Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 31 أكتوبر
home iconروحانية
line break icon

القدّيس أَلفُونْس رُودْرِيغِزْ 1533-1617

jespro.org

jespro - تم النشر في 10/10/13

شفيع الإخوة اليسوعيّين


«مجد الله هو الإنسان الحيّ». تلك هي العبارة التي تُلخّص حياة القدّيس ألفونس رودريغز وتفانيه في الخدمة المتواضعة. فقد كان يرى في كلّ إنسانٍ صورة لله. وحين يطرق عابر سبيل بابه، يتخيّل أنّ المسيح ذاته هو الطارق. ومن خلال التواضع والعمل الوضيع، شعّ منه نور القداسة، فاضاء الطريق لكثيرٍ من الشّبان.

تربية بيتيّة صالحة

وُلِد ألفونس رودريغز في مدينة شقوبية الإسبانيّة يوم 25 تموز (يوليو) 1533. وهو الولد الثاني لأسرة فيها سبعة بنين وأربع بنات. كان أبوه تاجر صوف وأقمشة، ويربح من تجارته ما يكفيه لتعيش عائلته في حالة ميسورة. وكان تقيًّا ورعًا، زرع في قلوب أولاده حبّ الله وإكرام مريم البتول. ونشأ الفونس في هذا الجو العائليّ التقيّ وتعلّم الصلولت للعذراء، فكان يخاطبها ويقول: "يا سيّدتنا مريم… يا مريم اللطيفة… يا أمي الحنون…"

ومن شدّة حبّه لها، كان يتحدّث إليها بسذاجة الأطفال في سنّه فيقول: "لا شكّ أنّني أحبّك أكثر ممّا تحبّينني". فيأتيه صوت العذراء حلوًا لذيذًا ويقول له: "هذا ليس صحيحًا. كلّما ازدادا حبّك لي، اعلم أنّ حبّي لك يكبر".

حين وصل الأب بطرس فافر إلى شقوبية، وهو أوّل يسوعيّ يأتي إلى تلك البلدة، استقبلته عائلة رودريغز، وقدّمت له العون اللازم ليُباشر رسالته في الوعظ والتعليم المسيحيّ. وواظب ألفونس على هذه التعاليم واستمع إلى العظات بشوقٍ كبير. واستعدّ على يد الأب فافر للتناول الأوّل.

الأيّام السود

عندما بلغ ألفونس الثانية عشرة من عمره، أرسله والده إلى مدرسة اليسوعيّين في مدينة "القلعة". ومكث هناك فترة ثمّ اضطُرّ إلى العودة بسبب وفاة أبيه المُفاجئة. ولمّا كان هو الابن الأكبر في الأسرة، أدار شؤون الدكّان بمفرده، وعقد الصفقات التجاريّة، ودخل في مضمار العمل، وكسِب لقمة العيش وهو لا يزال صغير السنّ. وفي سنّ السابعة والعشرين، تزوّج فتاة اسمها ماريّا سوارز، فأنجبت له ثلاثة أطفال: كسبار وألفونس وماريّا. وعاشت الأسرة في سلام ووئام لم يدوما وقتًا طويلاً. فقد اجتاح شقوبية داء فتّاك أودى بحياة زوجته وأولاده الثلاثة. وساءت أحوال التجارة، فاضطُرّ إلى بيع دكّانه، وصار يعيش في عزلة منطويًا على ذاته، يذرف دموع الألم ويداوي عبثًا جراح الزمن. وبينما هو على هذه الحال، علِم بقدوم اليسوعيّين إلى شقوبية واستقرارهم فيها. فتذكّر الأب بطرس فافر الذي علّمه التعليم المسيحيّ، وأنار عقله بروح الإيمان، فذهب إلى اليسوعيّين وسألهم الإرشاد والنصيحة، وفتح لهم قلبه فأنار الروح القدس عيون بصيرته وكشف له كيف أنّه متعلّق بأمور الدنيا، وكيف أنّ الرجاء المسيحيّ يساعد المؤمن على تخطّي الصعاب والمحن. فازداد في زهده، وجعل يبحث عن معرفة أعمق لله. وبهذا البحث انكشفت أمام عينيه خطاياه السابقة. فبدأ يتألّم ويحزن، لا لفقدان أسرته، بل لأنّه أهان الله. وظلّ على هذا النحو ثلاث سنوات حتى منحه الربّ ذلك النور الخاص، فتملّكته رغبة في تكريس نفسه كليّة لخدمته تعالى.

أخٌ مساعِد

وطلب من الرهبانيّة اليسوعيّة أن تقبله بين صفوفها ليكون كاهنًا يخدم الله من خلال الأسرار، فرُفِض طلبه بسبب كِبر سنّه – كان عمره في ذلك الحين خمسة وثلاثين سنة – وعدم إتمامه لأيّ دروس أساسيّة تمكّنه  من درس الفلسفة واللاهوت لنيل سرّ الكهنوت. كما أنّ صحّته ليست على ما يرام لكي يتحمّل قساوة الحياة الرهبانيّة، خصوصًا حياة اليسوعيّين التي تتميّز بالتنقّل الدائم والقيام بالرسالات الصعبة. فأصيب بإحباطٍ كبير وسافر إلى فالَنْسِيا وجلس على مقاعد الدرس لينال ما يلزمه من علوم أساسيّة استعدادًا لدرس اللاهوت في ما بعد. وبعد سنتين، أدرك أنّه لا يقوى على الدروس، لكنّه يستطيع أن يخدم الله بوجوه متعدّدة وطرق مختلفة. فطلب دخول الرهبانيّة االيسوعيّة مرّة أخرى، على أن يكون أخًا مساعدًا. فكتب الأب الذي قابله في فالنسيا واختبره: "إنّ صحّة السيّد ألفونس رودريغز وسنّه لا يؤهلانه لدخول الرهبانيّة". ورغم ذلك، تجاوز الرئيس الإقليمي هذا التقرير السلبيّ وقَبِلَه في الرهبانيّة.

وفي يوم 6 كانون الثاني (يناير) 1571، وصل إلى دار الابتداء، وأمضى فيه ستّة أشهر، ثمّ ذهب إلى مدرسة مونْتِسِيُون في مدينة بالما بجزيرة مايوركا. وبقي هناك حتى آخر أيّام حياته.

الأخ البوّاب

في بدء الأمر، قام الأخ ألفونس بأعمال يدويّة متنوّعة في مدرسة مونتِسيون. ثمّ عيِّن بوابًا لاستقبال الزوّار وتسليم الرسائل والبحث عن التلاميذ ليقابلوا أولياء أمورهم، وما شابه ذلك من مهام يقوم بها أيّ بوّاب عاديّ. لكنّ حياته الروحيّة وصلاته الدائمة جعلتا من الغرفة الصغيرة بجوار باب المدرسة، التي يمضي فيها سحابة يومه، منارةً يستنير منها الطلاّب وأولياء الأمور وحتى اليسوعيّون الذين يعملون في المدرسة. وكان الطلاّب يأتونه في أوقات الاستراحة، ويحدّثونه عن مشاكلهم، ويسمعون منه النُصح والإرشاد. وفي نهاية الحديث، ينهض الأخ ألفونس والسُبحة في يده، وعلى وجهه ابتسامة وديعة ويقول لمحدّثه: "اليوم سأصلّي لأجلك يا عزيزي… لا تخف، فالعذراء ستكون معك وابنها سيحميك والروح القدس سيعضُدك والله يُبارك حياتك". وكان حين يُقرع الباب، يهبّ مُسرعًا ويفتحه، ولا يعبأ سواء كان الوقت متأخّرًا أم الطقس باردًا. لأنّه يرى في شخص الطارق يسوع المسيح. فيُنادي، وهو يتّجه نحو الباب: "هاءنذا آتٍ يا ربّ". واعتبر الأخ ألفونس أنّ عمله رسالة وكّلَه الله بها. فعاش مُطيعًا لرؤسائه ولنداء المسيح الذي يسمعه من خلال الفقراء والمحتاجين الذين يقرعون باب المدرسة. وكان يرى أنّ الطاعة هي خير سبيلٍ للتخلّي عن انتقادات إخوته في الدير لطاعته الكاملة وتفانيه في خدمة مَن يطرق الباب، غير مبالٍ بصحّته. لكنّه تمسّك بهذه الطاعة بإيمان وإصرار.

لاهوت العمل المتواضع

ومن البوّابة البسيطة، سطع نور قداسة الأخ ألفونس، فأنار جزيرة مايوركا بكاملها. وصار الناس يأتونه من كلّ حدب وصَوب للتحدّث إليه. وحان الفقراء ينالون منه، كلّما قرعوا الباب، تعزيَةً روحيّةً ومساعدةً ماديّة تُعينهم على مواجهة ظروف حياتهم الصعبة. وكان يُردّد دومًا في صلواته: «أعطني يا ربّ أن أعرفك أنت العظيم لأعرّف الناس بك، وأن أعرف نفسي أنا الخاطئ لأزداد تواضعًا… لأنّه عليّ أن أصغر وعليك أن تكبر… إجعل يا ربّ أن يكون الحساب واضحًا بيننا، أيّ أن تكون مسرورًا ممّا أفعل، لأنّه لو كان باستطاعتي أن أعرف كيف أخدمك، لما تردّدت في حبّك وخدمتك، كما تفعل الملائكة في السماء». وكان يقول للناس: "النقاء والتواضع وحبّ الله تقود الإنسان إلى أن يسلّم نفسه كليّة لله. وهذا أمر لا شكّ فيه. أمّا باقي الأمور كالرؤى والإلهامات والرسائل التي ينالها بعضهم من السماء، والتعزيات الروحيّة، فهي أمور مشكوك فيها ولا يُمكن لأحد أن يؤكّد صحّتها".

وحين بلغ الأخ ألفونس رودريغز سنّ الواحدة والستّين، تدهورت صحّته تدهورًا شديدًا، وعجز عن القيام بأعماله السابقة كلّها. فخفّف الرؤساء عبء المسؤوليّة عنه وعيّنوه مساعدًا للبوّاب الجديد. وبذلك صار لديه متّسع من الوقت ليصلّي ويرشد الطلاّب ويحثّهم على العبادة والتقوى.

حوار بين قدّيسَين

وفي سنة 1605، وصل إلى المدرسة دارسٌ يسوعيّ في زهرة شبابه اسمه بطرس كلافر. وكان هذا الشابّ شعلة حماسة وإقدام، لكنّه لا يعرف ما يريد الله منه في حياته الرهبانيّة. فعقد صداقة حميمة مع الأخ ألفونس، وكشف له عن مكنونات نفسه. واستطاع الأخ ألفونس، بفضل نور التمييز الروحيّ ورهافة الإحساس التي يتمتّع بها في حياته الفاضلة، أن يدلّ الدارس بطرس كلافر على طريق الرسالات. وشجّعه على الذهاب إلى القارة الأمريكيّة المكتشفة حديثًا، وأوصاه بأن يهتمّ بالمنبوذين هناك. وهي وصيّة ستقود حياة هذا الشاب إلى طريق القداسة.

الراحة الأبديّة

في سنة 1615، أرهق المرض الأخ ألفونس قأقعده في الفراش، وصار لا يغادر غرفته إلّا لحضور القدّاس. وكان الناس يأتونه ليستشيروه في أمور حياتهم ومشاكلهم، والتلاميذ يزورونه ليسترشدوا منه. وقبل ثلاثة أشهر من وفاته، فقد بصره وضعفت ذاكرته، فلم يعد قادرًا على تلاوة الصلوات المحبّبة إلى قلبه. فصار يردّد طوال النهار اسم يسوع ومريم. وبدأ الشيطان يجرّبه في ألمه ويقول له: "أين هي مريم التي هدرت حياتك لخدمة ابنها؟" وكانت العذراء تهبّ لنجدته في الحال وتقول له: "حيث أنا، لا مكان للخوف". فيشعر بالتعزية.

وفي يوم 31 تشرين الأوّل (أكتوبر) 1617، اجتمعت الجماعة اليسوعيّة حول سريره وهو في نزاعه الأخير، وصلّى الجميع صلوات الفرض. وفتح ألفونس عينيه ونظر إلى الحاضرين، ثمّ رفع الصليب الذي بين يديه وقبّله بوقار وقال: "يا يسوع". وسكنت أنفاسه وأسلم الروح.

أعلن البابا ليون الثاني عشر الأخ ألفونس رودريغز اليسوعيّ طوباويًّا يوم 12 حزيران 1825، وزاد البابا ليون الثالث عشر في إكرامه فأعلنه قدّيسًا يوم 15 كانون الثاني (يناير) 1888 – وهو اليوم الذي رُفع فيه ابنه الروحيّ بطرس كلافر رسول العبيد إلى مصاف القدّيسين – ويُحتفل بعيده في يوم 31 تشرين الأوّل (أكتوبر) من كلّ سنة.

من كتاب "قدّيسون وشهداء  يسوعيّون "، الأب سامي حلاق اليسوعيّ، دار المشرق
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
قديسون
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
هيثم الشاعر
رئيس وزراء ماليزيا السابق في أبشع تعليق على م...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
Medjugorje
جيلسومينو ديل غويرشو
ممثل البابا: "الشيطان موجود في مديغوريه، ولا ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً