Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
أخبار

ما رأي الكاثوليك في حرية التعبير؟

© DR

أليتيا - تم النشر في 29/10/13

هل يندرج الحق في حرية التعبير ضمن حقوق الإنسان التي تعترف بها الكنيسة الكاثوليكية؟ إذا كان الأمر كذلك، أفلا يعني ذلك أن الكنيسة تتغاضى عن أشكال التعبير المؤذية والمهينة بما في ذلك "خطاب الكراهية"؟


خلق البشر من أجل الحقيقة. ويتجلى أسمى تعبير عن كرامتنا البشرية في سعينا وراء الحقيقة واكتشافنا لها والتأمل بها. لكن، لا يمكن لسعينا وراء الحقيقة أن يكون صادقاً أو ناجحاً إذا كان معرضاً للضغوطات أو معرقلاً من قبل الدولة أو فرد ما أو مجموعة ما. فالحقيقة تتطلب أن تتم مقاربتها بحرية، بما في ذلك حرية التعبير عن رأينا حول ماهية الحقيقة أو أقله ما نفهم أنه الحقيقة. إن حرية التعبير هذه الجوهرية للكرامة الإنسانية معترف بها من قبل الكنيسة الكاثوليكية كحق إنساني أساسي. مع ذلك، هذا لا يعني أنه من المقبول أخلاقياً التشبث بالخطأ أو التلفظ بكلام آثم يؤذي الآخرين. إن الحق في حرية التعبير يحمينا من تدخل الآخرين أثناء سعينا وراء الحقيقة، لكنه لا يعني الموافقة الأخلاقية على كافة أشكال التعبير.

يقول البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته العامةCentesimus Annus "السنة المئة" التي أصدرها سنة 1991 أنه لا بد من إعطاء المثال الديمقراطي – المثال السائد حالياً في دول الغرب القومية – "أساساً حقيقياً ومتيناً" من خلال الاعتراف الصريح بحقوق الإنسان. من بين أهم هذه الحقوق، هناك "حق الإنسان في تنمية ذكائه وحريته في السعي إلى الحقيقة ومعرفتها" (رقم 47)، حسبما يقول البابا يوحنا بولس. من المؤكد أن الحق في حرية التعبير ضمني في هذه الصيغة لأن ملكة التعبير المسؤولة عن الكلمة الشفهية والمكتوبة، وبمهارة أكبر عن "الكلمة" القائمة فقط على الصور، هي الملكة التي نمارس فيه ذكاءنا وحريتنا في السعي إلى الحقيقة ومعرفتها ونقلها (راجع أيضاً ملخص العقيدة الاجتماعية للكنيسة، رقم 200).

في "السنة المئة"، يضيف البابا يوحنا بولس الثاني أن مصدر حقوق الإنسان كافة وخلاصتها هما "الحرية الدينية المفهومة كحق الإنسان في العيش في حقيقة إيمانه ووفقاً لكرامته السامية كإنسان" (رقم 47). هنا، يشير الأب الأقدس إلى إعلان المجمع الفاتيكاني الثاني حول الحرية الدينيةDignitatis Humanae (كرامة الإنسان). يؤكد هذا الإعلان: "الجميع ملزمون بالسعي إلى الحقيقة، بخاصة في ما يتعلق بالله والكنيسة، وبقبولها والتمسك بها عند معرفتها" (رقم 1). ولكن، لماذا يعتبر هذا الحق في الحرية الدينية "مصدر وخلاصة" كافة حقوق الإنسان الأخرى؟ لأننا مجدداً خلقنا من أجل الحقيقة، وفي النهاية من أجل تلك الحقيقة عن الله التي تسمو فوق النظام الزمني (تعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 2106). إن العبادة المناسبة لله هي غاية إنسانيتنا وهدفها. وعليه، فإن حقوقنا البشرية بما في ذلك الحق في حرية التعبير، تنبثق من الحق في الممارسة الدينية الحرة وتوجهنا إليه. يجب أن تعتبر حرية التعبير على الدوام الشرط المسبق لمعرفتنا الحقيقة عن الله والعبادة اللائقة بالله الذي نتعرف إليه.

يتابع الإعلان حول الحرية الدينية: "تستطيع الحقيقة أن تفرض ذاتها على العقل البشري بقوة حقيقتها الذاتية التي تقنع العقل بالرقة والقوة" (رقم 1). أثناء السعي إلى الحقيقة، تعتبر الحقيقة بذاتها الوحيدة التي تتمتع بسلطة حقيقية لجذب ضميرنا. لذلك، أثناء السعي إلى الحقيقة والتمتع بها، يجب أن يكون ضميرنا محرراً من القوة الإكراهية غير الموثوقة الممارسة من قبل الدولة أو أي فرد أو مجموعة. هذا مهم جداً عندما يتعلق الأمر بممارسة الدين. لكنه مهم أيضاً عندما يتعلق الأمر بممارسة التعبير. فمن دون حرية التعبير، لا تُعطى الحقيقة "مجالاً" كافياً لممارسة سلطتها الشرعية على عقولنا وقلوبنا.

ولكن، من خلال إعطاء الحقيقة "مجالاً" كافياً لممارسة رقتها وسلطتها علينا، نترك أيضاً مجالاً كبيراً للخطأ. وغالباً ما تؤدي أصدق جهودنا في السعي إلى الحقيقة إلى ضلال عقلنا، فتنعكس استنتاجاتنا المضللة والمتحيزة وحتى المجحفة أحياناً، في تعبيرنا. لكن هذا هو جزء من مجد الحق في حرية التعبير. من المؤكد أن الحرية مطلوبة للحقيقة، وبالتالي، نحترم في المجال السياسي حقوق الآخرين في التعبير عن رأيهم بحرية حتى عندما لا نوافقهم الرأي. نفعل ذلك لأننا نحترم كرامتهم كباحثين أحرار عن الحقيقة.

ولكن، ألا يجب أن تعاقب الكنيسة على الكلام الآثم، الكلام الذي يؤذي الآخرين ويسيئ إليهم؟ من شأن الحق في حرية التعبير أن يحمينا من الإكراه لكيما نسعى إلى الحقيقة ونستمتع بها من دون إعاقة. لكن الحق لا يصادق على أي محتوى كلام أياً يكن كمحتوى مشروع. هنا مجدداً، يقول الإعلان حول الحرية الدينية: "في استخدام أي حرية، ينبغي على الناس احترام المبدأ الأخلاقي للمسؤولية الشخصية والاجتماعية. فالقانون الأخلاقي يلزم جميع الأفراد والمجموعات الاجتماعية أن يأخذوا بالاعتبار خلال ممارسة حقوقهم، حقوق الآخرين، وواجباتهم تجاه الآخرين والمصلحة العامة. يجب أن يُعامل الجميع بعدالة وإنسانية" (رقم 7).

إن الحرية والالتزام الأخلاقي لا يتعارضان في ممارسة أي حق. وعن الحق في الممارسة الدينية الحرة، يقول الإعلان حول الحرية الدينية: "بما أن الحرية الدينية التي يطالب بها الإنسان لإتمام واجبه الذي يقتضي تقديم العبادة لله تتعلق بالإعفاء من الإكراه في المجتمع المدني، فهي لا تمس التعليم الكاثوليكي التقليدي حول الواجب الأخلاقي للأفراد والمجتمعات تجاه الديانة الحقيقية وكنيسة المسيح الواحدة" (رقم 1). ما من تناقض في التأكيد على أن البشر يتمتعون بحق في الحرية الدينية، حتى عندما يكونون ملزمين بتقديم عبادة صادقة لله وفقاً للإيمان الكاثوليكي. وما من تناقض في القول بأن البشر يتمتعون بحق في حرية التعبير، حتى عندما يكونون ملزمين بقول الحقيقة الصادقة بمحبة. وكما هي الحالة بالنسبة إلى الحرية الدينية، فإن الحق في حرية التعبير "ليس إذناً أخلاقياً للتعلق بالخطأ ولا حقاً مزعوماً في الخطأ، بل هو حق طبيعي للإنسان في الحرية المدنية، أي في الحصانة ضمن حدود عادلة من قيود خارجية… ممارسة من قبل السلطات السياسية" (تعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 2108).

ما هي تحديداً "الحدود العادلة" التي تعود للحق في حرية التعبير في الدائرة السياسية؟ ما هو الكلام الذي تستطيع الدولة إدانته؟ إنها مسألة تعقل سياسي (تعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 2109). ينبغي على السلطات المدنية أن تقرر في ضوء واجبها الذي يقتضي حماية المصلحة العامة للجماعة السياسية وتنميتها، وبموجب "المبادئ القانونية المتوافقة مع النظام الأخلاقي الموضوعي" (الإعلان حول الحرية الدينية، رقم 7، وتعليم الكنيسة الكاثوليكية، رقم 2109) متى ينبغي حظر بعض الكلام. لا يمكننا أن نصرخ زوراً "حريق" في صالة سينما مكتظة لأن هذه الكذبة تسبب أذى فعلياً للنظام العام. كما أن الخطاب الذي يشوه سمعة الآخرين أو يشهر بهم هو محظور من الناحيتين الأخلاقية والقانونية.

في الوقت عينه، تعترف الكنيسة بأن التعقل السياسي يدعو أحياناً إلى التحفظ في تقييد الكلام، حتى عندما يكون الكلام مؤذياً أو مسيئاً للآخرين. فإن كون الكلام آثماً لا يعني بالضرورة أنه ينبغي حظره. يقول القديس توما الأكويني أنه يتعين على القانون المدني ألا يحاول قمع جميع أشكال السلوك الآثم لأن القانون جعل لعدد كبير من الناس، ولن يكونوا جميعاً كاملين في الفضيلة. لذلك، فإن فرض شروط فضيلة صارمة على كل مواطن قد يثقل كاهل أولئك الذين لا يزالون على درب النضوج الأخلاقي (Summa theologiae I-II، السؤال 96، الفقرة 2). بالروح عينها، يقول الإرشاد الذي أصدره مجمع عقيدة الإيمان سنة 1987 بعنوان Donum Vitae (هبة الحياة): "ينبغي على ]القانون المدني[، ومن أجل مصلحة النظام العام، أن يجيز أحياناً أموراً لا يمكنه أن يحظرها من دون أن ينتج عنها ضرر أكبر" (الجزء الثالث).

لذلك، ينبغي على المشرعين المدنيين أن يمارسوا تروياً سياسياً حكيماً في تقييد الحق في حرية التعبير. في العالم، هناك حالياً الكثير من النقاش حول مدى الصرامة التي يجب اعتمادها في فرض القيود المدنية على حرية التعبير – نقاشات تكتسب طابعاً مختلفاً بحسب سياقها الثقافي. ففي الأمم المسلمة مثلاً، لا يوجد أي تساهل إطلاقاً إزاء التجديف. وفي الغرب، لا يعتبر التجديف مسألة مهمة كـ "خطاب الكراهية" أي الخطاب الذي يعبر عن البغض لجماعة ما، بخاصة عندما يكون مرجحاً أن يثير الكلام أعمال عنف (التعريف منuslegal.com). وعلى الرغم من أن الخلفية الثقافية والنقاش حول حرية التعبير سلسان، اعتمد الغرب بشكل كبير نهج تحرر مدني للقيود المفروضة على حرية التعبير. فالإباحية على سبيل المثال مقبولة في الغرب ليس للسبب الذي يقدمه القديس توما الأكويني، وذلك لأن حظر الإباحية يثقل كاهل الناس، ولكن لأن الغرب يتمتع بنظرة أكثر تحرراً حول ارتباط حرية التعبير بحق الفرد في متابعة تصوره الخاص للسعادة. كما أن هناك فكرة سائدة في الغرب عن أنه لا يمكن الوثوق بالدولة لضبط "سوق الأفكار". نجح النهج التحرري المدني الغربي بطرق شتى في تقييد المواجهات العنيفة حول التعبير. اليوم، أصبح التساهل هو المعيار نوعاً ما. لكن هذا لا يعني أنه لا توجد مشاكل خطيرة. ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أصبح الإدمان على الإباحية واسع الانتشار. فيما تمكنت مقاربة الولايات المتحدة للحرية عن التعبير من كسب الكثير من ناحية التعايش السلمي، خسرت الكثير أيضاً من ناحية التنشئة الأخلاقية لمواطنيها. إن النقاشات حول مكان رسم الخط لتحديد حرية التعبير ستستمر ويجب أن تستمر.
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الكنيسة الكاثوليكية
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً