Aleteia
الإثنين 26 أكتوبر
نمط حياة

الرسالة العامة الاولى، سنة الإيمان ودور الصلاة في الحياة الرهبانية

بطريركية بابل للكلدان

أليتيا - تم النشر في 22/10/13

للنائب الرسولي للرهبانية الأنطونية الهرمزدية الكلدانية الأب جوزيف ابراهيم عبد الساتر الراهب


إلى إخوتي الرهبان

دير السيدة حافظة الزروع – ألقوش – 13 تشرين الأول 2013

مقدمة

"يرغب الله في أن يمنحنا جمًّا من العطايا الصالحة، إلاَّ أنَّ ما يمنعه هو أيادينا الممتلئة مسبقًا. لذلك عليك أن تُفرغ ذاتك ممَّا أنت مُفعمٌ به حتى تمتلىء بما أنت خالٍ منه".

(القديس ايريناوس)

"شهوة اشتهيت أن أتناول عشاء الفصح معكم…" بهذه العبارات توجّه يسوع إلى تلاميذه، قبل ألامه وموته وقيامته، ليُفهمهم، وللمرّة الأخيرة، من حياته على هذه الأرض، كم يحبّهم. بالإتجاه عينه والعاطفة ذاتها أتوجه إليكم يا إخوتي الرهبان، من خلال هذه الرسالة العامة الاولى، للسنة الأولى من رسالتي كنائب رسولي للرهبانية، التي أوكلتني بها أمي الكنيسة المقدسة، لأعبّر لكم عن مدى الحب الذي أكنّه للأم الرهبانية ولكل شخص منكم.

رسالة عامة، عساها تكون خريطة مسار لنهجنا الرهباني، وحياتنا الجماعيّة، وعيشنا الأخوي، بعد مرور سنة على  مقاسمة خبرتنا الرهبانية المشتركة وتاليًا الوعي إلى الحاجة النواة لتكرسنا الرهباني، في عصرنا الحاضر: الصلاة، والصلاة، والصلاة. بفعلها نترسخ في قناعاتنا الرهبانية، التي بدأت تبلى، ونتجذر في أرضنا المشرقية المعذّبة، إنما المقدَّسة والمقدِّسة، والتي بدأت تفرغ من مُعَمَّديها، لنشهد، هنا والآن، لقيامة الرب يسوع المسيح، حتى الاستشهاد. 

مدخل

1. محطات إيمانية: "باب الإيمان" (أع ١٤: ٢٧) الذي يؤدّي إلى حياة الشركة مع الله ويتيح الدخول في كنيسته لا يزال مفتوحًا لنا. ويمكن تخطّي هذه العتبة عندما تكون كلمة الله معلنة والقلب مطاوعًا لعمل النعمة التي تكيّفه وتحوّله. العبور من هذا الباب يقتضي أن نسير على هذا الدرب الذي نلتزم به طول الحياة. يبدأ بالمعموديّة (رو ٦: ٤) التي تتيح لنا أن ندعو الله باسم الأب وينتهي بالعبور من الموت إلى الحياة الأبديّة ثمرة قيامة الربّ يسوع الذي من خلال موهبته الروح القدس أراد أن يشرك بمجده جميع الذين يؤمنون به (يو ١٧: ٢٢). المجاهرة بالإيمان بالثالوث، الآب والابن والروح القدس يعني الإيمان بإله واحد هو المحبّة (١ يو ٤: ٨). الآب الذي عند ملء الزمن أرسل ابنه لأجل خلاصنا، يسوع المسيح الذي بسرّ موته وقيامته فدى العالم، الروح القدس الذي يقود الكنيسة عبر الأزمان في انتظار عودة الربّ المجيدة.

2. طريق الايمان: منذ بدء خدمتي كخليفة بطرس ذكّرت بضرورة إعادة اكتشاف طريق الإيمان لنبرز بوضوح متزايد الفرح والحماس المتجدّدين للقاء مع المسيح. في عظتي أثناء قدّاس افتتاح حبريتي قلت: "على الكنيسة بجملتها والرعاة الذين فيها أن ينطلقوا مثل المسيح ليقودوا البشر خارج الصحراء إلى حيث الحياة، إلى الصداقة مع ابن الله إلى من يعطي الحياة والحياة بغزارة". لقد أخذ المسيحيّون مؤخّرًا يهتمّون بالنتائج الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة لالتزامهم وهم لا يزالون ينظرون إلى الإيمان كمفترض ثابت للعيش معًا. بيد أنّ هذا المفترض ليس فقط لم يعد يقوم بدوره بل كثيرًا ما أصبح مرفوضًا. وبينما كان ممكنًا في الماضي اكتشاف نسيج ثقافيّ متماسك يقبل بشكل واسع مرجعيّة مضمون الإيمان والقيم المنبثقة عنه، لم يعد الأمر كذلك اليوم في شرائح واسعة من المجتمع من جرّاء أزمة إيمان عميقة انتابت عددًا كبيرًا من الأشخاص.

على ضوء هذا كلّه قرّرت إعلان سنةٍ للإيمان ستبدأ في ١١ تشرين الأوّل ٢٠١٢ في الذكرى الخمسين لافتتاح المجمع الفاتيكانيّ الثاني وتختم في عيد الربّ يسوع المسيح ملك العالم في ٢٤ تشرين الثاني ٢٠١٣.

3. مريم رمز الايمان: بالإيمان تقبّلت مريم كلمة الملاك وآمنت بالبشارة بأنّها تصبح أمّ الله في طاعتها واستسلامها (لو ١: ٣٨). ولمّا زارت اليصابات رفعت نشيد تسبحتها إلى العليّ للعظائم التي يحقّقها في من يستسلمون له (لو ١: ٤٦-٥٥)، وبفرح وانذهال وضعت ابنها الوحيد وقد صانت بكارتها (لو ٢: ٦-٧). وباعتمادها على يوسف قرينها حملت يسوع إلى مصر لتنقذه من اضطهاد هيرودس. (مت ٢: ١٣-١٥) وبالإيمان نفسه تبعت الربّ أثناء تبشيره ورافقته حتّى الجلجلة (يو ١٩: ٢٥-٢٧). وبالفرح تذوّقت ثمار قيامة يسوع وإذ حملت كلّ ذكرياتها في قلبها نقلتها للرسل الاثني عشر الملتئمين معها في العلّيّة لتقبّل الروح القدس (أع ١: ١٤؛ ٢: ١-٤).

4. بالايمان عاش الرسل: بالإيمان ترك الرسل كلّ شيء ليتبعوا المعلّم (مر ١٠: ٢٨). آمنوا بكلامه إذ بشّر بملكوت الله الحاضر والمتحقّق في شخصه (لو ١١: ٢٠). عاشوا في شركة حياة مع يسوع الذي كان يثقّفهم بتعليمه تاركًا لهم قاعدة حياة سيُعرفون من خلالها بعد مماته أنّهم تلاميذه (يو ١٣: ٣٤-٣٥). بالإيمان انطلقوا إلى العالم أجمع محقّقين مهمّة نقل الإنجيل إلى كلّ خليقة (مر ١٦: ١٥) ومن دون خوف بشّروا الجميع بفرح القيامة التي كانوا لها شهودًا أمناء. بالإيمان شكّل التلاميذ الجماعة الأولى الملتئمة حول تعليم الرسل خلال الصلاة والإفخارستيّا جاعلين مشتركًا بينهم كلّ ما يملكون ليسدّوا حاجات الأخوة (أع ٢: ٤٢-٤٧). بالإيمان بذل الشهداء حياتهم ليشهدوا لحقيقة الإنجيل الذي بدّلهم وجعلهم أهلاً للبلوغ إلى ذروة عطاء الحبّ وإلى مسامحة مضطهديهم"

5. الحياة الرهبانية: تدعى الرهبانية فلسفة الشريعة المسيحية، وهي الزهد في الدنيا وترك حلالها وحرامها، والانصراف إلى طلب الآخرة بكبح جماح أهواء الجسد، وضبط نزواته وتجنب كل ما لا ينسجم والحياة المسيحية الطاهرة النقية.

الرهبانية في الأديان القديمة: لم تخلُ الأديان القديمة من ممارسات شبيهة بالنسك والرهبانية في المسيحية، من ترويض للجسد لضبط نزواته، عن طريق الصوم والصلاة، وإجهاده بالعمل الشاق لتستنير الروح. ولكن هذه الممارسات في الأديان القديمة بعيدة كل البعد عن روح التوبة النصوح التي عن طريقها يطمح الراهب المسيحي إلى بلوغ الكمال الإنجيلي، وذلك بأدائه فرائض الرهبانية التي لا يقصد بها تعذيب الجسد لأجل التعذيب، بل ترويضه لفسح المجال الواسع للروح لتتنشّط بممارسة الفضائل، والتحلّي بالمزايا الحسنة. إذن قد أخطأ من ظنّ أن أصل الرهبانية المسيحية موجود في الديانات السابقة من فرعونية مصرية أو بوذية هندية أو حتى يهودية.

أصل الرهبانية المسيحية: استمدّت الرهبانية المسيحية مبادءها من الاقتداء بحياة الرب يسوع على الأرض والعمل بحسب تعاليمه السامية. فقد عاش الرب يسوع حياة وحدة في البرية وقد صام مدة أربعين يوما وأربعين ليلة. وكتب عنه أنه "جال يصنع خيراً ويشفي جميع المتسلط عليم إبليس لأن اللّه كان معه" (أع 10: 38) وعاش فقيراً باختياره وبهذا الصدد يقول الرسول بولس: "فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا بفقره" (2كو 8: 9) فلم يكن له مكان معيّن يأوي إليه.

جاء في الإنجيل المقدس أن كاتباً تقدم إليه مرة و "قال له يا معلم أتبعك أينما تمضي؟ فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه" (مت 8: 20) وكان تلاميذه يجمعون الصدقات لسد حاجاته وحاجاتهم الجسدية. ولما أرسلهم للكرازة بالإنجيل؛ أوصاهم قائلاً: "وفيما أنتم ذاهبون اكرزوا قائلين أنه قد اقترب ملكوت السموات، اشفوا مرضى، طهّروا برصاً، أقيموا موتى، اخرجوا شياطين، مجاناً أخذتم مجاناً اعطوا. لا تقتنوا ذهباً ولا فضةً ولا نحاساً في مناطقكم… ولا أحذية ولا عصا، لأن الفاعل مستحق طعامه»(مت 10: 7 ـ 10). فهذا الأمر الإلهي هو الأساس الذي عليه قام نذر الفقر الاختياري الذي ينشئه الراهب. أما البتولية فمصدرها تعليم الرب يسوع أيضاً الذي قال: «ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السموات من استطاع أن يقبل فليقبل» (مت 19: 12). هكذا تسلّم الرسل من الرب مفهوم البتولية وفضلها على الزواج. وبهذا الصدد كتب الرسول بولس إلى أهل كورنثوس قائلاً: «ولكن أقول لغير المتزوجين وللأرامل أنه حسن لهم إذا لبثوا كما أنا… فأريد أن تكونوا بلا هم. غير المتزوج يهتمّ في ما للرب كيف يرضي الرب. وأما المتزوج فيهتمّ في ما للعالم كيف يرضي امرأته. إن بين الزوجة والعذراء فرقاً. غير المتزوجة تهتم في ما للرب لتكون مقدسة جسداً وروحاً أما المتزوجة فتهتمّ في ما للعالم كيف ترضي رجلها»(1كو 7: 8 و32: 34). هكذا نشأت الرهبانية في المسيحية نتيجة حتمية لتطبيق تعاليم الرب يسوع في السعي إلى بلوغ الكمال المسيحي، بالتجرّد والتضحية ونكران الذات، زيادة في التقرب إلى اللّه بالاقتداء بالمسيح، واقتفاء أثره، والتجنّد له، بحمل الصليب المقدس، وإنجازاً لأمره الإلهي للشاب الذي سأله عما يجب أن يعمله كي يرث الحياة الأبدية فقال له يسوع: «إن أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع أملاكك، وأعطِ الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني»(مت 19: 16 ـ 22) وقوله، له المجد، لتلاميذه الأطهار: «إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، فإن من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن فسه، فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله»(مت 16: 24 ـ 27) «الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو إخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلي ولأجل الإنجيل، إلا ويأخذ مئة ضعف الآن في هذا الزمان بيوتاً وإخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية»(مر 10: 29و30).

الأديرة السريانية: أما في المنطقة التي كانت خاضعة كنسياً للكرسي الرسولي الأنطاكي أي في سورية وما بين النهرين وسواحل فلسطين الجنوبية وبادية الشام والجزيرة وجبل الرها وجبل الأزل المشرف على نصيبين وطورعبدين وقردو وألفاف قرب الموصل، فقد شيدت منذ أوائل القرن الرابع للميلاد الأديرة الكثيرة والشهيرة التي صارت منارات للعلم والمعرفة والفضيلة، وانضوى إليها آلاف الرهبان والراهبات الذين عزفوا عن الدنيا وسعوا وراء الآخرة. وتضوعت جوانب أديرتهم وكهوفهم ومحابسهم وقلاّياتهم بأريج فضيلتهم.

 ذكر سوزمين المؤرّخ اليوناني (423م) في تاريخه، ثلاثين ناسكاً في براري سورية الشمالية والوسطى ويؤكّد أنهم فاقوا نسّاك مصر في ممارسة الزهد وهو إنما يقصد النخبة التي اشتهرت بالتطرف بأعمال الزهد والتقشف، أما آلاف الرهبان والراهبات فقد كانوا قد ملأوا العدد الكبير من الأديرة في تلك المناطق. 

6.    إنَّ الحياة الرُّهبانيّة، بأشكالِها المتنوّعة، ولدت في الشَّرق الأوسط وهي في أصلِ بعض الكنائس الموجودة فيه . فليكنِ الرُّهبانُ والرّاهباتُ، الَّذين يكرِّسون حياتَهم للصلاةِ وتقديسِ ساعات النَّهار واللّيل، حاملين في صلواتِهم همومَ وحاجاتِ الكنيسةِ والبشريّة، مُذكِّرين الجميعَ دائماً بأهمّيِّة الصَّلاةِ في حياة الكنيسة وحياة كلّ مؤمن. ولتكنِ الأديرة أيضاً أماكنَ يتمكَّن فيها المؤمنون من الاهتداء في تعلّم الصَّلاة!

    الحياةُ المكرَّسة، التّأمليّةُ والرَّسوليِّةُ، هي تعمّق في التَّكريس، الَّذي مُنح في المعموديّة. ليجتهدِ الرُّهبان والرّاهبات يسعون بالفعل في اِتباع المسيح بطريقة جذريّة أعمق، من خلال اعتناق المشورات الإنجيليّة: الطَّاعة والعفة والفقر . فعطيّة ذاتهم بلا تَحفّظ للربِّ ومحبّتهم المتجرِّدة لكلِّ إنسان تشهدانِ لله، وهما علامتان حقيقيّتان لمحبِّته للعالم. تشكّل الحياةُ المكرّسة، من خلال عيشِها كعطيِّةٍ ثمينة من الرّوح القدس، عضداً لا بديلَ عنه لحياةِ الكنيسة ولعملها الرَّعَويِّ . وبهذا المعنى، ستكون الجماعات الرُّهبانيِّة علاماتٍ نبويّةً للشَّرِكة في كنائسها وللعالم أجمع، إذا ارتكزت حَقّاً على كلمة الله والشَّرِكةِ والأخويّة وشهادة الخدمة (راجع أع 2، 42). تصبح الجماعة أو الدّير، في الحياة الرُّهبانيّة، المكانَ المميِّزَ لعيش الاتِّحاد مع الله والوحدةِ مع القريب. إنّه المكانُ حيث يتعلّم الشَّخصُ المكرّس الانطلاقَ دائماً من المسيح ، ليكونَ أميناً لرسالتِه في الصَّلاةِ والتَّأمُّل، وليكون علامةً للحياةِ الأبديّة الَّتي بدأت على الأرض لجميع المؤمنين (راجع 1بط 4، 7).

7.    أناشدكم أنتم يا جميع المدعوين لاتِّباع المسيح في الحياة الرُّهبانيّة في الشَّرق الأوسط إلى أن تجذبكم دوما كلمةُ الله، على غرار إرميا النَّبيّ، وأن تحافظوا عليها في قلبكم كنار محرقة (راجع إر20، 7 ـ9). إنَّها علّة الوجود، والأساس والمرجع الأخير وهدف تكريسكم. إنَّ كلمةَ الله حَقٌّ. ومن خلال الطَّاعة لها، تقدّسون نفوسكم، لتحبّوا بعضكم بعضا بصدق كأخوة وأخوات (راجع 1بط1، 22). ومهما كان الوضع القانونيّ لمؤسستِكم الرُّهبانيِّة، أظهروا استعدادكم للتعاون، بروح الشَّرِكة، مع الأسقف في العمل الرَّعَويّ والرَّسوليّ. إنَّ حياة التّكريس هي انتماء شخصيّ للمسيح، رأس الجسد (راجع قول1، 18؛ أف 4، 15)، وتعكس الرّباطَ غيرَ القابل للانحلال بين المسيح وكنيسته. وبهذا المعنى، ساعدوا العائلاتِ في دعوتها المسيحيّة وشجِّعوا الرَّعايا على الانفتاح على مختلف الدّعوات الكهنوتيّة والرُّهبانيّة. فإنَّ ذلك يساهم في ترسيخ حياة الشَّرِكة من أجل الشَّهادة داخل الكنيسة المحلّيّة . لا تملّوا أبدا من الإجابة على نداءات رجال ونساء عصرنا، مرشدين إيَّاهم إلى الطَّريق والمعنى العميق للوجود البشري.

        أودُّ أن أضيفَ اعتبارا آخر، غيرَ محصورٍ بالمكرَّسين فقط، إنَّما موجّهٌ لكلِّ أعضاءِ الكنائس الكاثوليكيّة الشَّرقيّة. إنَّه يتعلقُ بالمشورات الإنجيليّة، الَّتي تميّز بنوع خاصّ الحياةَ النُّسكيّة، علما بأن هذه الحياة الرُّهبانيِّة نفسَها كانت حاسمة في نشأة كنائس عديدة ذات الحَقّ الخاصّ، ولا تزال حاضرة هكذا في حياتها المعاصرة. ويبدو لي أنَّه من المستحسن التَّعمّقُ مليِّاً وبعنايةٍ في المشوراتِ الإنجيليِّةِ: الطَّاعة والعفة والفقر، لإعادة اكتشاف جمالها اليوم، وقوَّة شهادتها وبعدها الرَّعَويِّ. لا يمكن بلوغُ تجدِّد داخليّ للمؤمن وللجماعة المؤمنة، وللكنيسة بأسرها إلا من خلال توبة حاسمة ونهائية، كل حسب دعوته، للبحث عن الله، هذا البحث الَّذي يساعد على التَّعرّف والعيش في الحقيقة، للعلاقة مع الله والقريب ومع ذاتنا. إنَّ هذا يتعلق بالطبع بالكنائس ذات الحَقّ الخاصّ وبالكنيسة اللاتينيّة أيضاً. 

الرهبانية الأنطونية الهرمزدية والحياة الرهبانية

المقدمة:

8.    الرهبان عملياً هم الذين دعموا المسيحية ونشروها بعد الشهداء، لأنه لما انقضى عهد الاضطهادات خلفوا الشهداء في عمل الشهادة بنوع آخر من الشهادة إذا صح القول، حيث تحملوا الصدمة الأولى بين العالم والمسيحية الطالعة على العالم، ذلك: لأن ليس قسطنطين الكبير هو الذي وطدّ المسيحية بالفعل بل أنطونيوس الكبير معاصره الذي صارع في البرية الإبليس في جهاد بطولي نهاراً وليلاً وجمع له آلاف الرهبان لنشر المبادئ والقيم الإنسانية والمسيحية في العالم ولا زال هؤلاء الرهبان يكملون عمله حتى يومنا هذا. وهو الذي حضر إلى الإسكندرية لمحاربة بدعة آريوس التي كانت تهدد الكنيسة آنذاك. وإلى الآن ذريته يعيشون من تراثه يكملونه في تقليد حي مستمر عبر رهبنات وأديرة متعددة. ونحن اليوم نعتاش أيضاً من تراث هؤلاء نتيجة صلواتهم وجهادهم. ولا مجال هنا لذكر ما حققوه في مختلف الأزمنة في تثبيت الحضارة وأحيائها وإعطاء الكنيسة القسم الأكبر من لاهوتها وطقسها ومدبريها القديسين العظام.

    تسمية الرهبانية: 

9.    تدعى رهبانيتنا بالأنطونية: نسبة إلى القديس أنطونيوس أبي الرهبان والذي يعتبر مؤسس الرهبانيات لأنه هو الذي وضع أسس القوانين الرهبانية وجعلها تعيش حياة جماعية مشتركة بعد أن كانت تعيش حياة التوحد والاختلاء. وتدعى بالهرمزدية نسبة إلى مؤسسها الربان هرمزد الذي سكن في جبال القوش وجمع له رهباناً من الطائفة وذلك في القرن السابع الميلادي وأسس له ديراً قائماً حتى يومنا هذا ويدعى باسمه.

    شعار الرهبانية: في الشعار أشياء ورموز كثيرة منها:

10.     العكازة والقبعة والصليب: والتي هي رموز تشير إلى حبرية الرهبانية وتوضح الامتياز الذي حصل عليه الرئيس العام للرهبانية منذ سنة 1853 عندما تم الاعتراف بقانونها من قبل الحبر الأعظم. ومنذ ذلك الحين أصبح للرئيس العام الحق بارتداء الملابس الحبرية في الاحتفالات الرسمية. 

    الكوكب النير في أعلى اليمين: والذي هو رمز يعبر عن العذراء مريم التي وضع الأنبا جبرائيل دنبو الرهبانية تحت حمايتها أثناء إعادة افتتاح دير الربان هرمزد وتجديد الحياة الرهبانية فيه بعد أن بقي معلقاً أكثر من 70 سنة. 

     النجمة البابلية في الوسط: وترمز إلى كون الرهبانية هي جزء لا يتجزأ من كنيسة المشرق الرسولية وبطريركيتها الملقبة ببطريركية بابل الكلدانية ويتوسطها الرمز (T) الذي يشير إلى استلهامها القوانين الرهبانية وشفيعها مار أنطونيوس أبي الرهبان. 

        النسر الذي يفرش جناحيه لحماية فرخيه على الجانبين: يرمز إلى القديس الربان هرمزد مؤسس الرهبانية في القرن السابع الميلادي ومستقى من نبوءة مار ميخا النوهدري. وكتب في أسفل الشعار رسالة الرهبانية بموجب قانونها: بالصلاة والعمل نبشر.

    الحياة الرهبانية:

11.     هي تكريس الذات لخدمة الله والمجتمع بعد أن يجرد الراهب نفسه عن مغريات الحياة المادية وينقطع عن العالم ويمارس الصلاة والتأمل والعمل بالنذور الرهبانية الثلاثة الطاعة والعفة والفقر. ويختار الراهب هذه النذور كالمسيح الذي كان فقيراً وبتولاً ومطيعاً. هذه هي أسس الحياة الرهبانية وجوهرها، وهذا ما حاول الملايين من الرهبان والراهبات في المسيحية تطبيقه سعياً لخير الكنيسة وخلاص النفوس. 

الحياة الرهبانية: هي طريقة في العبادة تنفرد بها المسيحية عن باقي الأديان. لذا: فهي تستحق من البحث والتنقيب عن جذورها وأساليبها ومتطلباتها. ويمكن تلخيصها بأنها تتفانى من أجل الله باعتبارها الحياة الدنيوية شيئاً زائلاً بالنسبة إلى الحياة الأبدية. فهي من وضع إلهي يبدأ بالمسيح، إذ هو الراهب الأول إذا جاز القول لأنه هو الذي علمنا الحياة الرهبانية وهو الذي وضع أسسها وأعلنها بالتطويبات وأثبتها لما دعى الشاب الغني الذي أكمل جميع وصايا الله دعاه لترك كل شيء وحمل صليبه واتباعه (مرقس 10: 21) . 

وهكذا ومنذ البداية سار على هذا المنوال رسل المسيح وتلاميذه وبعض المسيحيين، بما فيهم عدد من النساء اللواتي كن يتبعن المسيح ويخدمن الرسل وهن مكرسات أنفسهن للخدمة، منقطعين عن العالم للصلاة والصوم والتحلي بالزهد وعدم الزواج كما قال المسيح: "من يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني". لذا: فليس الراهب إلا إنساناً مسيحياً ألحتّ عليه دعوته المسيحية بالسير وراء المسيح والعيش على نمط حياته. 

واليوم: قليلون هم الذين يعرفون ما هي الحياة الرهبانية، فإما يجهلون كل شيء عنها وإما لديهم أفكار سطحية عنها أو أفكار خاطئة تجعلهم ينتقدونها. فهي مجال خاص يختلف عن مجالات الآخرين، أنها إمتداد للحياة المسيحية والإنجيلية إذ يعرض الرهبان والراهبات بأعمالهم اليومية ما أتاهم المسيح على الأرض من أعمال خلاصية متنوعة (أعمال طاعة وتعليم ووعظ وصلاة وشغل يدوي). 

انتشرت الحياة الرهبانية في الشرق منذ القرن الأول الميلادي أما في بلاد ما بين النهرين فقد انتشرت في القرن الرابع حيث تشكلت بعض الجمعيات ضمّت هؤلاء الذين تركوا العالم وعاشوا حياة مشتركة تحت قوانين وأنظمة خاصة بهم عاكفين على الصلاة والعمل. وسرعان ما أصبحت هذه الأديرة مراكز للحياة الروحية، فعكف الرهبان على الدرس والتأليف ونشر المبادئ السامية وغايتهم أن يحملوا الله إلى حاضريهم. 

وفي مصر ظهر القديسان العظيمان مار أنطونيوس ومار باخوميوس اللذان وضعا أسس الحياة الرهبانية في أشكالها الثابتة هذا اليوم وبعدها انتقلت إلى الغرب.

    الرهبانية منذ تأسيسها عام 628 وحتى تجديدها: 

12.    تأسست الرهبانية في القرن السابع على يد رجل أتى من بلاد فارس وعاش مع رهبان دير الربان برعيتا ثم انتقل إلى صومعة معتزلاً العالم لمدة 39 سنة وبعدها انتقل إلى القوش حيث جمع له الكثير من الشباب وأنضم إليه رهبان عديدون فنشأ الدير هكذا: من صومعة بسيطة في الجبل إلى صوامع عديدة حتى أصبح ديراً واسعاً. وخلال فترة قليلة اكتض الجبل بمئات الصوامع كأنها أعشاش قائمة هنا وهناك. وعندما ازداد عدد الرهبان دعت الضرورة إلى سن نظام معين تسير عليه هذه الجماعات ليعيشوا حياة جماعية. 

ليس لنا في التاريخ ما يتيح لنا أن نتابع مسيرة الدير وازدهاره سوى خبر عن شفاء أعمى في القرن التاسع وهو أول ذكر للدير بعد فترة التأسيس. ولنا مصدر آخر من القرن العاشر وهو سيرة الربان يوسف بوسنايا حيث دخل الدير مع ثلاثة من أخوته ثم لحقت بهم والدتهم المترملة وقضى ثلاثين سنة في دير الربان هرمزد ثم تحول إلى دير مار إبراهيم القريب من قرية تني في العمادية نزولاً عند رغبة الربان موشي رئيس الدير. كما أن أخاه جبرائيل أصبح رئيساً للدير المذكور بعد وفاة يوسف عن عمر يناهز 110 سنة. وقد جرت حوادث دامية سقط جراءها أكثر من خمسة آلاف شخص وهجم أكراد حكاري على المناطق الآهلة بالسكان والديارات العامرة فالحقوا بهم أضراراً جسيمة وتشتت الرهبان بحيث خلت منهم الديارات وتهدمت كنائس ومزارات كثيرة وأبيدت منازل وقرى بكاملها فهاج الناس وتبددوا إلى كل مكان وهذه الكوارث كان قد تنبأ عنها الراهب بوسنايا في السنوات 958 و964 و965 ولا سيما كارثة 978 حيث الحوادث الدامية بين الحمدانيين والبويهيين الفرس. حتى استبتت الأوضاع أخيراً، وعاد الأهالي إلى مواطنهم والرهبان إلى دياراتهم. 

وتذكر لنا سيرة الربان يوسف أن معلمه كان مارن زخا. وبعد أن توفي، أتخذ له الربان ايشوع من كوماني معلماً ومرشداً. وكان هذا الأخير قد تتلمذ بدوره على يد الربان يوحنا في دير الربان هرمزد. كما أن يوسف استرشد أيضاً لدى الربان شوحا ليشوع. وكان هذا أيضاً تلميذاً آخر للربان يوحنان، وحين أشار الرؤساء على الربان يوسف بأن يواصل دروسه، اتخذ له معلماً الربان سركيس كما تلقى العلم أيضاً على يد الربان شليمون تلميذ الربان سركيس. وبعد وفاة سركيس نرى يوسف يقصد الموصل مراراً ليتلقى العلم على يد الربان عبد يشوع وقد أصبح هذا بطريركياً لكنيسة المشرق. 

وتشير سيرة الربان يوسف أنه كان للربان يوحنان تلاميذ آخرون هم الربان يونان وايشوع برنون وملكيشوع بينما اقتبل الربان بابوزا الإسكيم في دير الربان هرمزد. وكثيراً ما كان الرهبان يقصدون الربان أفنيمارن الذي كان يسكن في جبل قريب يدعى جبل جدرون. 

وفي عام 1200 يرد ذكر الراهب الخطاط ايشوع الألقوشي الذي خط العهد القديم. وأيضاً الخطاط الراهب القس دانيال عام 1208 الذي كتب إنجيلاً طقسياً. وفي عام 1256 نجد عدة رهبان في دير الربان هرمزد يحضرون مراسيم تشييع الجاثاليق سبر يشوع. وتنقطع أخبار الدير في القرون الرابع عشر والخامس عشر. والسبب هو ما قاساه الدير من محن ومصائب في هذه الفترات فكانت سنوات غزو وسلب ودمار وقتل منها هجمة تيمورلنك على بغداد والموصل سنة 1393 و1401 حيث تبدد الرهبان بعد أن أصاب النهب والخراب ديرهم. وبعد أن استقرت الأوضاع عاد الرهبان من جديد فأخذوا في عمران ديرهم. ثم ما لبثوا أن تشتتوا مرة أخرى سنة 1508 إبان هجوم رجال بارياق المغولي على القوش والمنطقة كلها. 

ومنذ أواخر القرن الخامس عشر وحتى مطلع القرن التاسع عشر وفي دير الربان هرمزد هناك ذكر لتسعة بطاركة من عائلة بيت أبونا أولهم مار شمعون المتوفي عام 1497 وآخرهم البطريرك إيليا المتوفي عام 1804. وفي مطلع عام 1552 وقع اختيار الأساقفة والحزب المعارض للبطريرك شمعون برماما على الراهب يوحنان سولاقا بلو رئيس دير الربان هرمزد كبطريرك جديد لهم. وبذلك انتهت الخلافة التي كان يتوارثها جثالقة المشرق من عائلة بيت أبونا. ومنذ القرن السادس عشر اتخذ الدير أهمية كبيرة في تاريخ كنيسة المشرق. ونلقى المطران ليونارد هابيل موفد البابا غريغوريوس الثالث عشر إلى الشرق يزور الدير لمتابعة حركة الاتحاد بين كنيسة المشرق وروما. ويقدم تقريراً إلى البابا سنة 1587 يذكر فيه أن البطريرك إيليا يسكن الدير. وفي عام 1606رفع تقريراً إلى روما راهبان من رهبنة القديس باسيليوس من مسيحي مار توما في الهند أثر زيارتهما للعراق وفلسطين وروما ذكرا فيه بأن بطريرك كنيسة المشرق يقيم في دير الربان هرمزد وفي الدير حوالي مائتي راهب. وفي عام 1653 يترك البطريرك مار شمعون الدير إلى تلكيف أثر غزو المنطقة. وفي سنة 1666 يتهدم سور الدير بالزلزال، وهذا في زمن البطريرك مار إيليا. وفي سنة 1714 يترك البطريرك إيليا مقره في الدير متوجهاً إلى تلكيف من جراء الاضطرابات التي وقعت في منطقة العمادية. ولم يظل في الدير سوى خمسة رهبان. وارتفع هذا العدد إلى ستين راهباً في سنة 1722 في عهد الربان جبرائيل رئيس الدير. في سنة 1727 يهجر الرهبان ديرهم إلى كنيسة مار ميخا في القوش أثر هجمة يونس اغا. وتأتي الضربة القاضية والقاسية سنة 1743 حين اكتسحت جيوش نادر شاه طهماسب الإيراني القرى والديارات فأصاب الدمار والخراب الدير، ويبدو أن الدير ظل خالياً قرابة 65 عاماً أي حتى التجديد. عام 1808

    الرهبانية: منذ تجديدها وحتى يومنا هذا: 

13.    تسلسلت الحياة الرهبانية في دير الربان هرمزد بلا انقطاع حوالي 11 قرناً إلا أن الاضطهادات والهجومات البربرية حالت دون استمرارها. وأن هذه الحالة لم تدم كثيراً إذ تجددت بقدوم رجل فاضل من بلاد ماردين خلد أسمه في تاريخ الرهبنة وهو الأب جبرائيل دنبو الذي تمكّن بمساعيه الجبارة وجهوده الكبيرة أن يفتح ثانية دير الربان هرمزد ويجدد فيه الحياة الرهبانية وكان معه اثنان من الرهبان. وبدأ يكثر عددهم إذ جمع ما يكفي لإعادة تلك الحياة حتى بلغ عدد الرهبان في عهد دنبو الـ(100) مائة راهب رسم منهم (51) كاهناً خمسة منهم رسموا مطارنة وأحدهم انتخب بطريركاً هو مار يوسف السادس أودو (1847-1878). وهكذا بارك الرب هذه الرهبنة وأقبل إليها شباب كانوا كلهم روحاً واحدة وقلباً واحداً يتسابقون في ميدان البر والقداسة. وفي صيف 1827 قصد الأنبا جبرائيل روما لتثبيت قوانين الرهبانية وعاد بعد ثلاث سنوات ليعمل على توطيد دعائم الرهبانية ولكن هجمة ميركور حاكم راوندوز الشرسة على الدير والقوش أودت بحياة المئات ومن ضمنهم الأنبا دنبو وثلاثة رهبان آخرين وذلك يوم 15 آذار 1832. ودفن جثمانه في كنيسة مار ميخا في القوش ثم نقل إلى كنيسة الدير عام 1849.

    دور الرهبانية في الكنيسة: 

14.    ان للرهبانية دوراً كبيراً في كنيسة المشرق وذلك بسبب عمق الحياة الرهبانية فيها والتحلي بالكمال والقداسة وقد نشأت مدارس كثيرة قرب الأديرة، إذ كان الرهبان يؤكدون على الثقافة في حياتهم ولأن العديد منهم أصبحوا كهنة وأساقفة وبطاركة فأثروا على سير الكنيسة أجيالاً عديدة كما كان تأثيرهم كبيراً على الطقوس والصلوات. وليس خفياً على كل مطلع الدور الكبير الذي لعبته الأديرة في تاريخ هذا البلد الحضاري بعد انتشار المسيحية في الشرق وما قام به الرهبان من أعمال الترجمة والتأليف وجمع المخطوطات الباحثة في شتى مجالات العلم والمعرفة بحيث كان لأغلب الأديرة مكتبات عامرة لمختلف الكتب الدينية والفلسفية واللاهوتية والطبية واللغوية والتاريخية وغيرها. الشيء الذي جعلها مقصد لكل طالب علم وفضيلة فيجد فيها مجالاً واسعاً لاستثمار مواهبه وقدراته في خدمة إخوانه البشر على ضوء التعاليم التي كانت الرهبنة ترشده بها فأصبح الدير وكأنه ذلك المجتمع الصغير الموحد القائم على تقاسيم الخيرات المشتركة مادياً وروحياً بمحبة صادقة مما يحدو بكل راهب إلى بذل أفضل ما لديه من مؤهلات في سبيل المصلحة العامة. وسرعان ما أصبحت هذه الأديرة مركزاً للحياة الروحية والشغل الدؤوب ولا سيما الإشعاع الفكري والثقافي في مختلف ميادينها فعكف الرهبان على الدرس والتأليف واستنساخ الكتب ونشر المبادئ السامية وغايتهم أن يحملوا الله إلى حاضريهم وأن يساعدوهم في مسيرتهم إلى الله. ويكفينا مراجعة التاريخ الكنسي للإطلاع على أهمية الرهبانية وما قدمته للكنيسة ولأجيال عديدة. والكنيسة اليوم بحاجة إلى خدمة وعطاء. كما أن الرهبنة بحاجة إلى إنعاش كي تأخذ دورها في الكنيسة وتهيئها لرسالتها في عالم اليوم. ولهذا تستقبل اليوم دعوات رهبانية شابة ومثقفة كي تعود أديرتها إلى ماضيها وتكون مصدر إشعاع إيماني لكل مؤمن يلجأ إليها. وهي الرهبانية الرجالية الوحيدة في كنيستنا الكلدانية. 

لنطلب من مؤسسها الربان هرمزد ومن مجددها الأنبا دنبو أن يقيما لهما أولاداً آخرين شبيهين بهما. وأن تستمر بمعونة وشفاعة القديس أنطونيوس وأن يزداد عدد أفرادها وتزدهر أديرتها وأن تكون دوماً حياة الطائفة وفخرها. لأن الرهبنة هي ميزان الطائفة، فإذا زاد وزنها نجحت وتقدمت الطائفة وإذا قل وزنها تأخرت. ومهما يكن: فإن كنيسة منتعشة تتطلب رهبنة حية. 

فاعلية الايمان

15.    "إن استطعتَ أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن". هذا كلام الرب، والسؤال هو لماذا كل شيء مستطاع للمؤمن. المؤمن، في اللغة، من جعل كل ثقته بالله وتاليا من قبل أن فاعليّة أعماله لا تأتي منه بل من الله، وكأنّ الآية تقول ان ما تفعله بالايمان فأنت فاعله بقوة الله. العلّة التي كان إنسان هذه الأعجوبة واقعا فيها هي أنه كان فيه روح شرير يسمّى هنا أَبكم اي يسبّب له عدم النطق. ويصوّره الانجيل على انه «يُزبد ويصرف بأسنانه وييبس». هذه ظاهرة مرض عقليّ يقول الإنجيل انه تأتّى عنده من روح شرير.

        أمام عجز التلاميذ عن شفاء هذا الشخص، يوبّخ يسوع تلاميذه ويتّهمهم بعدم الايمان. الظاهرة النفسية او العقليّة معروفة. يصفها الإنجيلي بعدم الايمان. لا تشفي الآخر الا اذا آمنت. من هنا قوله: «إن استطعت أن تؤمن فكل شيء مستطاع للمؤمن»، اي إن استطعت أن تقبل الايمان فيك فهو قوة الله. انه يأتي منه اليك. انت تؤمن اذا جعلت الله سببا لأعمالك. تكون، اذ ذاك، متلقّيا إياه فيك. عندما يقول طالب الأعجوبة: «أؤمن يا سيّد فأَغث عدم ايماني»، اي نجّني من ضعف الايمان اذا اعتراني، يكون عارفًا بأن الشيطان يريد أن يُبعدنا عن الإيمان حتى لا ننال ما نطلبه من الله. الشيطان عارف بأن خلاصنا من الايمان. لذلك يريدنا أن نشكّك، والايمان يتطلّب إخراج كل شك. لذلك قال السيّد للروح الأبكم الأصمّ: «أنا آمُرُك أنِ اخرُجْ منه ولا تعُدْ تدخُل فيه». عندما أَمرَ يسوعُ الروح الشرير أن يخرج من المريض، انتفض انتفاضا كبيرا وخرج، فصار الرجل كالميت. وعلّق الربّ على هذه الحادثة بقوله: «ان هذا الجنس (أيّ جنس؟) لا يخرج الا بالصلاة والصوم»، وفي المخطوطات الأصلية كلمة صوم ليست واردة. يبقى، اذ ذاك، أن نفهم أن الشر لا يخرج من انسان الا بالصلاة. هو متحكّم ويحتاج خروجه الى أقوى منه.

         فقط إذا اكتسبنا حريتنا في المسيح نتوقع الغلبة على الشرير. لماذا كل هذا الإصرار على الصلاة من قبل السيّد؟ هنا يجب أن تأخذها بمعناها العميق. اذا كانت الصلاة تعني باللغة العربيّة الوصل، يكون الرب نازلا علينا بكلماته وخارجا منا الى الناس والعالم بكلماته. الصلاة قوة الله اذ «الروح القدس هو الذي يشفع فينا بأنّات لا توصف» (رومية 8: 26). الإله المسكوب فينا هو الذي يدعو ذاته اذا نحن صلّينا. الصلاة حركة منه فينا الى ذاتنا. نحن لا نعطيه شيئا في ذاته. كل شيء فيه. نحن نعترف به فنُوجد. الصلاة التماسُ وجوده وقراره فينا. الصلاة تُحيي الايمان، تأخذه الى أعماقه كما تتجدد فيه. الايمان فيه تحرّكٌ عقليّ ولكنه فوق ذلك. انه خطفُ العقل الى الله الذي كيانه حُب. اجل، الايمان فاعل بذاته، غير أن محبتنا لله تجعله عميقا. الايمان والصلاة مترادفان، يغذّي أحدهما الآخر الى أن يجتمعا في رؤيتنا لله. واذاوصلنا الى الرؤية في اليوم الأخير لا يبقى سواهما. فاذا كانت الرؤية، تبطل الصلاة ويبطل الايمان. بعد وصولك الى حبك لله، لا يبقى شيء تقوله. الرؤية هي القول الأخير. هي اللصوق بالرب ذاته. وعند اللصوق، يبطل القول.

الصلاة

 مقدمة:

" بالله نفتخر اليوم كله و اسمك نحمد الى الدهر " ( مز 44 : 8 )

16.    كلف الأب ابنه بحراسة الأجران ( الأماكن التي تفصل فيها الحبوب عن القش بعد جمعها من الحقول ) و كان ذلك في يوم الجمعة العظيمة. ولكن هذا الفتى الذي يدعى كامل اشتاق هو أيضا أن يحضر الصلاة، فصلى و طلب من القديس مار جرجس أن يحرس الأجران وذهب إلى الكنيسة لأنه يحب الصلاة خاصة في هذا اليوم. بعد انتهاء الصلاة عاد الأب و أحباؤه إلى الأجران فوجدوا فارسا على حصانه يدور حول الأجران و له منظر عظيم، فتعجبوا جدا و لكن عند وصول الفتى كامل اختفى الفارس. و علموا انه تشفع بمار جرجس الذي حضر و حرس الأجران بدلا من كامل طوال يوم الجمعة العظيمة. و هذا الفتى ترهب عندما كبر باسم أبونا ثاؤفيلس المحرقى.

الصلاة هي الوضع الطبيعي لكل أولاد الله، لأنها حديث مع أبيهم السماوي الذي يحبونه أكثر من كل الناس، لذا يهتمون بالصلاة أكثر من اى شئ في حياتهم  ولا يستطيعون أن ينحصروا فقط في أوقات محددة للصلاة في الصباح و الليل مثلا و لكنهم يضيفون إليها صلوات طوال اليوم.  لا تجعل شيئا يعطلك عن الصلاة مهما كان هاما، فابليس لا يهمه إلا أن يعطلك عن الله، و ثق أن الله سيبارك أعمالك و يحل مشاكلك و يدبر كل أمورك أن كنت تفضل الحديث معه و تفرغ وقتك لأجله و تضع الصلاة قبل كل شيء.

        الصلاة في الكنيسة:

17.    ليس من كنيسة في العالم كتبت في الصلاة مثل كنيستنا بدءا من الآباء النساك ومرورا بالآباء اللاهوتيين وذلك جيلا بعد جيل، كأن اهتمام الكنيسة الأرثوذكسية الأول هو الصلاة وأداؤها ومعانيها بحيث يمكن ان تتناول معتقدنا كله من الخِدَم الإلهية التي نقوم بها ومن الصلاة الفردية. كل هذا يبدو طاعة لما ورد عند بولس: «صلوا بلا انقطاع» (1تسالونيكي 5: 17) أو طاعة لكلام السيد: «اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة» (متى 26: 41). عندنا ما يسمى الصلاة غير المنقطعة أو صلاة يسوع أو صلاة القلب: «يا رب، يا يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ». ولكن إذا رأينا إلى العبادات النظامية، عندنا صلاة الساعة الأولى والثالثة والسادسة والتاسعة والغروب وصلاة نصف الليل وصلاة السَحَر أي سبع صلوات يوميا، وفي الترتيب الكنسي يُجمع بعضها إلى بعض في الأديرة وأحيانا في الرعايا، هذا إذا لم نذكر صلاة النوم الصغرى أو الكبرى التي تُعتبر صلاة فردية مع ان كنائسنا في الكرسي الأنطاكي تقيم صلاة النوم الكبرى في الصوم. وذروة كل هذه القداس الإلهي، فيكون عندنا فعليا تسع صلوات. إذا درسنا مضمون هذه الصلوات نرى ان منها صلوات سؤال عندما نطلب إلى الله حاجة لنا ولا سيما الفضائل حسب قول الرب: «اطلبوا أولا ملكوت الله وبره، والباقي يزاد لكم»، ثانيا صلاة الشكر على ما وهبنا الرب (إياك نشكر)، وأخيرا صلاة التسبيح حيث فكرنا متجه إلى مجد الله بلا سؤال عن شيء وبلا شكر على شيء. الكتاب المقدس يَعتبر الصلاةَ طبيعيةً عند المؤمن حتى انه خصص لها سفرا من أسفار العهد القديم هو المزامير وتتلوه الكنيسة بكامله كل أسبوع وتقتبس هذا المزمور أو ذاك أو أكثر من مزمور في بعض الخِدَم أو آيات من سفر هنا وثمة. ويذكر الكتاب القديم بعضا من الذين صلوا (ابراهيم، إسحق، موسى، أيوب، يونان الخ…) حتى يجيء العهد الجديد ويذكر صلاة يسوع لأبيه السماوي. ويذكر أعمال الرسل ان الكنيسة كانت تصلّي مجتمعة. وكان تلاميذ المسيح مقتنعين بالصلاة حتى سألوا الرب يسوع ان يعلّمهم كيف يصلّون، فتلا عليهم الصلاة الربية (أبانا الذي في السموات…). روح الإنجيل ان نصلي فرديا في كل حين بحيث ترتفع الصلاة تلقائيا من القلب، وقد عرّف آباؤنا الصلاة على انها ارتفاع القلب إلى الله. فإذا امتلأ قلبك من حضرته فتجعل كل وقت فراغ لك وقتَ صلاة حتى لا يسكن قلبَك الا الله فلا يساكنه باطل أو فكر شرير، إذ أنّى لك ان تطرد هذا الفكر الا بذكر الله فتذوق هكذا ان الله هو كل حياتك. ومن أهم الأمور في حياتك الشخصية ان تصلي من اجل الذين أغاظوك فتذكر أسماءهم ليزول عنك وعنهم الحقد. ومن أهم الأمور أيضا ان تستغفر ربك حتى لا تظل الخطيئة معششة فيك. لا تنم قبل ان تستغفر فقد لا تستيقظ عند الصباح. وحتى لا تبقى مجرد سائل كأنك مركّز على الأنا، فاشكر لله ما أعطاك، وإذا سرت في الحب الإلهي فسبح ربك تسبيحا طيبا فيه كل الفرح فتحس عند ذاك انك عشير الرب وأليفه وكأنك صرت عنده كما الملائكة عنده. صلّ في أي وضع واقفا أو راكعا أو مستلقيا على سريرك. وقبل كل شيء صلّ في ساعة التجربة إذ لا تقدر ان تدفع عنك إغراء الخطيئة لك الا إذا دعوت الرب فيجيء ويصبح درعا بينك وبين الميل الشرير. ليس لنا طريقة لطرد الفكر الخاطئ المفسد عنا الا إذا رجونا إلى الله ان يأتي هو بذاته ويردّ عنا التجربة. وإذا كثفت الدعاء يوما فيوما، تحس ان فكرك صار فكرا إلهيا أي موافقا لما قاله الله في إنجيله. والإنجيل هو خطاب الله إليك. فإذا سكنَتْ أقواله قلبك يعرف، عند ذاك، قلبك ان يخاطب الرب. دع الله يتكلم فيك ثم ردّ إليه كلامه بالصلاة. ان هذه محبوكة بكلام الكتاب. هي ردّ الكتاب إلى الكتاب. 

18.    فردية كانت أم كانت جماعية، الأهمية الكبرى للصلاة هي انها اولا تحمل الله فينا. هو ينادينا من داخلنا. هو المصلّي فينا. حسب قول الكتاب: «الروح يشفع فينا بأنّات لا توصف». بتعبير آخر الرب مبدئ الصلاة فينا ولا نقدر ان نصلّي ما لم تنزل علينا نعمة الروح القدس. لذلك نستهلّ كل خدمة إلهيّة باستدعائه: «أيها الملك السماوي المعزّي».

الخوف أن نترك الله بالكسل، ألا نعود نذكره، أن يدخل الينا الفتور فتموت حرارة الدعاء فينا. وقد يصل بنا الفتور الى إهمال ذكر الله كليًا ونُترك الى كلّ عمل الأهواء العاصفة في النفس. الصلاة عنـد المـؤمن العـادي هـي الإحساس بالفقر، بفقر النفس الى خالقها وفاديها. هي الشعور ان ليس عندنا شيء بلا حضور الله فينا، أن نشعر بأنه هو محرّك النفس. وكلّما توغّل الإنسان بالخطيئة يصبح أليفًا لها حتى درجة عشق الخطيئة. تصبح الخطيئة مسكنه. تناجيه الخطيئة، تدغدغه ويتبنّى منطقها، لذلك لا يحنّ الى الصلاة. أما اذا عاد الإنسان اليها بنعمة الروح ولو عاد شيئًا فشيئًا يرحمه الرب ويسكب عليه نعمته، وعند ذاك مناجاته لله تحارب مناجاته للخطيئة، ويسكن الروح القدس قلبه من جديد، وبقوته يعرف ان الروح يشفع في داخله بأنّات لا توصف. غير أننا لا نجهل قوّة التجربة وعودة عواصف الشرير الى القلب، لذلك لا بد من عدم الاستسلام الى التراخي. فاذا وجدنا مثلا أن صلاة النوم الصغرى طويلة فلا نحذفنّ جزءًا منها لأن هذا يقودنا الى ان نحذف كل شيء. انت تحافظ على كل الصلوات التي كنت تقيمها لئلا تقع في الكسل وإهمال ذكر الله. غير انك إذا شئت ليس فقط ان تصلّي ولكن أن تحب الصلاة فلا بد لك من درس الكتاب المقدّس ولا سيّما الإنجيل حتى تمتلئ من معاني الكلمات الإلهية لتتشبع معها صلاتك وتزداد فهمًا لصلاتك. فالخدم الإلهية عندنا آتية من الكتاب فتذهب منه إليها ومنها إليه لتأتي الكلمات التي تتلفّظ بها من روح الرب. أنت لا تتلو أيّة صلاة كالببغاء. يجب أن تفهم كل شيء وتسأل عن كلّ شيء وتصلّي بهدوء وبطء بحيث تستوعب كل ما تقول. نقِّ نيّاتك قبل ان تصلي وتُبْ الى الرب فيكون قلبك مفعمًا من روح الله وتأتي كلمات أدعيتك من المسيح الساكن فيك.

الصلاة جهاد طويل مستمر ولكنه حياتنا. الصلاة تشفيك من كل خطيئة وترفعك هنا الى أجواء الملكوت.

جوانب من الصلاة:

19. يقول يعقوب الرسول: «صلّوا بعضكم لأجل بعض لكي تبرأوا»: هنا أقول لك، يا أخي الراهب، ان ما يطلبه الرب منك ان تصلّي بالدرجة الأولى لمن تعرفه في حاجة إلى الصلاة: المريض، المحتاج، المتألّم، المتأزّم، وكل من عرفت لأنك تعرف أن الله وحده هو مخلّصهم جميعًا. نحن بيننا مشاركة صلاة تذهب منك وتعود إليك. المؤن يصلّي مع الإخوة ومن اجل الإخوة فيحسّ انه مع المتألّمين في كنيسة واحدة. غير ان صاحب الرسالة لا يقتصر على ذكر الصلاة من اجل الآخرين، ولكنه يطلب إرشاده فيقول: «ان ضلّ احد بينكم عن الحق فردّه احد، فليعلم ان الذي ردّ خاطئا عن ضلال طريقه قد خلّص نفسًا من الموت وستر جمًّا من الخطايا». أنت ان كنت متّصلا بالرب تستغفره من اجل نفسك، وان رأيت أخًا يسقط فتحنّن عليه وأرشده وتابعه بالإرشاد ولا تصبر على استمراره في الخطأ لأنك مسؤول عنه، ولكن كلّمه بوداعة، فإذا أحسّ برقّتك يلمس رقّة الربّ وحنانه وحظه كبير ان يرجع عن الخطيئة. حولك اثنان او ثلاثة او اكثر في عائلتك ومن بين أصدقائك تلحظ أحيانا انهم يخطئون. انت تحبّهم فيجب عليك اللوم بالأقلّ والتوبيخ احيانا لأنك لا تطيق موتهم الروحي وتريدهم ان يكونوا من أبناء الملكوت وان يهيمن المسيح عليهم. لا تريد أحدًا خارج المسيح اذ لا يحيا احد بلا مسيحنا. ومن تاب يحيا من جديد ويمكث الثالوث في قلبه. عند المساء او عند الصباح اذكر الخاطئ والمريض والمحتاج باسمه، ومن ذكرت مع اسمه اسم يسوع لابد ان ينهض يوما. لا تذكر فقط حاجاتك. واذا طلبت لنفسك الملكوت كما علّمنا السيّد فاطلب ان يحلّ الملكوت في الآخرين لتصبح وايّاهم ابناء الملكوت. ادعهم الى معرفة الإنجيل فهو يطهّرهم ان ثابروا على مطالعتهم. ادعهم الى الخدمة الإلهيّة تشفهم بما فيها من كلام وأسرار إلهيّة. لتتسع نفسك لكل من احتاج الى محبة الله له. لا تستطيع ان تبقى وحدك حبيب الرب ان لم تبتغِ ان يصبح الجميع أحباءه.

20. وجه الله: آخذ الصلاة هنا حسب المصطلح المسيحي أعني ارتفاع النفس الى الله أكانت صلاة في الجماعة المقامة في أوقاتها أم الدعاء الفردي المؤدى ظاهرًا خارج الجماعة ولكنه مقرون بها لكون قلوبنا متناغمة متلاقية اذ الانسان المنتصب في حضرة الله واقف دائمًا مع الإخوة. فمما أمره الرسل أن تلقى أخاك في الايمان في مكان واحد، أن تنتظم معه بقول وحركة في عمارة ولحن وكلمات تخرج من القلب والعقل في فصاحة التجويد والانشاد طلبًا لجدية الجمال. فأنت تقوى بأخيك اذا التمستما الحقيقة معا وأن انشأتكما الكلمة لتصير معه ومع الآخرين الأمة المقدسة. والذين يتركون عباداتهم انما يحيدون الى اعتزال الحب المصلي ولو لم أنكر على واحد منهم قدرتهم على الامتلاء من الله في عزلتهم. طالما استعمل بعض كلمة «طقوس» بمعنى انخفاضي يصل أحيانًا الى حد الاستعلاء على المصلّين في بساطة نجواهم وكأنهم يتهمونهم بالسطحية أو الشكلية أو اللافهم وقد غاب عن ذهن هؤلاء ان العابد الصادق انما تدفعه طاعته لله ورغبته في ان يكون مع أحبته والاستمتاع بالكلمات التي صاغها القديسون وتروض بها الناس جيلاً بعد جيل.

ان التقوى مراس أو فيها مراس. ان تكون محصنًا بصلاتك صباح مساء وظهرًا وعند المغيب يحيطك بأسوار قد تمنع عنك غزو الخطيئة وتقيمك في حالة التلقي الحاضن لكلمات الرب. قصتك معه أو بعض من القصة ألفة كلامه. ومعناها العميق ليس فقط أن تتقبل الكلمة تضاف الى كلماتك ولكنها تلغي الكلمات الناهدة اليك من شهوتك فان كلمة الرب اذا غذتك تطهرك من إثم كلام لك خداع. مصليًا في الجماعة وفي انفرادك انت واقف أمامه، لا ترى سواه فاعلًا. مع ذلك قد يحيد بك جمال الطقوس عن مضمونها وروحيتها. وهذا، بخاصة، في الكنائس الجميلة عباداتها، الغني تنظيمها، المكثفة والمتنوعة نصوصها. دائما أزعجني قول بعضهم: «كان القداس جميلا» اذ عند تحليل هذه العبارة تجد ان الناس استساغوا اتقان الترتيل والناحية الفنية بعامة. فاذا تفحصنا نوعية اقبالنا على العبادات ولا سيما اذا كنا غائبين عن المعاني نرى أنفسنا أمام هذه الكارثة أن المسيح دفين الطقوس. ولكن هذا لا يستتبع انه عليك ان تلغيها لتجعل لنفسك صلوات جماعية هزيلة الشكل والاداء. ليس من معنى لا صورة له، لا يتسربل كلمات مجودة اللفظ. وفي المسيحية التراثية يجمل المعنى بالايقونة والترتيل وفق التراث ولو قبلنا تجديدًا معقولا». والفهم يتطلب ترويضًا على المعاني والرموز خارج المعبد وعلى معرفة الكتاب المقدس الذي هو نفحة العبادات وأصل تركيبها وتعابيرها. هناك شبكة مفاهيمية وتراث ينقل الكلمة الالهية. هناك أجيال صلّت قبلنا ودفعها الى صلاتها الروح الالهي وتركت لنا كنوزًا من المعاني لا تفنى. وانت تبدأ مما ورثته عن الابرار ولا "يوضع أساس غير الذي وضع". وتدخل أنت على الميراث اذا شئت ان تصلي أو تدعو ولا تؤلف اذا دعوت على انفراد ما ليس متصلاً بمفردات الخلاص الذي نزل عليك وأنشأك ورباك وأصلحك. واذا دخلت صلاة الجماعة فأنت وحدك ماثل في حضرة الله أي أنك انت تصلي ولا أحد يقوم مقامك. الاصفياء من الاخوة يقيتون روحك اذا هي ارتفعت وانت تقيتهم ولكنك واقف في ما عندك من ضعف وقوة، في ما تستغفر انت وتتوب ولا ينوب عنك أحد بالتوبة ولو قوى صلاتك بما تراه عليه من حرارة. انت لا تذوب في الجماعة واذا وقفت فيها لن تقف حارًا ما لم تكن عظيم الانتباه على صلاتك الفردية.

في الكنيسة أو في بيتك مبتغاك ان تجيء من الله لعلمك بأنك لست على شيء. كثيرًا ما سمعت في أوساط الكسالى: هذا مرتكب ومع ذلك يذهب الى الكنيسة في الآحاد وكأن هؤلاء المتباعدين عن الصلاة غير مرتكبين. الخاطىء الذي يرتاد الكنيسة انما يقر ضمنًا انه انسان خاطىء. وانه جاء ليستغفر ويطلب من هذه الجماعة حبها له اذ يقر بأنها أخوية قلبه. يعرف نفسه مكسورًا، مريضًا، وجاء ليستشفي. دائمًا في المصلي اعتراف بالخطأ ضمنيًا كان أو صريحًا. من صلى مع الجماعة أو في بيته كان على شيء من التواضع، من الامحاء أمام الوجه الالهي الذي يطل عليه. عمق الصلاة أن يحس المؤمن انه فقير الى الله، انه يتكون برضائه وانه دون ديمومة ذلك ليس بشيء. بدء الصلاة في هذا الاعتراف. وهذا يتضمن الاقرار انك لن تصير شيئًا الا بالتفاتات الرب اليك. واذا تكونت سنين طولى بهذه الالتفاتات لا يبقى فيك شيء منك ولا هذا الغرور الذي يدفع الأكثرين الى ان يحسبوا ان ما لديهم انما هو ثمرة جهدهم وقد علّمنا آباؤنا الكبار اننا ندخل الملكوت برحمة الله. المصلي الدائم هو ذاك المسترحم الدائم الذي يريد أن يمشي على دروب الرب ليبقى له من الرب نصيب.

من صلى وفق قلب الله أي التماسًا للملكوت لا طلبًا لهذه الدنيا انما تكيف النعمة قلبه وتزيده احساسًا بمقاصد الله فيصبح بصلاته الموصولة لله مجانسًا أي يقتني ما يسميه بولس "فكر المسيح". فاذا اكتسبه يصلي حسب عقل المسيح أي ينسج كل صلواته وفق "الصلاة الربية" ويطلب مشيئة الله فقط. فاذا نظر الله اليه بعد طول مراس يراه لنفسه مرآة. طريق هذا الانسان تصبح طريق الرب. بهذا المعنى قال الكتاب اننا ذرية الله اذ بسبب هذا التكوين الداخلي لنا نصير أبناء الله. بعد هذا تدعو بكلمات أو بصمت عن كلمات العقل. يدخل قلبك في النجوى. أجل. لكونك أخًا للمؤمنين ولكون كلمات الكنيسة هي اياها كلمات الرب وسهرًا على تواضعك تمارس الخدمة الالهية التي تؤدّى في البيعة. هذه ضمان لتصلي بروح الله وهذا يقين انك تخلص مع الآخرين وبالآخرين. وهذا ما يؤهلك – اذا كنت خارج المعبد – ان تعبد الله بروحك أي بلا كلمات. فالكلمة الوحيد للآب يسكن فيك بالروح فإن "المولود من الروح هو روح". حياتك كلها تصير نطق الروح فيك. هذا كلّه يسيل فيك دموع التوبة الدائمة حتى لا ترى وجها غير وجه الله وتصير انت بدورك كلمة فمن رآك يحس انه يرى المسيح.

21. إرتفاع النفس إلى الله: لا ترتفع النفس من ذاتها إلى الله الا إذا سكنها الروح القدس. هو فيك يخاطب نفسه مع الآب والأبن. الصلاة حركة نزول إلهي إليك ثم حركة صعود. هذا ما فعله الابن إذ نزل أولا ثم صعد. الله ينزل إليك مباشرة بالروح الإلهي ولكنه نزل إلى البشرية جمعاء بالإنجيل. والإنجيل هو فكر المسيح ويحتوي على كل ما يمكنك ان تعرفه عن أسرار الله، تلك التي كشفها لنا. والإنجيل يصل إليك إذا قرأته ودرسته ومحّصته. والى استماعك إليه في الكنيسة يأتيك في الصلوات المختلفة والتراتيل لأنها تعبّر عن الإنجيل. أنت مع هذا الكتاب سواء أصليت مع الجماعة أو صليت وحدك لأنك إذا وقفت في بيتك أو في الشارع أو في السيارة فأنت تتلو بالدرجة الأولى صلوات من الكنيسة طُبعت في السواعي. وإذا صليت وحدك فأنت قائم روحيا مع الجماعة. ولكن قد تقوم بدعاء بسيط وليس بصلاة كاملة. تقول مثلا: "يا رب ارحم" أو تقول: "يا رب، يا يسوع المسيح، يا ابن الله ارحمني أنا الخاطئ". حتى إذا تلوت أدعية قصيرة كهذه تبقى في الروح واقفا مع الجماعة. ولكن المهم ان تكون واقفا في حضرة المسيح سواء أكنت تشارك في خدمة إلهية أم تصلي منفردا. أحيانا تكون مأخوذا بأداء الطقوس وهي عندنا أساسية. ولكن أحيانا يطغى النغم على الكلمات فلا تبقى الكلمات مفهومة. يحتاج المؤمن إلى انتباه كبير لكي يبقى مسمّرا على المعاني لأنها هي التي تجعلنا في حضرة المسيح. العبادات الطقسية قصد فيها ان تكون تجليات للسيد. حذار من ان تجعلها أنت حاجبة لحضرته. التجميل المفرط للصوت والتسابق بين المرتلين يلهيان عن المسيح. ان كنا حقا نطلبه فهو يصل إلينا بصوت رخيم وصوت قبيح. ينبغي ان نستقل عن طغيان التعابير لنلازم الجوهر. ليس من لقاء في المعابد أو في الدعاء الفردي الا مع المسيح. في الكنيسة أنت لا تحدق بالمؤمنين الذين هم أمامك والى جوانبك. كل منا متّصل بربه. اجل نحن مشتركون مع الإخوة بالصلاة الواحدة والقربانة الواحدة، ولكن هذا الاشتراك لا يعني اننا كتلة ذائب بعضها ببعض. أنت ملتصق بالسيد فقط وعنده تلقى الإخوة. يجب ان تفهم ان الصلاة -جماعية كانت أو فردية- تتطلب مراسا كبيرا أي زمنا طويلا لتفهم كل احد ما فاتك في الآحاد السابقة. في كل ذبيحة أنت تكتشف المعلّم، ترى وجهه أبهى. تمر بك جمل كثيرة مرورا عابرا. ثم فجأة تتوهج هذه الجملة بعد ان كانت مطفأة. لذلك لا تستفيد كل الاستفادة ان لم تواظب، على هذا المنوال، الصلاة الفردية. ان لم تواظب عليها كل يوم لا يمكن ان تتلوها بالدفء نفسه. لا يقوى الشوق إلى يسوع إذا انقطعت صلاتك. لا يمكن ان تجد المسيح ونظامك الإهمال. وإذا أخطأت لا تترك صلاتك بسبب قرفك من نفسك. بالعكس ظرف الخطيئة هو ظرف الرجوع إليه. ولا رجوع إليه الا بمخاطبته بالكلمات التي تعرفها أو الكلمات التي تؤلفها. الصلاة معاشرة بين المؤمن وربه. هو يحبّك دائما ويودّ ان تخاطبه لأنك تستفيد أنت من هذه المخاطبة. الصلاة هي السبيل الوحيد حتى لا تنسى السيد. 

مريم العذراء مدرسة صلاة

22. وفي إطار الانتظار، بين الصعود والعنصرة، يذكر القديس  لوقا للمرة الأخيرة مريم أم يسوع وذويه (لو 1، 14). وقد خصص لوقا بدايات إنجيله للعذراء مريم، بدءاً ببشارة الملاك مروراً بالميلاد فوصولاً إلى طفولة ابن الله الذي صار بشراً. ومع مريم، تبدأ حياة يسوع على الأرض، ومعها تبدأ الخطوات الأولى للكنيسة؛ وفي هذين الأوانين، كانت العذراء في حالة تأمل وإصغاء إلى الله. 

أرغب إذاً بالتوقف عند هذا الحضور المصلّي للعذراء مريم ضمن جماعة الرسل الذين سيؤسسون الكنيسة الأولى. رافقت مريم بتواضع درب ابنها طوال حياته العلنية وحتى أقدام الصليب، كما تابعت بصمت خطوات الكنيسة. عند البشارة في بيت الناصرة، استقبلت مريم ملاك الرب وأصغت بانتباه إلى كلماته وقبلتها مستجيبةً إلى المشروع الإلهي، ومظهرةً جهوزيتها الكاملة: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1، 38). وموقف الإصغاء الداخلي هذا بالتحديد قد مكّن مريم من قراءة تاريخها الخاص والاعتراف بتواضع بأنّه عمل الرب. وأثناء زيارتها لنسيبتها أليصابات، ابتهجت بصلاة تسبيح وفرح واحتفال بالنعمة الإلهية التي ملأت قلبها وحياتها، جاعلة منها أماً للرب (راجع لو 1، 46- 55). تسبيح وشكر وفرح: في نشيد التعظيم (Magnificat)، لم تعد مريم تنظر فقط إلى الأمور التي صنعها الله إليها، بل بما صنعه ويصنعه على مدى التاريخ. ويدعو القديس أمبروسيوس في تعليق شهير حول نشيد التعظيم إلى الصلاة بروح واحدة، فيقول: "لتكن نفس مريم في كل بشر لكي يعظم الرب، وليكن روح مريم في كل إنسان لكي يبتهج بالله". (راجع Expositio Evangelii secundum Lucam 2, 26 : PL 15, 1561). وكذلك في العلية بأورشليم التي كان التلاميذ "يقيمون فيها" ( أع 1، 13)، كانت مريم حاضرة في حالة من الإصغاء والصلاة، قبل أن تنفتح الأبواب على مصراعيها ويبدأ التلاميذ إعلان بشارة الرب المسيح لجميع الأمم، وتعليم الشعوب جميعاً أن يحفظوا ما أوصاهم به (راجع مت 28، 19- 20). ومن بيت الناصرة إلى علية أورشليم، مروراً بالصليب التي أوصاها ابنها المصلوب بيوحنا الرسول، تميّزت مراحل درب مريم بقدرتها بالمحافظة المثابِرة على حالة التأمل بصمت بالأمور في حضرة الله، وحفظها في قلبها (راجع لو 2، 19- 51)، كي تتمكّن من فهم مشئية الرب وقبولها بينها وبين نفسها. وحضور أمّ الله مع الأحد عشر بعد الصعود ليس إذاً ملاحظة تاريخية حول حدث مضى، بل إنّه يكتنز معنى قيماً جداً، لأنّ العذراء مريم شاركت التلاميذ ما هو أثمن: الذكرى الحية للمسيح في الصلاة. ومريم تشارك أيضاً ابنها يسوع في إحدى رسائله: الحفاظ على ذكرى يسوع وبالتالي الحفاظ على حضوره الدائم. أمّا الإشارة الأخيرة إلى مريم في نصّي القديس لوقا، فترتبط بيوم السبت: إنّه اليوم الذي استراح فيه الله بعد الخلق، ويوم الصمت بعد موت المسيح وبانتظار قيامته. وفي هذا الفصل بالتحديد، يتجذّر تقليد تكريم مريم العذراء يوم السبت. وبين صعود المسيح القائم من بين الأموات والعنصرة المسيحية الأولى، يجتمع رسل الكنيسة مع مريم لينتظروا معها عطية الروح القدس الذي به وحده يمكنهم أن يكونوا شهوداً. والعذراء مريم التي سبق وحلّ عليها الروح القدس كي تحمل وتلد الكلمة المتجسدة، تشارك الكنيسة جمعاء حالة انتظار هذه العطية كي "يُكوّن المسيح" (غل 4، 19) في قلب جميع المؤمنين. فإن كان لا وجود للكنيسة من دون عنصرة، فكذلك لا وجود للعنصرة من دون حضور أم يسوع، لأنها اختبرت بطريقة فريدة ما تختبره الكنيسة كلّ يوم من خلال عمل الروح القدس. ويعلق القديس كروماتيوس أسقف أكويلا على هذا الذكر للعذراء في أعمال الرسل قائلاً: "تجتمع الكنيسة في العلية مع مريم أم يسوع مع إخوته. فلا يمكننا إذاً الكلام على الكنيسة إذا لم تكن مريم أم يسوع حاضرة مع إخوته فيها: لأنّ كنيسة المسيح هي حيث يُبشَّر بتجسّد المسيح من العذراء، وحيث لا نصغي إلى الإنجيل إلا حيثما يُبشِّر الرسل، إخوة الرب يسوع." (راجع Sermo 30, 1 : SC 164, 135). وقد أراد المجمع الفاتيكاني الثاني أن يشير بطريقة مميزة إلى هذا الرابط الذي يتجلى بوضوح من خلال صلاة الجماعة التي تجمع مريم بالرسل، في المكان نفسه، وبانتظار حلول الروح القدس. وجاء في الدستور العقائدي "نور الأمم": "لأنّ الله أراد ألا يظهر خلاص البشر علناً إلا عند حلول الروح القدس الذي وعد به المسيح، نرى أنّ الرسل قبل العنصرة " كانوا يواظبون جميعاً على الصلاة بقلب واحد، مع بعض النسوة ومريم أم يسوع ومع إخوته" (أع 1، 14)؛ ونرى كذلك مريم العذراء تستدعي أيضاً في صلواتها حلول الروح القدس الذي ظلّلها عند البشارة". (رقم 59). والمكان المفضّل بالنسبة إلى العذراء مريم هو الكنيسة، حيث "يُشاد بها كعضو بارز وفائق في التميّز والفرادة…، وكمثال ونموذج رائعَين تحتذي بهما الكنيسة في الإيمان والمحبة" (ibid., n. 53)". لذا فإنّ تكريم أم يسوع في الكنيسة يعني أن نتعلّم منها أن نكون جماعة مصلية: فالصلاة هي إحدى الميزات الأساسية الني نصف فيها بصورة أولية الجماعة المسيحية التي بدأت تتجلى في أعمال الرسل (راجع أع 2، 42). كثيراً ما تُملى علينا الصلاة في الأوقات الصعبة، وفي مواجهة المشاكل الشخصية التي تدفعنا إلى أن نلتفت نحو الرب لنستمد منه النور والعون والتعزية. ومريم العذراء تدعو إلى توسيع نطاق الصلاة بحيث نلجأ إلى الله ليست بدافع الضرورة أو من أجل ذواتنا فحسب، بل بحماسة جَماعية ومثابِرة وأمينة بقلب واحد ونفس واحدة" (راجع أع 4، 32).

إخوتي الرهبان،

تجتاز الحياة البشرية مراحل غالباً ما تكون صعبة وحرجة تستلزم اتخاذ خيارات لا مفرّ منها، وتقديم التنازلات والتضحيات. ولقد وضع الرب مريم أم يسوع في لحظات مصيرية في تاريخ الخلاص، وقد تمكنت العذراء دائماً من الاستجابة بجهوزية تامة لمشروع الله بفضل رابط عميق بالرب نضج بفضل الصلاة المكثفة والمستمرة. 

وبين الجمعة العظيمة وأحد القيامة، ائتمن يسوع أمّه على التلميذ الحبيب،  ومعه كلّ جماعة التلاميذ (راجع يو 19، 26).

وبين الصعود والعنصرة، وجدت مريم العذراء نفسها مع الكنيسة وفيها من خلال الصلاة (راجع أع 1، 14). فمريم العذراء، أم الله وأم الكنيسة، تعيش أمومتها حتى آخر الزمن. فلنأتمنها على مراحل حياتنا الشخصية والكنسية، ومنها مرحلة عبورنا عتبة الموت في الرحلة الأخيرة.

فمريم تعلمنا ضرورة الصلاة وترينا بأنّه فقط من خلال إنشاء رابط ثابت وشخصي ومليء بالحب مع ابنها، سنتمكن من أن نخرج من "ذواتنا" وأنفسنا بشجاعة، ونذهب

حتى أقاصي الأرض معلنين في كل مكان بشارة المسيح ربنا مخلص العالم.

بارككم الله لتسيروا في القداسة على درب الملكوت.

دير السيدة حافظة الزروع – ألقوش – 13 تشرين الأول 2013

الأب جوزيف ابراهيم عبد الساتر الراهب

النائب الرسولي للرهبانية الأنطونية الهرمزدية الكلدانية
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
ST RITA ; CATHOLIC PRAYER
أليتيا
صلاة رائعة إلى القديسة ريتا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً