أليتيا

هل يؤمنُ المسيحيون بالقدر؟

http://picsbox.biz/
مشاركة
تعليق

الاتكالُ على الله لا يعني إلغاء حرّية الإنسان

يرفضُ الفكرُ المسيحي الإيمانَ بقوةٍ عمياء تقودُ الإنسان إلى نهايةٍ معينة. فالله خلق الإنسان عاقلاً وحرًّا، أي مسؤولاً عن أفعاله. فلا يجب على المسيحي إذَا الإيمان بالقدر بمعنى الأمر المحتوم.
 

كانت الأساطيرُ اليونانية تسمّي القدر "مويرا". وكانت الشرط المؤسِّس لمختلف آلهة هذه الأساطير، إذ كانت تنسبُ للآلهة أفعالها وفضائلها وامتيازاتها. وبذات الطريقة، كانت المويرا تفرضُ أفعالها على الكائنات أمام استحالة كلٍّ من هذه الأخيرة تجاوز محدوديتها. وبهذا المعنى، كانت شرائعها غير قابلة للتغيير. هذا المصطلح، الذي نجده في اللغة اللاتينية “fatum”، ظهر قبل المسيحية. وبحسبه، هناك شيءٌ محتوم ما وراء أحداث الحياة ، لا مفرّ منه، يتجاوزُ على حرّية الإنسان. وكأنّ بعض الأحداث كانت مكتوبة في السابق، وبالتالي لا يمكن تغييرها. يرفضُ الفكرُ المسيحي أن يكون العالم وأحداثُ الحياة التي تجري فيه، نتاج قوى خفية – أحيانًا طيبة وأحيانًا أخرى شريرة – تفرضُ ذاتها على البشر. بالنسبة للمسيحيين، خلق اللهُ العالم بطيبته وحكمته، وأراد أن يشارك الخليقة في وجوده وطيبته (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 295).

على الإنسان، بعقله وحريته اللذين منحهما اللهُ له، أن يكون مسؤولاً عن اختياراته وقراراته. وبالتالي، لا يجب أن ينسب إلى القدر نتائجَ أفعاله.
 

لم يقتصر الله على خلق العالم ومنح الوجود للبشر، بل أعطاهم القدرة على المشاركة في عمله، أي في كمال وتناغم العالم. كما منحهم، من خلال العقل والارادة، كرامة التصرف بأنفسهم وبحرّية. ويمنحُ الفكرُ المسيحي لحرّية الإنسان قيمةً عظيمة، فهي "علامة فائقة لصورة الله" (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1705). فإذا كان الإنسانُ حرًا في التصرف بحسب عقله، كيف يتأثرُ إذًا بقراراتٍ اتُخذت مسبقًا حول أحداثٍ لا مفرّ منها مرتبطة بحياته؟ فالإنسان مسؤولٌ دومًا عن قراراته، وعليه أن يجيب عن أفعاله أمام البشر وأمام الله.

بدلاً من الإيمان بالقدر، يؤمنُ المسيحيون بالعناية الإلهية. فالإنسانُ في مسيرةٍ نحو الكمال النهائي الذي لا زال عليه أن يصله. والعناية الإلهية هي مجموعة التدابير التي يقودُ الله خليقته من خلالها إلى هذا الكمال.
 

يتضمنُ الكمالُ النهائي، الذي يُدعى إليه الإنسان في الحياة الأبدية، المشاركة في ملء الحبّ الذي هو الله (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 221). تتجاوزُ هذه الشِركة مع الله الإدراكَ والخيال. ويتحدث الكتاب المقدس عنها في تصوير الفردوس، أورشليم السماوية، ديار الآب، السعادة، النور، الحياة، السلام (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 1027). خُلِق البشر على هذه الأرض ليسيروا نحو هذا الكمال النهائي. وفي هذه المسيرة، لا يتركُ اللهُ الإنسانَ لمصيره المحتوم، بل يسنده ويقدّم له المساعدة. وتعبّرُ هذه العلاقة عن اتّكال الإنسان على خالقه. وهذا الاتّكال لا يعني مطلقًا إلغاء حرّية الإنسان أو التحدّث عن القدر كأمرٍ محتوم. بل هو فعلُ تواضع، مصدر حكمة وحرية، فرح وثقة (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 301). وبهذا المعنى فإن إرشاد الله لخلائقه بحكمةٍ ومحبة – آخذًا بالاعتبار هدف الكمال النهائي ، هو ما نسميه العناية الإلهية.يؤمنُ المسيحيون بأنّ قدرهم، إذا صحّ التعبير، هو تقبّل هذه الدعوة لعيش السعادة الكاملة مع الله والإستجابة لمحبته كلّ يوم. كما يقول القديس اغناطيوس دي لويولا، "نصلّي وكأنّ كلّ شيءٍ يعتمدُ على الله، ونعمل وكأنّ كلّ شيءٍ يعتمدُ علينا". بكلماتٍ أخرى، يصبحُ المسيحيون أكثر أحرارًا عندما يتّكلون على العناية الإلهية. فبها يؤمنون وفيها يستطيعون دومًا وضع ثقتهم.

النشرة
تسلم Aleteia يومياً