Aleteia
الأحد 25 أكتوبر
أخبار

الحرب على المسيحيين

abouna.org

أليتيا - تم النشر في 04/10/13

الاضطهاد العالمي للمسيحيين هو كارثة زماننا غير المروية


تخيلوا لو نقل المراسلون في أواخر سنة 1944 معركة الثغرة وإنما من دون التوضيح بأنها كانت نقطة تحول في الحرب العالمية الثانية. أو ماذا لو روى صحافيو الموارد المالية قصة انهيار المجموعة العالمية الأميركية التي شهدتها سنة 2008 من دون الإضافة بأنها أثارت أسئلة عن المشتقات والرهون العالية المخاطر التي قد تدل على انهيار مالي واسع النطاق؟

قد يقول معظم الناس أن الصحافيين فشلوا في تأمين السياق المناسب لفهم الأنباء. مع ذلك، هذا ما تفعله وسائل الإعلام بصورة روتينية عندما يتعلق الأمر ببداية الاضطهادات المعادية للمسيحيين حول العالم، مما يجعل الحرب العالمية على المسيحيين أعظم قصة غير مروية في أوائل القرن الحادي والعشرين.

في الأيام الأخيرة، أصيب الناس حول العالم بالذعر من جراء مشاهدة صور اعتداءات على كنائس في باكستان حيث توفي 85 شخصاً عندما هاجم انتحاريان كنيسة جميع القديسين الأنغليكانية في بيشاور، وأيضاً في كينيا حيث تسبب اعتداء على كنيسة كاثوليكية في سقوط قتيل وجريحين.

هذه الأعمال الوحشية هي حقاً مروعة، وإنما لا يمكن فهمها فعلاً من دون رؤيتها كأجزاء صغيرة من قصة أكبر. فلننظر إلى ثلاث نقاط عن مشهد اضطهاد المسيحيين اليوم، نقاط تثير الصدمة لأنها غير معروفة بشكل عام. أفادت الجمعية الدولية لحقوق الإنسان، المرصد العلماني الذي يقع مقره في فرانكفورت الألمانية، أن 80% من أعمال التمييز الديني في العالم هي موجهة اليوم نحو المسيحيين. وهذا ما يجعل المسيحيين إحصائياً المجموعة الدينية الأكثر اضطهاداً في المسكونة.

ووفقاً لمنتدى بيو، فإن المسيحيين واجهوا بين عامي 2006 و2010 نوعاً من التمييز، قانوناً أو عملياً، في مجموعة مذهلة من 139 أمة، أي في حوالي ثلاثة أرباع بلدان المسكونة. ووفقاً لمركز دراسة المسيحية العالمية في إكليريكية غوردون-كونويل اللاهوتية في ماساشوسيتس، يبلغ معدل المسيحيين الذين قتلوا في ما يسميه المركز بـ "حالة شهادة" 100000 شخص في كل سنة من العقد الماضي. هذا ما يعادل مقتل 11 مسيحياً في العالم في كل ساعة، على مدار سبعة أيام أسبوعياً و365 يوماً سنوياً، وذلك لأسباب متعلقة بإيمانهم.

في الواقع، يشهد العالم بروز جيل جديد من الشهداء المسيحيين. تحصل المجزرة على نطاق واسع جداً بحيث أنها لا تمثل فقط القصة المسيحية الأكثر مأساوية في زماننا، وإنما أيضاً تحدي حقوق الإنسان الأصلي في هذه الحقبة.

في سبيل التأكد من تلك الإحصائيات، كل ما يجب أن يفعله المرء هو النظر حوله. في بغداد، هاجم ناشطون إسلاميون كاتدرائية سيدة الخلاص الكاثوليكية السريانية في 31 أكتوبر 2010، وقتلوا الكاهنين اللذين كانا يحتفلان بالقداس وتسببوا بسقوط 58 قتيلاً. وعلى الرغم من أن الاعتداء كان مثيراً للصدمة إلا أنه لم يكن الأول من نوعه. فمن بين كنائس بغداد المسيحية البالغ عددها 65، تعرضت 40 كنيسة للتفجير مرة على الأقل منذ بداية الاجتياح الذي قادته أميركا سنة 2003.

كان تأثير حملة العنف والترهيب هذه مدمراً بالنسبة إلى المسيحية في البلاد. ففي فترة حرب الخليج الأولى سنة 1991، كانت دولة العراق تتباهى بالعدد المزدهر لسكانها المسيحيين البالغ مليون ونصف نسمة على الأقل. أما اليوم، فإن التقدير الرفيع المستوى لعدد المسيحيين هو حوالي 500000 نسمة، وكثيرون يعتبرون في الواقع أن العدد قد يكون 150000 نسمة. فقد ذهب معظم المسيحيين العراقيين إلى بلاد الاغتراب، لكن عدداً هائلاً تعرض للقتل.

شهدت ولاية أوريسا الواقعة شمال شرق الهند أعنف مجزرة منظمة ضد المسيحيين في أوائل القرن الحادي والعشرين. ففي عام 2008، أدت سلسلة أعمال شغب إلى سقوط 500 قتيل مسيحي قتل كثيرون منهم على أيدي متطرفين هندوس مسلحين بالمناجل. كذلك، جُرح آلاف آخرون وشُرد ما لا يقل عن 50000 نسمة. وهرب مسيحيون كثيرون إلى مخيمات نزوح أعدت بصورة سريعة، مخيمات اضطر أن يبقى فيها البعض لسنتين أو أكثر.

دمر 5000 منزل مسيحي إضافة إلى 350 كنيسة ومدرسة. كما تعرضت راهبة كاثوليكية هي الأخت مينا باروا للاغتصاب خلال الفوضى، من ثم أجبرت على السير عارية وضربت. من جهتها، عمدت الشرطة المتعاطفة مع المتطرفين على ثني الراهبة عن تقديم شكوى، ورفضت اعتقال المعتدين عليها.

في بورما، يعتبر النظام أفراد الجماعتين الإتنيتين تشين وكارين المسيحيتين منشقين. كما أن هؤلاء الأفراد يتعرضون بشكل روتيني للسجن والتعذيب وأعمال السخرة والقتل. وفي أكتوبر 2010، شن الجيش البورمي هجمات بالطائرات المروحية على الأراضي التي يتجمع فيها مسيحيو البلاد.

وكشف مصدر بورمي في القوات الجوية للمراسلين أن المجلس العسكري أعلن تلك الأراضي "مناطق سوداء" حيث سُمح للجيش بمهاجمة المسيحيين وقتلهم. على الرغم من عدم وجود أرقام دقيقة، إلا أنه يُعتقد أن آلاف المسيحيين البورميين قتلوا في الهجوم.

في نيجيريا، تعتبر الحركة الإسلامية الناشطة "بوكو حرام" مسؤولة عن سقوط حوالي 3000 قتيل منذ سنة 2009، منهم 800 قتيل فقط في العام المنصرم. تتخصص الحركة في استهداف المسيحيين وكنائسهم، وفي بعض الحالات، تبدو أنها مصممة على طرد المسيحيين من أنحاء معينة من البلاد.

في ديسمبر 2011، أعطى الناطقون الرسميون باسم بوكو حرام المحلية جميع المسيحيين في ولايتي يوبي وبورنو الشماليتين مهلة ثلاثة أيام للمغادرة. وبعد ذلك، بدأت تفجيرات الكنائس في 5 و6 يناير 2012، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن 26 مسيحياً. كما أطلقت النار ابتهاجاً مرتين فسقط ثمانية مسيحيين آخرين. في أعقاب ذلك، هرب مئات المسيحيين من المنطقة، ولا يزال كثيرون مهجرين. وفي فترة عيد الميلاد من العام الفائت، يُعتقد أن معتدين من بوكو حرام قطعوا أعناق ما لا يقل عن 15 مسيحياً.

تعتبر كوريا الشمالية أخطر مكان في العالم ليكون فيها المرء مسيحياً. ففيها، يُقدر أن حوالي ربع مسيحيي البلاد المتراوح عددهم بين 200000 و400000 يعيشون في مخيمات أعمال السخرة لرفضهم الانضمام إلى الشعائر الوطنية حول المؤسس كيم إل سونغ. إن النزعة المعادية للمسيحية قوية جداً بحيث أنه يتم إبعاد الأشخاص المتحدرين من أجداد مسيحيين عن أهم الوظائف – على الرغم من أن والدة كيم إل سونغ كانت شماسة مشيخية. ومنذ هدنة سنة 1953 التي ثبتت انقسام شبه الجزيرة، اختفى حوالي 300000 مسيحي في كوريا الشمالية ويُفترض أنهم في عداد الأموات.

تظهر هذه الأمثلة أن العنف الذي يستهدف المسيحيين لا يقتصر على "صراع حضاري" بين المسيحية والإسلام. فالمسيحيون يواجهون في الحقيقة مجموعة متنوعة من التهديدات، من دون أن يكون هناك عدو واحد مع استراتيجية واحدة مكيفة على أفضل نحو للحد من العنف.

على الرغم من أنه قد يكون لدى المؤمنين الزملاء في الغرب سبب خاص للشعور بالقلق، إلا أن الحقيقة هي أن القناعات المذهبية ليست مطلوبة أبداً لتبرير الإنذار بالخطر حول هذه الموجة المتنامية من العداء للمسيحيين.

بما أن معظم مسيحيي العالم البالغ عددهم 2.3 مليار هم فقراء ويعيشون في العالم السائر في طور النمو، وبما أنهم غالباً ما يكونون أفراداً في أقليات إتنية وثقافية ولغوية، يعتبر الخبراء معاملتهم كمؤشر موثوق في تقرير واسع للمجتمع في مجالي حقوق الإنسان والكرامة. وكما أنه لم يكن ينبغي على المرء أن يكون يهودياً في سبعينيات القرن الماضي ليهتم باليهود المنشقين في الاتحاد السوفياتي، ولا أسود في ثمانينيات القرن الماضي ليشعر بالإهانة من جراء نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، لا ينبغي على المرء أن يكون مسيحياً اليوم ليرى الدفاع عن المسيحيين المضطهدين كأولوية ضخمة.

لماذا يتم التغاضي في أحيان كثيرة عن أبعاد هذه الحرب العالمية؟ بصرف النظر عن أن الضحايا هم بصورة عامة فقراء ومن غير البيض، وبالتالي لا يعتبرون "صانعي أخبار" بالمعنى التقليدي، وأنهم يميلون إلى العيش والموت بعيداً عن شاشة رادار الانتباه الغربي، تختبر الحرب العالمية صعوبة في الصورة النمطية القديمة عن المسيحية كالظالمة بدلاً من المظلومة.

قولوا "اضطهاد ديني" لمعظم صناع الرأي العلماني المتحضر، وسيفكرون بالصليبيين، ومحاكم التفتيش، وبرونو وغاليليو، وحروب الدين ومحاكمات السحر في سالم. مع ذلك، إننا لا نعيش اليوم على صفحات أحد كتب دان براون التي يرسل فيها المسيحيون مجرمين مجانين لتصفية حسابات تاريخية. بدلاً من ذلك، المسيحيون هم الذين يهربون من المجرمين الذين أرسلهم آخرون.

إضافة إلى ذلك، غالباً ما يعاني النقاش العام حول مسائل الحرية الدينية من مجموعتين من الغمامات. أولاً، غالباً ما يصاغ عامة كتوترات غربية بين الكنيسة والدولة، مثل شد الحبل الأخير بين المسؤولين الدينيين في الولايات المتحدة وأوباما في البيت الأبيض حول وسائل منع الحمل كجزء من إصلاح الرعاية الصحية، أو التوترات في المملكة المتحدة حول قانون المساواة لسنة 2010 وتأثيراته على وكالات التبني التابعة للكنيسة إزاء الأزواج المثليين. الحقيقة هي أن تهديد الحرية الدينية في الغرب يعني التعرض المحتمل لأحد ما للمقاضاة؛ أما في أنحاء كثيرة أخرى من العالم، فهذا يعني تعرض أحد ما للقتل. إن السيناريو الأخير هو بالطبع الأكثر مأساوية.

ثانياً، تقتصر المناقشة أحياناً على المفهوم المحدد بشكل مفرط لما يشكل "العنف الديني". إذا قتلت مثلاً معلمة دين في جمهورية الكونغو الديمقراطية لأنها تقنع الشباب بالابتعاد عن الميليشيات وعصابات الإجرام، يقال أن ما حصل هو مأساة وليس استشهاداً لأن المعتدين عليها لم ينفذوا فعلتهم من باب كره العقيدة المسيحية. لكن النقطة الأساسية لا تكمن فقط في ما كان يجول في ذهن قاتليها، بل ما كان في قلب تلك المعلمة التي وضعت حياتها بفطنة في خطر لخدمة الإنجيل. بالتالي، فإن جعل دوافع المعتدين عليها الاختبار الأوحد بدلاً من دوافعها هي، يكون تشويهاً للواقع.

أياً تكن دوافع الصمت، آن الأوان لكي تنتهي. هذا ما اعترف به البابا فرنسيس في ملاحظات أثناء مقابلة أجراها الشهر الفائت.

سأل البابا: "عندما أسمع أن مسيحيين كثيرين في العالم يعانون، هل أشعر بلامبالاة، أو أشعر كأن فرداً من عائلتي يتألم؟" "هل أنا منفتح على ذاك الأخ أو تلك الأخت في عائلتي اللذين يبذلان حياتهما من أجل يسوع المسيح؟"

سنة 2011، قام بطريرك القدس الكاثوليكي  فؤاد طوال الذي يرأس كنيسة يكثر فيها الشهداء الجدد بصوغ الأسئلة عينها بنبرة أكثر حزناً، وذلك خلال مؤتمر في لندن. فسأل بصراحة: "هل يسمع أحد ما صراخنا؟ كم علينا أن نقاسي من أعمال وحشية قبل أن يأتي أحد ما في مكان ما لمساعدتنا؟"

قد لا يكون هناك سؤال عن مصير المسيحية في أوائل القرن الحادي والعشرين أكثر استحقاقاً لجواب مقنع من السؤال الأخير.
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الحربالمسيحيون
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
فيليب كوسلوسكي
الصلاة المفضلة لبادري بيو التي كان من خلالها ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً