Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر
روحانية

"اسهروا، لأنّكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة"

البطريركية المارونية

أليتيا - تم النشر في 14/10/13

عظة البطريرك الكردينال مار بشاره بطرس الراعي، الأحد 13 تشرين الاول 2013


1. يدعونا الربّ يسوع للسهر، بمعنى الالتزام في الواجب اليومي، ونحن في حالة انتظار لتجليّات الله، ومجيئه في حياة كل إنسان، وفي تاريخ البشر. مَثَلُ العذارى العشر، في زمن الصليب المعروف بزمن النهايات والواقعات الجديدة، يكلِّمنا عن هذا المجيء في أبعاده الثلاثة: مجيئه في حياتنا اليوميّة، ومجيئه في ساعة موتنا، ومجيئه بالمجد في نهاية الأزمنة. وإذ يشبِّه الربّ مجيئه المثلَّث بصورة العرس وبانتظار مجيء العريس، فلدّلالة على أنّ في مجيئه السعادة للإنسان المستعدّ، الملتزم بواجبه، والمترقِّب بشوق الانتظار. ولذا يدعونا: "اسهَروا، لأنكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة" (متى 25: 13).

2. يسعدني أن أحيِّيكم جميعاً، وأن نحتفل معاً بهذه اللِّيتورجيا الإلهيّة، ونرفعها صلاة شكر لله على كلّ النعم التي أفاضها علينا، وعلى حماية وطننا وسط الظروف الدقيقة الخطرة والخطيرة، وعلى انبثاق فجر جديد دولي يعد بإيقاف الحروب في بلدان الشّرق الأوسط، وبالسَّير نحو حلول سلميّة، وبخاصّة في سوريا، عبر الحوار والمفاوضات، سعياً إلى إحلال سلام عادل وشامل ودائم. والكلّ يأمل في أن تلقى هذه الخطوة تجاوبًا من الأفرقاء المعنيّين. ولا ننسى عناية أمِّنا مريم العذراء، سيّدة لبنان، التي كرّسنا لقلبها الطاهر لبنان وبلدان الشّرق الأوسط في 16 حزيران الماضي، باحتفال رسمي ليتورجي، شارك فيه رؤساء الكنائس ورئيس الجمهورية اللبنانية، ورئيس الحكومة المكلّف وهيئات رسميّة ومدنيّة وشعبية. واليوم ننضمّ، بصلاتنا وعبر هذه الذبيحة المقدّسة، إلى قداسة البابا فرنسيس الذي يكرِّس العالم لقلب مريم الطاهر، صباح اليوم في ساحة بازيليك القدِّيس بطرس الرسول بروما. ونصلّي بنوع خاصّ، لكي يمسَّ اللهُ ضمائرَ المسؤولين في لبنان، فيؤلِّفوا اليوم قبل الغد الحكومة الجديدة القادرة على مواجهة التحدِّيات الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة الراهنة.

3. وبالأسى والرجاء نذكر في هذه الذبيحة المقدّسة الراحل الكبير الدكتور وديع الصافي الذي يودّعه لبنان والعالم العربي وكلُّ أهل الفنّ والموسيقى والتلحين والغناء. معروفٌ بأنّه "مُبتكر المدرسة الصافيّة في الأغنية الشرقيّة"، المعروفة "بمدرسة وديع الصافي". لقد غنّى تحت كلّ سماء في لبنان ومصر، في البرازيل وباريس ولندن. غنّى على مسارح صروح الفن وأنشد على مذابح الكنائس. تغنّى بلبنان عن حبّ، وهلّل لله بإيمان، ورتّل للقديسين باقتداء؛ فتجلّت نعمة الله وعنايته التي شدّدته في محن الحياة وآلام المرض لأكثر من عشرين سنة، وأبقاه لنا ذخيرة حتى الثانية والتسعين. أطلق عليه أهلُ الفنّ والموسيقى ألقابًا لم تعطَ لغيره. قالوا: إنّه "مدرسة في الغناء والتلحين في لبنان والعالم العربي، واسمه اقترن بلبنان". إنّه "عَلَمٌ من أعلام لبنان والعالم العربي". وهو "علامة فارقة في الفنّ والثقافة والانسانية لن تتكرّر". إنّه "فنّان شامخ، عامود من أعمدة الفنّ، شهيد الفنّ، قدّيس الفن". إنّه "المعلّم الكبير". وشبّه موسيقار ومطربٌ كبير صوتَه "بحديقة تجد فيها من كلّ الزهور". وهو إياه سمّاه "صاحب الحنجرة الذهبية والصوت الصافي". وهكذا تغيَّر اسمُه من وديع فرنسيس إلى وديع الصافي. وختموا بالسؤال: "هل يأتينا الله مثل وديع الصافي بعد ستة آلاف سنة"؟

إنّنا نرافقه بالصلاة إلى أمام عرش الله، لينضمّ إلى أجواق ليتورجيّا السماء، من بعد أن استبقها في مشاركته المؤمنة والمنشدة في ليتورجيّا الأرض. أمّا العزاء الحقيقيّ فهو أن يتحقّق لبنان الجمال، حلم الراحل الكبير الذي غنّاه: "لبنان يا قطعة سما".

4. ويطيب لي ان أذكر معكم بالصلاة الإخوة المسلمين في لبنان والشَّرق الاوسط، وكلَّ المسلمين، في مناسبة عيد الأضحى المبارك. فنقدّم لهم التّهاني بالعيد، ملتمسين من الله أن يجعله مناسبة لقبول هبة السلام منه تعالى، والالتزام ببنائه على أُسُسه الأربعة: الحقيقة والعدالة والمحبة والحرية التي أعلنها الطوباوي البابا يوحنا الثالث والعشرين في رسالته العامة "السلام في الأرض"، الصادرة في 11 نيسان 1963.

فالسلام، الذي يمكن أن ينعم به المواطنون في أوطانهم، هو الذي "يتأسّس على الحقيقة، ويُبنى وفقاً للعدالة، ويكتمل وينتعش بالمحبة، ويُنفّذ عمليّاً بالحرية" (السلام في الأرض، 89). وفوق ذلك، السلامُ الحقيقي هو ثمرةُ إنماء الشخص البشري إنماءً إنسانيّاً شاملاً، روحيّاً واقتصاديّاً، وثقافيّاً واجتماعيّاً، وإنماء المجتمع. بل أصبح الإنماء الاسم الجديد للسلام (راجع الرسالة العامّة للمكرّم البابا بولس السادس: ترقّي الشعوب، 87).

في مناسبة العيد، نعزّي أهالي الضحايا التي وقعت من جراء الاقتتال الأخوي في الأحداث والحروب الدائرة، نصلّي لراحة نفوس القتلى، وشفاء الجرحى، ولوضع حدّ لدوّامة العنف والحرب والإرهاب.

كما نصلِّي من أجل تحرير جميع المخطوفين والمحتجزين، وفي طليعتهم المطرانان بولس يازجي ويوحنا ابراهيم والكهنة الثلاثة، ومن أجل الإفراج عن الموقوفين والمسجونين ظلماً ولأسباب سياسيّة. وإنّها لوصمة عار، تشوِّه مجتمعنا اللبناني، اختطاف أشخاص ابتزازاً للمال كفدية. إنّ هذا لجرمٌ بحقّ كرامة الإنسان والإنسانيّة.

وإذ نحيِّي جهود الجيش اللّبناني وقوى الأمن الداخلي والأمن العام، إلى جانب أهل القضاء، ونقدّرهم على ما يحقِّقون من نجاح في ضبط الأمن والسرقات والتعدِّيات، وفي كشف الشبكات الإرهابيّة، نسأل الله أن يحفظهم بعنايته. ونناشد السلطة السياسيّة والإدارات المدنيّة المحليّة دعمهم الكامل، كما نناشد الشعب اللّبناني والنازحين واللاجئين إلى لبنان احترامهم ومؤآزرتهم لخير الجميع.

5. بالعودة إلى إنجيل اليوم، يطلب منّا الرّب يسوع ان نكون في حالة انتظار بالتزامنا في الواجب اليومي تجاه الله والذات والعائلة والمجتمع. انتظار مجيء الربّ اليومي إنّما من أجل الاستنارة بكلامه ومثله، وبإلهامات الروح القدس، وباكتشاف إرادة الله، في كلّ عمل وقول ومبادرة وموقف. انتظار مجيء الربّ عند ساعة الموت يقتضي العيش في حالة اتِّحاد دائم مع الله، والنهوض من سقطات الخطيئة بواسطة سرّ التوبة والمصالحة، والمشاركة في ذبيحة القدَّاس وتناول جسد الربّ ودمه، أيّام الآحاد والأعياد، للمحافظة على هذا الاتِّحاد، ولنيل الغذاء الروحي كمناعة ضدّ التجارب والخطايا. انتظار مجيء الربّ بالمجد في نهاية الأزمنة يستوجب العمل الدائم على نشر إنجيل الحقيقة والخلاص، وبناء مدينة الأرض على قيم الملكوت، وجعل المجتمع البشري أكثر إنسانيّة وفي حالة أفضل.

    6. ويدعونا الربُّ يسوع للسَّهر، بمصابيحَ مضاءة بشكل دائم. فمصابيحُنا هي ثلاثة معطاة لنا من الله، وبها جُعلنا على صورته. إنّها العقللمعرفة الحقيقة، والإرادة لالتزام الخير، والقلب لمحبّة الله والناس. الزيت الذي يضيئها مثلّث وعطية من الله أيضاً لكلِّ إنسان، وهو الإيمان للعقل،والرجاء للإرادة، والمحبة للقلب. والزيت هو أيضاً مواهب الروح القدس السبع التي تسند المصابيح: الحكمة والمعرفة والفهم للعقل والإيمان.المشورة والقوّة للإرادة والرجاء. التقوى ومخافة الله للقلب والمحبة (اشعيا 11: 1-2؛ كتاب التعليم المسيحي، 1831).

   7. كلُّ مسؤول في العائلة والمجتمع، وفي الكنيسة والدولة، مدعوٌّ للسهر على واجبه، مهما كانت الصعوبات والمحن والمعاكسات. وهو في ذلك مدعوٌّ للاتّكال على نعمة الله وعنايته.

   واجبُ الوالدين في العائلة السَّهر على تربية أولادهم العلميّة والروحيّة والاخلاقيّة، وعلى حمايتهم من الانحرافات الشخصيّة، ومن الأضرار الخارجيّة أكانت من العشرة الرديئة، أم من البرامج الإعلاميّة الهدّامة، أم من سوء استعمال التقنيّات الرقميّة الحديثة.

   واجب السّلطات الإداريّة والمدنيّة السَّهر على نموّ المجتمع حضاريّاً وإداريّاً، وعلى تعزيز الانتظام العام، وحماية ملكيّة المواطنين الخاصّة والملكيّة العامّة من التعدّيات والمخالفات، بدون محاباة للوجوه، وبالتجرّد من كلّ مصلحة خاصة على حساب الصالح العام.

   واجب رعاة الكنيسة السّهر على نقل الإيمان المسيحي، وتثقيفه، وضبط العقيدة الإيمانيّة، والتربية على الفضائل والقيم الروحيّة والأخلاقيّة، والسَّهر على إيقاظ الضمائر والمحافظة على الوصايا والرسوم الإلهيّة وتعليم الإنجيل والكنيسة، وتعزيز الممارسة الدينية في يوم الأحد الذي هو "يوم الرب".

   واجب السّلطات السياسيّة في الدولة السَّهر على تأمين الخير العام بتعزيز المؤسَّسات الدستوريّة: التشريعيّة والإجرائيّة والإداريّة والقضائيّة والعسكريّة. فلا يحقّ لأحد أن يعرقلها، أو يستولي عليها، أو يعطّلها، او يلوّنها سياسيّاً أو مذهبيّاً. ومن المُستنكَر حقّاً والمُدان بشدّة إمعان الفريقين السياسيَّين المتنازعَين في عرقلة تأليف الحكومة الجديدة، وإهمال الأزمة الاقتصادية والمعيشيّة المتنامية، وعدم الاكتراث والحسّ بنتائج النزوح من سوريا والذي بلغ المليون والنصف من الشعب المقهور الهارب من نار الحرب، فضلاً عن الفلسطينيين النازحين الجدد واللاجئين القدامى. وقد أصبح عدد الجميع نصفَ سكّان لبنان الأصليين. وهي نتائج وخيمة على المستوى الإنساني والاقتصادي الأمني والسياسي لحرب لم تنتهِ بعد. وقد عجزتْ إلى الآن، جامعةُ الدول العربية والمنظّمة الدولية عن التوصّل إلى وقفٍ للنار، ولو في أيام عيد الأضحى إكرامًا لقدسيّته.

   8. فلا بدّ من يقظة لدى المسؤولين في لبنان، بل ولدى الشعب اللبناني كلّه، لاسيما في أعقاب المبادرة الدولية التي اتخذتها "مجموعة الدعم الدولية للبنان"، المؤلَّفة من الدول الخمس الكبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، والتي التأمت في 26 أيلول المنصرم، بفضل مساعي فخامة رئيس الجمهورية، بمناسبة انعقاد دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة. إنّ حرص هذه الدول والمجتمع الدولي على إخراج لبنان من الفراغ الحكومي، وعلى تجنّب الفراغ الرئاسي الذي يُخشى حدوثُه في أيار المقبل، وحرصهما على سيادة لبنان ووحدة أراضيه، وعلى حمايته من نتائج وشظايا الحرب السورية، لهو مبادرة يُشكرون عليها، ولكنها إدانة تاريخية لمعرقلي تأليف الحكومة الجديدة، كما وللمصمّمين على إحداث الفراغ الرئاسي، إذا ما وُجدوا، لا سمح الله!

فيُطلب من جميع اللبنانيين ذوي الإرداة الحسنة، والمخلصين للبنان وشعبِه ومؤسساته، ولكيانه ودروه ورسالته في محيطه، بحكم موقعه الجغرافي – السياسي على ضفّة المتوسط، أن يتنادوا ويتشاوروا ويجدوا مخرجًا لهذه الأزمة الوطنية الخطيرة، بأبعادها السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة.

   9. "إسهروا، لأنّكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة"(متى 25: 13). هذه هي الآن ساعة مجيء الرب الذي يريد منّا أن نكون صانعي السلام،أحرارًا من نفوسنا ومصالحنا وحساباتنا، شجعانًا في قول الحق ونبذ الشرّ وإحلال العدل، مخلصين للبنان وطن الكرامة والانسان، أوفياء لأرضنا وتاريخنا وحضارتنا التي بنيناها معًا، فأعطت القديسين والقديسات، ورجالاتِ ونساءَ تاريخ، لكي يرتفع دومًا من القلوب المؤمنة والمُحِبّة نشيد المجد والتسبيح للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
كنيسة حول العالم
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً