Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
أخبار

البطريرك ميشيل صبّاح يكتب "الدين والدولة في فلسطين"

abouna.org

أليتيا - تم النشر في 07/10/13

"الدين والدولة: من الدولة الدينيّة الى الدولة المدنيّة الديموقراطيّة وما بينهما".


فيما يلي النص الكامل لورقة العمل التي قدمها البطريرك ميشيل صبّاح، بطريرك اللاتين السابق، خلال المؤتمر الذي أقيم في جامعة بيت لحم حول "الدين والدولة: من الدولة الدينيّة إلى العلمانيّة وما بينهما":

1) أبدأ بملاحظة بالنسبة إلى لفظة "العلمانيّة": في المفهوم المسيحيّ، في الكنيسة أي جماعة المسيحيّين فئتان: إكليروس أي الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، وفئة المؤمنين عامّة، ويُسمَّون بالمؤمنين العلمانيّين. في اللغات الأوروبية اللفظة (lay, laics) مشتقَّة من اللفظة اليونانيّة وتعني الشعب أو من كان من الشعب. وليس للفظة أيّ مدلول يدل على متديِّن أو غير متديّن أو ملحد وما شابه. والدولة العلمانيّة، في المفهوم الغربي والسياسيّ، هي الدولة التي تفصل بين الدين والدولة، وأنَّه ليس للدولة دين رسميّ. وللفظة هنا صلة بمعنى المتديّن أو المؤمن أو اللاديني أو المبعِد للدين. ولكنّها لا تحمل المعنى نفسه في كلّ دولة، بل يختلف المعنى بحسب الدول. فبعضها علمانيّ ومؤمن، وبعضها علمانيّ وغير مؤمن.

في المفهوم الإسلاميّ، لفظة علمانيّ توحي للمسلم بمعنى "غير المؤمن أو الملحد". ولهذا، بالنسبة إلى عنوان المؤتمر "من الدولة الدينيّة الى العلمانيّة وما بينهما"، من الأفضل استعمال لفظة "الدولة المدنيّة الديموقراطيّة". فيكون: ""الدين والدولة: من الدولة الدينيّة الى الدولة المدنيّة الديموقراطيّة وما بينهما".

2) حديثي هو إذًا الدين والدولة والعلاقة المتبادلة بينهما في فلسطين. أبدأ بتعريف المصطلحات: الدين ما هو؟ والدولة ما هي؟ ثم أقدِّم نظرة عامّة موجزة عن واقع هذه العلاقة في التاريخ. ثم أصل أخيرًا إلى موضوع "الدين والدولة في فلسطين".

الدين بحسب المعنى اللغويّ مشتقٌّ من لفظة "دان يدين" له أي خضع له. أو قد يكون له المعنى المعاكس "دانه يدينه" أي حكم عليه. وبين المعنيَين صلة، من وجهة نظر دينيّة، فالخضوع لله هو الاعتراف بأن الله هو الديّان.

وقد يقيم الإنسان نفسه ديَّانا لأخيه في شؤون دينه، وهذا من باب المغالاة البشريّة. فيصبح المتديّن أي الخاضع لربّه هو ديّانًا لغيره، فيحكم عليه في شؤون دينه، يقيِّمه فيؤيّده أو يكفِّره، وبحسب حكمه عليه يتّخذ منه موقفًا. ومهمٌّ أن نلاحظ أنّه، في هذه المرحلة من الفكر والعمل، أي المرور من التديّن إلى دينونة الناس، تحصل عمليّة تبديل عميقة في ذات المؤمن، وقد لا يتنبّه لها صاحبها، بل المجتمع كلُّه، وهي أنّ الإنسان يُحِلَّ نفسه محلَّ ربّه، هو الديّان عزّ وجلّ، وليس الإنسان، مهما كان إيمانه، ومهما كان موقعه في المؤسَّسة الدينيّة. وفي هذه المغالاة والحكم على الآخر خروج عن معنى الدين بل خروج على الدين الذي هو خضوع له تعالى وليس حكمًا على خلائق الله. وبهذا التحوُّل في داخل الذات يجرِّد المؤمن نفسه من الدين والإيمان. وقد يحدث هذا في كلّ الأديان، بدرجات وصور متفاوتة.

الدين علاقتان كلاهما رئيسيّتان، الأولى، علاقة بالله والثانية علاقة بالإنسان خليقة الله. العلاقة بالله هي علاقة خضوع، واعتراف بسيادته تعالى، وسجود وصلاة، تليها ممارسات يعبِّر بها المؤمن عن إيمانه، وبها يقوِّيَ روحَه وإرادته ليبقى ثابتًا في خضوعه لربّه. والعلاقة مع خليقة الله هي علاقة احترام للإنسان لأنه خليقة الله. المتديّن الصحيح يعترف بالعلاقة الحميمة، وهي علاقة كيان ووجود، بين الله وخليقته. ومن ثمَّ الخضوع لله يعني أيضًا تكريم ما أوجده الله. فلا يُكرَّم الله سبحانه ويُزدرَى أو يُعتدَى على ما أوجده الله أي على خليقته. فتكريم الخليقة هو نتيجة منطقيّة ولازمة لاعتراف الإنسان بربّ الإنسان.

ولهذا نقول إنَّ الدين، أي خضوع الإنسان لربّه، شأن بين الإنسان وربّه. ولا يجوز لأيّ إنسان، ولا يجوز للدولة طبعًا بكل أجهزتها أن تدخل بين الإنسان وربِّه، إلّا بالكلمة الحسنة، بالهداية والإرشاد، لا بالإكراه أو العقاب الخارجيّ لموقف أو عمل إيمانيّ، أو فكريّ، أو روحيّ أو جسديّ. فموقف الإنسان من ربّه موقف يعود إلى ضمير الإنسان، وحرّيّته، ولا يجوز لأيّ إنسان أن يعتدي على حرّيّة إنسان في ضميره أو فكره، ومن ثم في موقفه أو خياره لدينه. وهذا أمر غير متوفِّر في مجتمعنا العربي. خيار الإنسان لدينه في مجتمعنا العربيّ ليس شأنًا بين يدي الفرد وحده، بل هو شأن بين يدي الفرد والمجتمع معًا. المؤسَّسة الدينيّة الخارجيّة أو الدولة نفسها أو تقاليد المجتمع هي التي تقرِّر بقوانينها وعوائدها الخيار الدينيّ للفرد. الحرّيّة الدينيّة لدينا تعني أنّ الفرد حرّ لأن يعتقد ولأن يمارس الدين الذي ولد فيه، ولكنَّه ليس حرًّا في اختيار الدين الذي يريده، إن أراد أن يبدِّل دينًا بدين، أو قناعة بقناعة. وفي هذا انعدام لحرّيّة الضمير.

المؤمن قد يكون فردًا في مكانه ولا أثر له في مجتمعه، إلا أثرُ صلاته وعمله. ولكنّه في كلّ حال مواطن وله حقوقه وواجباته، ومن هنا علاقته كمتديّن أو غير متديّن بالدولة. وقد يكون المتديّن في موقع الحكم والإدارة للمجتمع، وهنا تُطرَح قضية علاقة الدين بالدولة، من جهة، بالنسبة إلى المواطنين، ومن جهة أخرى، بالنسبة إلى السلطة الحاكمة.

3) الدولة ما هي؟

من حيث الاشتقاق اللغويّ، اللفظة العربيّة "دولة" مشتقَّة من "دال يدول" أي زال، فتُلمِح اللفظة إلى معنى الزوال وعدم الاستقرار. وفي اللغات الأوروبية تُترجَم لفظة الدولة بلفظة (state) المشتقّة من اللاتينية، وتعني "وقف، ثبت على حال أو وضع معيّن". ولكن مهما كانت التسميات، فالواقعُ نفسُه: أي العرضة للزوال.

وأمّا تعريف الدولة فقد عرَّفها بعض المفكِّرين الغربيّين بأربعة مكوِّنات: المكان والسكّان وهيئة حاكمة مدبّرة، وكيان قادر على إقامة علاقات مع كيانات أخرى مماثلة. وليس الدين من بين هذه العناصر المكوِّنة. ويمكن أن يكون في الدولة شعب واحد وثقافة واحدة أو دين واحد، ويمكن أن يكون فيها تعدُّديَّة. وأغلب الواقع اليوم، مع بعض الاستثناءات، هو واقع تعدُّدي.

4) الواقع العربي والغربيّ

في دولنا العربية القائمة اليوم نجد أنماطًا متعدِّدة للدولة ولعلاقتها بالدين: نجد الدولة المؤسَّسة على الدين، والدين يحكمها، ونجد الدولة المؤمنة المسلمة تتبنَّى أنماط حكم حديثة أو عناصر منها، وفيها دين رسميٌّ للدولة هو الإسلام، والحاكم مسلم وممارس رسميًّا للإسلام. ونجد نمطًا ثالثًا فريدًا، هو "حكم طوائف"، أي ديانات كلُّها متواجدة في الوطن نفسه. وهذا النمط الفريد يوجد في لبنان فقط، لتركيبته السكّانية والدينيّة الخاصّة. فالدولة فيه تقوم على اتّفاق الأديان في تقاسم الحكم، على أساس دينيّ، ليس بمعنى الإخلاص للدين، بل بمعنى الإخلاص للإنسان المتديّن المطالِب بحقوقه كطائفة متميّزة عن الطوائف الأخرى.

في الدول الغربية، نجد كذلك نماذج مختلفة: دولة علمانيّة لا محلّ فيها للدين، مثلًا فرنسا حيث لا يجوز لممثّل الدولة أن يقوم رسميًّا أو يشارك في أيّ عمل دينيّ. ونجد دولًا لها دين رسميّ، مثل إنجلترا (الدين المسيحيّ على المذهب الأنجليكاني)، وبلاد أوروبا الشماليّة مثل السويد أو النروج (حيث دين الدولة هو المذهب اللوثريّ). ونجد دولًا مزيجًا من هذا وذاك تعترف بالدين، ولكن ليس للدولة دين رسميّ، ويجوز رسميًّا للحاكم أن يؤمن ويمارس حتى بصفته الرسميّة. والدين لا يميّز، قانونيًّا وعمليًّا، بين المواطنين.

5) نظرة تاريخية موجزة

5.1 العلاقة بين الدين والدولة ظاهرة ظهرت منذ فجر التاريخ. حيث كانت العلاقة حميمة إلى درجة أن تماهى مفهوم الملك والإله. هكذا في الحضارات القديمة البابليّة ثم الفرعونيّة. وتلتها الإمبراطوريّة الرومانيّة، حيث الإمبراطور أصبح إلهًا وله تُقدَّم الذبائح. وفي هذه الحال، أولُّ ما وُجِد تعدُّد واختلاف في الأديان، كان الحلّ هو استيعاب الاختلاف والتوفيق بين المختلِفِين والعقائد المختلفة، هذا ما حصل مثلا بين الآلهة اليونانيّة والرومانيّة وغيرها من آلهة الشعوب التي أصبحت جزءًا من الإمبراطوريّة.

ولمّا ظهرت الديانات ذات الوحي السماويّ، والتي لا يمكن استيعابها ولا تذويبها مع سائر الآلهة، أدّى ذلك الاختلاف الراديكالي إلى القانون القائل: لا يجوز للمختلِف أن يوجد. وهذا ما طُبِّق على المسيحيّة في القرون الأولى في الإمبراطوريّة الرومانيّة، فقال القانون الرومانيّ: "لا يجوز للمسيحيّ أن يوجد". ونتج عن ذلك قوافل الشهداء في القرون الثلاثة الأولى من المسيحيّة. ولمَّا تنصَّرت الإمبراطوريّة، لم يتغيَّر القانون بل انقلب في الاتجاه المعاكس، فأصبح : "لا يجوز لغير المسيحيّ أن يوجد"، ومن ثم تمييز واضطهاد لصاحب الدين المختلِف.

وتطوّرت الأمور في الغرب المسيحيّ، من الحاكم الدينيّ يحكم باسم الله حكمًا روحيًّا وزمنيًّا، إلى تطوّر في الفكر والفلسفة والحرّيّة الدينيّة في العصر المعروف "بعصر الأنوار"، حتى جاءت الثورة الفرنسيّة التي فصلت في فرنسا نهائيًّا بين الدين والدولة، للمساواة بين المواطنين، أي بين المؤمن وغير المؤمن. الكلّ إنسان ومواطن. ومن ثَمَّ المناداة بالمساواة والحرّيّة والأخُوّة الشاملة.

5.2 الدولة في الإسلام

أوَّل صورة للحكم في الإسلام هو الخلافة، خلافة الرسول ثم خلفاء الرسول في مختلف الخلافات الإسلاميّة التي توالت في التاريخ، من الخلفاء الراشدين، فالأمويّين، فالعباسيّين والفاطميّين، وغيرهم إلى الخلافة العثمانيّة التي توقَّفت مع نهاية الحرب العالمية الأولى (1914-1918). والخليفة يحكم في الدين والدنيا. وتقوم الخلافة أو بالأحرى تحكم الخلافة من حيث المبدأ في بلد كلُّ سكانه من المسلمين. وإذا وجد سكّان غير مسلمين، فقد أُوجِد لهم وضع قانوني. فبدل القانون الروماني القائل: "لا يجوز للمختلِف في الدين أن يوجد"، أوجد الإسلام قانونًا يسمح لفئات من غير المسلمين بأن يوجدوا، وهم أهل الكتاب ومن شابههم. أوجد لهم وضعًا قانونيًّا عُرِف "بوضع أهل الذمّة"، إي إنهم مختلفون، وفي حماية الإسلام، في ذمة الله ورسوله. غرباء في بلادهم ومختلفون، ولكن يجوز لهم أن يوجدوا بصورة قانونيّة.

ومع ظهور العالم العربيّ الحديث بمختلف صوره، وقد وصلت إليه وأثَّرت فيه مبادئ الثورة الفرنسيّة التي عمّت مبادؤها العالم: أي حرّيّة ومساواة وإخاء، بدأت النهضة العربيّة بمفاهيم جديدة للدولة ولعلاقة الدولة بالرعيّة. فظهرت الدول العربيّة الحديثة، لها دين رسميّ، هو الإسلام، مع التأكيد على المساواة بين المواطنين وعدم التمييز بينهم على أساس الدين أو العرق الخ… (وهو تناقض في الكلام: إن كان للدولة دين معيَّن، فهذا يعني تمييزًا لصالح الذين يدينون به ونقيض للذين لا يدينون به).

والمرحلة الثانية في تطوّر العالم العربي الحديث، هو النهضة الإسلاميّة لاستعادة الدولة الإسلاميّة أو النظام الإسلاميّ للحكم، في مختلف صوره التي نشاهدها اليوم، بعضها معتدل ومزيج، وبعضها متشدّد، وبعضها دمويّ بما نشهده في تنظيمات القاعدة وفي المجموعات العاملة اليوم في العراق وسوريا.

وفي الدول العربيّة كلِّها اليوم، تقرير الصلة بين الدولة والدين يعتمد على الدين. فالمواطن هو أوّلًا مؤمن ثم مواطن.

ومن ثَمَّ، السؤال الذي يطرح أمام الفكر العربيّ المسلم، يطرحه اليوم المسيحيّ والمسلم على السواء، هل تستطيع الدولة الإسلاميّة أن تصل إلى المفهوم الأصل أي مفهوم الإنسان ثم مفهوم المواطن المتساوي مع كلّ مواطن بالرغم من اختلافه في دينه؟ والوصول إلى رؤية الإنسان تعني المساواة كاملة ولا تعني بعض قوانين حماية خاصّة. لأنّ الأصل هو الإنسان، المسلم والمسيحيّ، ومن ثَمَّ قانون واحد يحكمهما، ولا حاجة لأيّ أحد منهما إلى حماية خاصّة، ولا إلى قوانين خاصّة إلَّا في الشؤون الدينيّة الروحيّة الصرفة التي تبقى شأنًا داخليًّا للمؤسّسة الدينيّة.

6) الدين والدولة في فلسطين

صورة "الدولة" في السلطة الفلسطينيّة تندرج ضمن المفهوم العربيّ الشامل، أي المساواة بين المواطنين ولا تمييز بينهم بسبب العرق أو الجنس أو الدين ، ودين الدولة هو الإسلام.

والواقع الذي نعيشه في فلسطين اليوم، في كلّ فلسطين، في الضفة وغزة، ومن حيث المواطنون لا الدولة، الواقع هو تيّارات مختلفة، بعضها متشدّد، فيها حنين إلى دولة إسلاميّة، كما كانت الخلافة. ولدينا فئات متعدِّدة في هذا الاتّجاه: إخوان مسلمون، وحماس، وسلفيّون، وتحرير، وأهل الدعوة والتبليغ …كلّ هؤلاء يودّون لو توصَّلوا إلى بناء دولة إسلاميّة في بناها ومظاهرها. وقد بدأت حماس في غزة بإجراءات خارجيّة تفرض "إسلامًا اجتماعيًّا" على كلّ المجتمع، على المسلم القابل أو غير القابل، وعلى غير المسلم أي المسيحيّ.

مسؤوليّة بناء الدولة في فلسطين هي مسؤوليّة جميع الفلسطينيّين، مسلمين ومسيحيّين على السواء. ولا بدَّ من أن يشترك كذلك المسيحيّون والمسلمون في التفكير سويّة في التوفيق بين واجب الإخلاص للدين وواجب الإخلاص للإنسان بصورة مطلقة، قبل أن يكون مسلمًا أو مسيحيًّا. وفي فلسطين، إلى المبدأ الأصل أي "الإنسان" والمواطن، يضاف مبدأ ثانٍ وهو الطابع الشموليّ الخاصّ بفلسطين.

فلسطين أرض مقدّسة. هي أرض عربيّة، نعم، ولكنّها أرض الله، ومن ثم أرضٌ للعالم كلّه، فهي شبهُ مَقدِسٍ ونحن "سدنتها". ومن هنا اسم "القدس" أي المــَقدِس والمقدَّس. ويجب أن يتَّسع صدرنا لكلّ إنسان، للمواطن وللضيف، الحاجّ أو غيره. نعم، مسلمون، ولكن المسلم الذي يريده الله عابدًا لربّه ومكرِّمًا لجميع إخوته. ونعم، مسيحيّون، والمسيحيّ الملتزم شؤون الحياة العامّة. والكلُّ يضع معًا أسس الدولة الفلسطينيّة الحديثة، تحترم الدين وتحترم الإنسان.

في فلسطين يُرى الله أوّلا. ثم يُرى الإنسان الذي خلقه. ثم يُرى الإنسان بانتماءاته وديانته، فهو مسلم أو مسيحيّ أو يهوديّ. هل يقدر فكر المؤمن وقلب الفلسطينيّ المسلم والمسيحيّ أن يبلغ هذا السمُوّ؟ إذّاك يكون جديرًا بأن يحكم فلسطين الحكم الصحيح. تُعمَّق جذور الروح لتُعمَّق وتُرسَّخ جذور الوطن. فلا يُخنَقْ الإنسان بخيوط يصنعها الناس، أو يظنُّون أنهم يعبّرون بها عن الدين والإيمان بالله. الله روح وبالروح يُعبَد ويتوجَّه إليه كلُّ إنسان، وليس بتعليمات أيّة قوّة حاكمة.

وفي فلسطين اليوم قضيّةٌ خاصّة، وهي فرديّة الأحزاب وتقسيمها للوطن أي تضحيتُها به. الوطن هو الأوّل ثم يأتي الحزب. والحزب خادم للوطن وعندما يصبح الوطن ضحيَّة الحزب كما هو الحال اليوم، على الحزب أن يصحّح مساره. والوطن، والدين كذلك، ليس سُلَّمًا للوصول إلى السلطة. فإذا أصبح بسبب ذلك مقسِّمًا للوطن يجب أيضًا أن يتبدَّل المسار.

مسودّات الدستور الفلسطيني التي رأيناها حتى الآن لا تستجيب لمطلق الإنسان. دين للدولة؟ نعم، نريد أن يكون للدين كرامته في حياتنا القوميّة. ولكن بما أنَّ الإنسان هو المطلق، فدين الدولة هو دين جميع مواطنيها. مواطنوها مسلمون؟ فليكن دين الدولة الإسلام. ومواطنوها مسيحيّون؟ فليكن دين الدولة الإسلام والمسيحيّة. ومصدر التشريع كذلك يتعامل أوَّلًا مع مطلق الإنسان، ثم يتعامل بما يلزم للمسلم ويما يلزم للمسيحيّ. وقد يقال المسلمون هم أكثريّة السكّان والمسيحيّون عدد قليل. لا المسلم ولا المسيحي عدد، بل كلٌ منهما إنسان. وهو مساوٍ لكلّ إنسان ولكلّ الناس، وليس عددًا، لا واجد ولا ملايين. في مفهوم الإنسان، تلغى قوانين العدد، ولهذا، الواحد ليس واحدًا بل هو فوق العدد، وهو كلّ الناس. فمفهوم العدد يجب أن يخرج من تقييم الإنسان وكرامته التي منحه إيّاها الخالق.

المشترعون الفلسطينيّون، أعضاء المجلس التشريعيّ، قد يكون عليهم أن يقوموا بعملية خروج من ذاتهم صعبة، خروج من تقاليد وانتماءات، ودين بمفهوم الطائفة الذي يُجزّئ ويفرِّق، ليصلوا إلى المفهوم الصحيح للدين وللإنسان. وبذلك يكونون قادرين على سنّ شرائع تسمو سموَّ فلسطين وقداستِها وشموليَّتِها. فليعملوا بموجب مطلق الإنسان، المسلم والمسيحيّ، ليجدوا القوانين التي تستجيب للإنسان أوّلًا، وللإنسان المؤمن، كلّ واحد بحسب دينه.

نريد في فلسطين دولة تمثل كلّ مواطنيها. دولة مدنيَّة ديموقراطيّة. الكلّ ينتخب من يحكم. وإذا انتخب الشعب أكثريّة، فهذا لا يعني دكتاتورية الأكثريّة، ولا يعني أنّ الشعب كلّه، بأكثريّته وأقلّيته، سلَّمَ أمره إلى استبداد الأكثريّة. بل تبقى الأكثريّة ملزَمةً باسم الوطن كلِّه لأن تعدل في حكمها وتلبّي حاجات الجميع، فهي لا تتعامل مع أكثريّة انتَخَبت وأقلّيّة لم تنتخِب، بل مع مواطنين متساوين. الأكثريّة الصحيحة والمطلق الذي يوجّه الحكّام والرعايا هو "الإنسان" والكرامة المتساوية التي منحها الله كلّ إنسان.

أمام العالم العربي وأمامنا في فلسطين تحدٍّ هو: هل نحن قادرون اليوم أو هل نصير قادرين غدًا على رؤية "الإنسان"، فنتعامل معه كإنسان، وندرك أن تعاملنا مع الإنسان هو تعامل مع ربِّ الإنسان، بما أراد له من حرّيّة ومساواة وإخاء شامل؟ اليوم لسنا بعد قادرين على هذه الرؤية وعلى الحكم بموجبها. ولكن أرجو أن يعمل المؤمنون والمفكّرون معًا، والمجلس التشريعي، والأحزاب السياسيّة، والمسلمون والمسيحيّون، لنصبح قادرين على تكريم الإنسان كما كرّمه الله خالقه.
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً