الإنسان، كلّ إنسان. وعلينا أن نصغي إلى ندائه ونعمل بموجبه، وإلّا كانت النتائج وخيمة بسبب شرّ الإنسان، كما نشهد عندنا، في لبنان وسوريا والعراق ومصر وفلسطين، حيث القتل والتدمير والتهجير جارٍ، وما من رادع ضمير، وخوف من دينونة الله.

6. أمام مغريات السلطة وكراسيها، ينبغي على كلّ مسؤول سياسي أن يصغي إلى صوت الله في أعماق ضميره، شرط أن ينيره دائماً بكلام الله وينعشَه بالصلاة والتوبة، لئلّا يستغلَّ سلطته لارتكاب الشرور بحقّ المواطنين الموكولين إلى عنايته.

إنّ أساس مصائب الشعوب والحروبِ والعنف وكوارثِها واحدٌ وهو الطمع: السلطة ومغرياتها. من أجل الحصول عليها والاحتفاظ بها، يلجأ الساعون إليها، تحت شعارات كاذبة، أحياناً إلى الحرب والعنف، وأحياناً إلى تعطيل المؤسسات الدستورية والعامة، كما هو جارٍ عندنا في لبنان وفي منطقتنا.

كيف يمكن التوفيق بين هذه الوسائل الهدّامة وهدفِ العمل السياسي ومبرّرِ وجوده، وهو تأمينُ الخير العام الذي هو مجمل أوضاع الحياة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والأوضاع الإدارية والتشريعية والثقافية التي تمكّن المواطنين والجماعات من تحقيق ذواتهم تحقيقاً أفضل؟ والكلّ مرتبط بقدسية الحياة البشرية، وكرامةِ الشخص البشري وحقوقه الأساسية.

7. تطبيقاً للحدث الإنجيلي، الذي نذكره اليوم، ينبغي علينا حمايةُ الكنز الأغلى الذي هو لبنان، الدولةُ والوطن، في كيانه وشعبه ومؤسساته. ينبغي "الهربُ به" من كلّ لاعبٍ لدور هيرودس، سواء من الداخل أم من الخارج، و"الهربُ" من جميع العراقيل السياسية والمذهبية التي تحول دون تأليف حكومة ميثاقية قادرة على إخراج لبنان من معاناته الآخذة بالتفاقم سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، وعلى إزالة الأسباب المؤدّية إلى هذا التردّي الخطير للوضع الأمني، والمتسبّبة بظاهرة السيارات المفخخة التي تجول في المناطق اللبنانية وتحصد خيرة رجالاتنا وتُسقط الضحايا البريئة من بين المواطنين.

وفي كلّ حال، يقتضي الحدثُ الجلل التزامَ نوّاب الأمّة بواجبهم الدستوري الذي يوليهم شرفَ انتخاب رئيس للجمهورية. فيعلنون اليوم التزامهم الوجداني الوطني بالحضور إلى المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في الموعد الدستوري المحدّد، مهما كانت الظروف والأوضاع. فكرامتهم وكرامةُ الشعب اللبناني تستدعي وجودَ رئيس جديد على البلاد، رئيسٍ يكون على مستوى حاجات الوطن اليوم والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية. كما أنّ كرامة رئيس الجمهورية، الذي يقود حاليّاً سفينة البلاد وسط الرياح والعواصف، بالحكمة والحقيقة والشجاعة، تقتضي احترامَ عزمه على تسليم الوديعة لخلفه في الموعد الدستوري، كما أعلن أكثر من مرّة.

لذا، إنّ التنظير بشأن الفراغ والتمديد أمرٌ معيب حقّاً، عدا عن كونه تجنّياً على الدستور والدولة.

وعلى المجلس النيابي الاستعداد للاستحقاق الرئاسي بإقرار قانون جديد للانتخابات، يكون منصفًا وعادلًا، ومن شأنه المحافظة على المناصفة الحقيقية في التمثيل، وتأمين القيمة لصوت المواطن الناخب، بحيث يستطيع أن يمارس حقّ المحاسبة والمساءلة تجاه ممثّليه في الندوة البرلمانية.

يا ربّ، بحقّ الدماء البريئة التي سقطت على أرضنا، وتلك التي تسقط كلّ يوم في منطقتنا، نُكرّر دعاء الكنيسة الناشئة في آخر كلمة من كتبك المقدّسة: "تعال إليها الربُّ يسوع"(رؤ21: 20). نسألك أن تحرّك ضمائر المسؤولين السياسيين، فيستلهموك ويعملون وفق إيحاءاتك من أجل خير وطننا وبلدان المنطقة. وإنّا في كلّ حال، نرفع نشيد المجد والشكر إليك، أيّها الآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
البطريرك الراعيزمن الميلادعيد الميلاد
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً