Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 31 أكتوبر
home iconروحانية
line break icon

المقابلة الحصريّة مع البابا فرنسيس – القسم الخامس

vatican.va

أليتيا - تم النشر في 30/09/13

إيماننا ليس "إيمان مختبرات"

الكوريا الرومانيّة


سألت البابا عن رأيه بمكاتب الكوريا الرومانيّة أي مختلف الإدارات التّي تساعد البابا في مهمته.


فقال البابا: "إن مكاتب الكوريا الرومانيّة في خدمة البابا والأساقفة ومن مهامها مساعدة الكنائس والمجالس الأسقفيّة فهي أدوات مساعدة إلاّ أنّها قد تُصبح في بعض الحالات إن لم تؤدي وظيفتها بشكلٍ جيد مؤسسات رقابة. ومن المدهش سماع الاستنكارات القائلة بأن استقامة الرأي تغيب حاليًا عن روما. أعتقد ان على مجالس الأساقفة المحليّة أن تُحقق في مختلف الحالات وروما جاهزة لمدّها بالمساعدة اللازمة. فمن الأفضل حلّ هذه المسائل على المستوى المحلي إذ باستطاعة المحافل الرومانيّة ان تلعب دور الوسيط لا السمسار او المدير."


وفي 29 يونيو خلال حفل مباركة وتثبيت 34 أسقف، تحدث البابا فرنسيس عن "مسار الزمالة" معتبرًا إياه الطريق الذّي يسمح للكنيسة ان "تنمو تماشيًا مع خدمة سلطة البابا العليا" فسألته: "كيف يمكننا التوفيق بين سلطة البابا العليا والزمالة؟ وما هي المسارات الممكنة أيضًا على الصعيد المسكوني؟"


فأجاب البابا: "علينا ان نمشي معًا: الشعب والأساقفة والبابا. فمن الضروري عيش الروحيّة المجمعيّة على مختلف المستويات وربما قد آن الآوان لتغيير الاساليب المتبعة في مجمع الأساقفة إذ يبدو لي ان الاسلوب المُتّبع حاليًا غير ديناميكي. ومن شأن ذلك أن يكون له قيمة مسكونيّة جامعة أيضًا خاصةً مع أشقائنا الأرثوذكس. فنستطيع ان نتعلم منهم أكثر عن معنى الزمالة الأسقفيّة والتقاليد المجمعيّة فمن شأن الجهد المشترك للتفكير في مسألة إدارة الكنيسة في القرون الأولى قبل حدوث الشرخ بين الغرب والشرق ان يؤتي بثمار في الوقت المناسب. فضمن إطار العلاقات المسكونيّة، المهم ليس معرفة بعضنا البعض بصورةٍ أفضل وحسب إنّما الإعتراف بما زرعه الروح في الآخرين كهديّةٍ لنا. وأوّد ان استكمل النقاش الذّي بدأته عام 2007  اللجنة الكاثوليكيّة – الأرثوذكسيّة المشتركة حول كيفيّة ممارسة سلطة البابا العليا التّي أدّت الى توقيع وثيقة رافينا؛ فعلينا المضي قدمًا في هذا الإتجاه".


وسألتُ البابا فرنسيس على ضوء هذه الإجابة ما هو تصوّره لمستقبل وحدة الكنيسة فأجاب: " علينا أن نمشي معًا بالرغم من اختلافاتنا فما من سبيل آخر للوحدة سوى المسيح."

البحث وايجاد اللّه في كلّ شيء


أعلن البابا فرنسيس خلال الأيام العالميّة للشبيبة في ريو دي جانيرو مرارًا : " اللّه حقيقة وهو يُظهر نفسه اليوم. إن اللّه في كلّ مكان." ويتردد صدى هذه العبارات مع عبارة القديس اغناطيوس "البحث وإيجاد اللّه في كلّ شيء" لذلك سألتُ البابا: "كيف تبحث وتجد اللّه في كلّ شيء؟"


فأجاب قائلاً: "ما قلته في ريو كان للإشارة الى الوقت الذّي نبحث خلاله عن اللّه. فنحن نميل الى البحث عن اللّه في الماضي والمستقبل. فاللّه كان حتمًا موجودًا في الماضي إذ ان بصماته واضحة واللّه موجودٌ حتمًا في المستقبل كالوعد. إلاّ ان اللّه بالمعنى الملموس إذا جاز التعبير هو "اليوم". ولهذا السبب، فإن التذمر لا يساعدنا أبدًا على ايجاد اللّه فمن شأن الشكاوى التّي نسمعها اليوم حول "همجيّة العالم" ان تؤدي داخل الكنيسة حتّى الى ظهور رغبة بفرض النظام بهدف حماية النفس أو الدفاع عن النفس. كلا علينا ان نبحث عن اللّه في عالم اليوم".

"يُظهر اللّه نفسه عبر التاريخ. يُطلق الوقت العنان للعمليات والفضاء يُبلورها فاللّه في التاريخ وفي العمليات".

"علينا ان لا نركز على احتلال المواقع حيثُ تمارس السلطة بل على البدء بمماسارات تاريخيّة طويلة الأمد. علينا ان نُطلق العمليات لا ان نحتل المواقع. فاللّه يُظهر نفسه ضمن الإطار الزمني وهو موجود عبر التاريخ. وهذا يُعطي الأولويّة للأنشطة التّي يُبصر من خلالها حراك تاريخي جديد النور ويتطلب ذلك صبرًا وطول أناة."


"إن ايجاد اللّه في كلّ شيء ليس "بالحلّ التجريبي لكلّ شيء" فعندما نرغب بلقاء اللّه نميل الى التحقق منه فورًا باستخدام أساليب تجريبيّة. إلاّ أنّه من غير الممكن الالتقاء باللّه على هذا النحو فاللّه موجود في النسيم اللطيف الذّي رآه ايليا والحواس التّي تجد اللّه هي الحواس التّي يطلق عليها القديس اغناطيوس اسم الحواس الروحيّة. فيطلب منا القديس اغناطيوس ان نطلق العنان لأحاسيسنا الروحيّة ليتخطى لقاؤنا باللّه المقاربة التجريبيّة البحتة. وتظهر هنا الحاجة الى التأمل في الشعور بالمضي قدمًا على الطريق الصحيح اي طريق المودة والتفاهم نحو الأشياء والحالات."

اليقين والخطأ


سألت: "إن لم يكن اللقاء باللّه "حلاً تجريبيًا" وإن كانت رحلةً نرى من خلالها  بعينَي التاريخ، تُصبح الأخطاء إذًا مباحة؟"

أجاب البابا: " في سعينا الى البحث وايجاد اللّه في كلّ شيء هناك قسطٌ  كبير من الشك وهذه هي طبيعة الحال.  فإن قال شخص انّه على يقين تام بلقائه باللّه وانّه لم يشك ولو بقدرٍ قليل فهذا ليس دليل عافية. فبالنسبة إاليّ، هذه النقطة نقطة حساسة. فإن ادّعى كائن من كان أنّه يملك الأجوبة لكلّ الأسئلة فهذا دليل ان اللّه ليس معه. وهذا يعني انّه نبي متصنع يستخدم الدين لغاياته الشخصيّة. فلطالما ترك كبار قادة شعب اللّه مثل موسى مجالاً للشك. فعلينا ان نفسح المجال في حياتنا للّه لا لثوابتنا وان  نحافظ على تواضعنا. فالشك موجود في كلّ محاولةٍ لحسن التمييز نقوم بها من اجل ايجاد الجواب اليقين في التعزيّة الروحيّة."


"إن الخطر في البحث عن اللّه وايجاده في كلّ شيء هو بالتالي الرغبة في الافراط في التفسير والقول بثقة وغطرسة "اللّه موجود" إذ سنجد فقط إله يُناسب مقاساتنا. فعلينا ان نتشبه بالقديس اغسطينوس الذّي كان يعتبر ان من الضروري البحث عن اللّه لايجاده وإيجاده للاستمرار في البحث عنه للأبد." "ويقول الإنجيل غالبًا ما نبحث عنه وكأننا عميان وهذه هي تجربة كبار الآباء في الإيمان الذّين هم مثالنا الأعلى. علينا ان نُعيد قراءة الفصل الحادي عشر من الرسالة الى العبرانيين حيثُ يترك ابراهيم منزله دون ان يعرف وجهته مُتسلّحًا بالإيمان. مات كلّ اسلافنا في الإيمان وعيونهم شاخصة ولو عن بعد نحو الخير الموعود… فيحاتنا ليست مكتوبة بل تفترض منا الذهاب والبحث والفعل والاطلاع…فهي دعوة لعيش مغامرة البحث عن اللّه وعلينا بالتالي ان نسمح لللّه بالبحث عنا وملاقاتنا".


"لأن اللّه أولاً، دائمًا ما يأتي اللّه أولاً ويقوم بالخطوة الأولى. فهو كزهرة اللوز في صقلية مسقط  رأسك  أنطونيو التّي دائمًا ما تُزهر أوّلاً. وهذا ما نقرأه في اسفار الأنبياء إذ نلتقي اللّه ونحن نمشي على الطريق. وقد يقول البعض عند هذه المرحلة ان هذا الموضوع نسبي. هل هو كذلك؟ نعم، إن أسيء فهمه على انّه نوع من انواع وحدة الوجود غير الواضحة.  لكنّه ليس بالموضوع النسبي إن اخذناه من منظور انجيلي أي ان اللّه دائمًا ما يأتي فجأةً فلا يسعنا ان نعرف اين وكيف نلقاه. نحن لا نحدد لا وقت ولا زمان اللقاء وعلينا بالتالي أن نميّز هذا اللقاء فحسن التمييز ضروري."


"ان كان المسيحي مُصلحًا ويحترم القوانين أي ان اراد كلّ شيء واضح وآمن، لن يجد شيء. فعلى التقاليد وارث الماضي مساعدتنا للتحلي بالشجاعة وفتح مجالات جديدة أمام اللّه. فأولئك الذّين لا ينفكوا يبحثون اليوم عن حلول انضباطيّة والذّين يسعون الى "الأمن" العقائدي المفرط والذّين يُصرون على العودة الى الماضي الذّي لم يعد موجودًا – لديهم نظرة جامدة وباطنيّة للأمور. وفي هذه الحالة، يُصبح الايمان ايديولوجيا من بين الايديولوجيات. لدي ثابتة عقائديّة وهي ان اللّه في حياة كلّ انسان حتّى وان كانت هذه الحياة كارثة، حتّى ولو دمرتها الرذائل أو المخدرات أو غيرها. فباستطاعتنا وعلينا ان نحاول ايجاد اللّه في حياة كلّ انسان فعلى الرغم من ان حياة البشر أرض تملؤها الأشواك والاعشاب الضارة إلاّ أنّه دائمًا ما هناك فسحة تنمو عليها البذور الجيدة. فجلّ ما علينا القيام به هو تسليم ذواتنا للّه."

هل علينا ان نكون متفائلين؟


ذكرتني كلمات البابا ببعض الأفكار التّي عبّر عنها سابقًا عندما كان كاردينالاً إذ كتب ان اللّه يعيش بالفعل في المدينة وسطنا جميعًا مُتحدًا معنا. وبرأي إنّها طريقة اخرى لقول ما كتبه القديس اغناطيوس في كتاب الرياضات الروحيّة أي ان اللّه "يكدّ ويعمل" في عالمنا. لذلك سألتُ البابا: "هل يتوجب علينا ان نكون متفائلين؟ وما هي علامات الأمل في عالمنا اليوم؟ وكيف عسانا نكون متفائلين في عالمِ تملؤه الأزمات؟"


ويقول البابا: "لا احب استخدام كلمة متفائل إذ ان لذلك علاقة بالموقف النفسي بل افضل استخدام كلمة الرجاء حسب ما جاء في الفصل 11 من الرسالة الى العبرانيين التّي اتيتُ على ذكرها سابقًا. فآباء الإيمان لم يتوقفوا عن المضي قدمًا متحدّين كلّ الصعاب. وتؤكد الرسالة الى الرومانيين ان الرجاء لا يخيّب من يتسلح به". ويُضيف البابا مقترحًا "فلنفكر باللغز الأوّل من اوبرا بوتشيني "توراندوت" .

"أتذكر عن ظهر قلب تقريبًا أبيات اللغز التّي ترددها الأميرة في الأوبرا وحلّها الرجاء: في الليل القاتم، شبحٌ برّاق يطير/ يعلو رافعًا جناحَيه/ على الانسانيّة الكاحلة اللا متناهيّة/ والعالم بأسره يُناشده/ والعالم بأسره يتوسل إليه/ إلاّ ان الشبح يختفي مع الفجر/ ليولد من جديد في القلب/ فيخلق مع طلوع كلّ ليل/ ويموت مع كلّ صباح "

ويُضيف البابا فرنسيس قائلاً: "ان الايمان المسيحي ليس شبحًا وليس خدّاعًا بل هو ذات قيمة لاهوتيّة وهو بالتالي هديّة من اللّه لا يمكن اقتصارها بالتفاؤل وهو قيمة انسانيّة بحتة. فاللّه لا يُضلل الأمل ولا يستطيع ان ينكر نفسه فاللّه وعد."

الفن والابداع


أدهشني البابا بذكره أوبرا بوتشيني وهو يتحدث عن سر الرجاء فأردت ان اعرف أكثر عن ميوله الفنيّة والأدبيّة. وأتذكر انّه ذكر في العام 2006 ان الفنانين الكبار يعرفوا كيف يعرضوا الحقائق المأساويّة والمؤلمة في إطار جميل. لذلك سألته عن الفنانين والكتّاب المُفضلين لديه وإن كان لديهم شيء مشترك.


"لقد احببت مجموعة متعددة من الكّتاب. أحبّ دوستويفسكيوهولدرلين كثيرًا. أتذكر قصيدة جميلة جدًا أغنتني على المستوى الروحي كثيرًا كتبها هولدرلين بمناسبة عيد جدته. وتنتهي القصيدة بهذا البيت "عسى الرجل يتمسك سريعًا بما وعده طفلاً". أحببتُ هذه القصيدة لأنني كنتُ أحبّ جدتي روزا كثيرًا وفي هذه القصيدة يُقارن هولدرلين جدّته بالعذراء مريم التّي انجبت يسوع، صديق الأرض الذّي لم يعتبر احد من ابنائها غريبًا."

"لقد قرأتُ كتاب الخطيبَين للكاتب اليساندرو مانزوني ثلاث مرّات وهو الآن على طاولتي لأنني أريد قراءته مرّة جديدة. عندما كنتُ صغيرًا علّمتني جدتي عن ظهر قلب مقدمة الكتاب: "ويتجه ذاك الفرع من بحيرة كومو جنوبًا بين سلسلتَين لا مُتناهيتَين من الجبال…" كما احب جيرارد مانلي هوبكنز كثيرًا".

"وأعشق من بين الرسامين الكبار كارافاجيو فرسوماته تؤثر فيّ بالغ التأثير. كما أحبّ شاغال ولوحته "الصليب الأبيض". ومن بين الموسيقيين، احب موزارت دون أدنى شك فلا مثيل لمقطوعته ‘Et incarnatus est التّي تأخذك مباشرةً الى السماء. أحب كثيرًا عزف كلارا هاشكيل لمقطوعات موزارت. لكنني لا استطيع التفكير بهذه الموسيقى بل عليّ ان استمع إليها. أحب الاستماع إلى بيتهوفن لكن بنسخة مبتكرة والأداء الاحب الى قلبي هو اداء فورتوانغلر. كما أحب باخ ومقطوعاته بعنوان الآلام ومن أجملها بالنسبة إليّ مقطوعة دموع بطرس من آلام القديس متى. رائعة! ومن ثمّ احب فاغنر لكن بصورة مختلفة. أحب ان استمع اليه لكن في أوقاتٍ معيّنة فقط. واعتبر ان اداء فورتوانغلر لمقطوعة فاغنر "العصابة" في لا سكالا في ميلانو  عام 1950 هو الأفضل ."


"وعلينا ان لا ننسى السينما والفيلم الأحب الى قلبي هو فيلم "لا سترادا" لفيليني. فأنا أتماهى مع هذا الفيلم الذّي يُشير بشكلٍ ضمني الى القديس فرنسيس. كما أننّي شاهدتُ كلّ افلام آنا ماغناني وألدو فابريزي عندما كنتُ بين سن الـ10 و12 سنة. ومن الأفلام التّي احببتها أيضًا: "روما، مدينة مفتوحة". أدين بثقافتي السينمائيّة لوالدَي اللذان غالبًا ما كانا يصطحبانا الى دار السينما".


"على كلّ الأحوال وبصورةٍ عامة، أحبّ الفنانين الدراميين وخاصة الكلاسيكيين. واستشهد هنا بالتعريف الذّي وضعه سرفانتس على شفاه كاراسكو للثناء على قصة دون كيشوت: "الصغار يحملونها والشباب يقرأونها والبالغين يفهمونها وكبار السن يُقدرونها." فبالنسبة إلي، هذا هو التعريف الأنسب للأعمال الكلاسيكيّة.


وسأتُ البابا عن تجربته في تعليم الأدب في الصفوف الثانويّة.


فقال: "كانت تجربة محفوفة ببعض المخاطر. فكان علّى فرض قراءة كتاب "السييد" على طلابي إلاّ أن الشباب لم يحبوا قراءته فكانوا يُريدون قراءة غارسيا لوركا. ففكرتُ أنّه ربما بإمكانهم دراسة "السييد" في المنزل ليتسنى لي التطرق معهم الى الكتّاب الأحبّ الى قلبهم".


"بالطبع أراد الشباب قراءة اعمال ادبيّة مفعمة بالحيويّة كالزوجة الخائنة أو سيليستينا لفيرناندو دي روخاس. ومن خلال قراءة هذه المؤلفات بدأوا يحبون الأدب والشعر فانتقلنا بعدها الى كتّاب آخرين. وكانت هذه تجربة فريدة بالنسبة إليّ. أكملتُ المنهج لكن بطريقة غير منظمة وأعني غير منظمة بحسب ما توقعناه في بداية الدروس لكن بطريقةٍ عفويّة تبلورت من خلال قراءة الكتّاب. وناسبني هذا الوضع تمامًا فلم أكن أحب التقيّد بجدول زمني بل التقدم حسب ما تقودنا القراءات مع التركيز دائمًا على الهدف المرسوم. ومن ثمّ بدأت أحثّ التلاميذ على الكتابة ومن ثمّ قررت ان ارسل قصتَين كتبهما الشباب الى بورخيس. فكنتُ اعرف سكرتيره الذّي كان استاذي في البيانو. واحب بورخيس القصص كثيرًا من ثمّ قرر كتابة مقدمة لسلسلة من هذه المؤلفات." فسألته حينها: "إذًا أيّها الاب الأقدس، للابداع أهميّة في حياة الانسان؟" ضحك وقال: "بالنسبة ليسوعي، الابداع بالغ الأهميّة فعلى اليسوعي ان يكون مبدعًا."

الجبهة  والمختبرات


خلال زيارة قام بها آباء وموظفي صحيفة La Civiltà Cattolica ، تحدث البابا عن أهميّة المثلث " حوار، تمييز، جبهة" مُركزًا خاصةً على النقطة الأخيرة مستشهدًا ببولس السادس وما قاله في خطابه الشهير عن اليسوعيين: "في أي جزءٍ من الكنيسة، حتّى في أكثر المجالات صعوبةً وتطرفًا  عند مفترق الطرق بين الأيديولوجيات وفي الخنادق الاجتماعية كان ولا يزال الحوار قائم بين أعمق رغبات الانسان ورسالة الإنجيل الدائمة واليسوعيون كانوا ولا يزالوا في صلب هذا الحوار." فسألتُ البابا ما عساها تكون أولويات الصحف الصادرة عن الرهبنة اليسوعيّة.


" لخصتُ وصيتي لزواري من La Civiltà Cattolica بثلاث كلمات قد تُطبق على كلّ الصحف الصادرة عن الرهبنة بدرجات مختلفة جسب طبيعة الصحيفة وأهدافها. وعندما أركز على الجبهة، أقصد بصورةٍ خاصة حاجة الاشخاص الذّين يعملون في مجال الثقافة على التقيّد بالسياق الذّي يعملون فيه ويفكرون من خلاله. فدائمًا ما يعترضهم خطر العيش في مختبر. فإيماننا ليس "إيمان مختبرات" بل "رحلة إيمان" امتدّت عبر التاريخ. فقد أظهر اللّه نفسه لا على انّه مجموعة من الحقائق المجردة  بل التاريخ بحدّ ذاته. أخشى المختبرات لأّنّه في المختبر تأخذ المشكلة ومن ثمّ تأتي بها الى المنزل لتروضها وترسمها خارج إطارها في حين انّه عليك العيش على الجبهة  واختبار الأمور بجرأة."

فطلبتُ منه اعطاء بعض الأمثلة من تجربته الشخصيّة.


"في ما يتعلق بالمسائل الإجتماعيّة، يختلف الأمر بين عقد لقاء لدراسة مشكلة المخدرات مثلاً في حي من الأحياء الفقيرة والتوجّه الى ذاك الحيّ والعيش فيه وفهم المشكلة من الداخل ودراستها. وأذكر في هذا الإطار ما جاء في رسالة الأب أروبي الرائعة التّي وجهها الى مراكز البحوث الإجتماعيّة والعمل لمكافحة الفقر حيثُ يقول صراحةً أنّه من غير الممكن التحدث عن الفقر من دون معايشة الفقر والتواصل بشكلٍ وثيق مع الأماكن التّي تعيش الفقر. إن كلمة "الإدماج" خطيرة جدًا إذ اعتبرها بعض رجال الدين بدعة ما أدى الى كوارث بسبب غياب حسن التمييز إلاّ ان هذه المسألة بالغة الأهميّة."

"إن الجبهات كثيرة. فلنفكر في الراهبات اللواتي يعشنّ في المستشفيات فهنّ يعشنّ على الجبهة  وانا حيّ الآن بفضلهن. فعندما خضعتُ لعلاج الرئة في المستشفى، وصف لي الطبيب جرعات محدّدة من البنسلين والستربتوميسين. زادت الأخت الممرضة الجرعات ثلاثة أضعاف إذ كانت مخضرمة في هذا المجال لأنّها كانت تعمل يوميًا مع المرضى. أمّا الطبيب وهو طبيبٌ جيّد عاش في مختبره في حين عاشت الأخت على الجبهة في تفاعلٍ يومي. تطويع الجبهة يعني التحدث من مكانٍ بعيد والتقوقع داخل المختبر. إن المختبرات مفيدة إلاّ انّه علينا الإنطلاق في تفكيرنا من الخبرة المُستقاة".

فهم الذات البشريّة


سألتُ البابا فرنسيس عن التغيرات العميقة التّي يشهدها المجتمع وعن طريقة إعادة تقييم البشر لانفسهم. فوقف وتوجّه نحو مكتبه وأخذ كتاب الصلاة وهو باللغة اللاتينيّة غير المُستعملة الآن. ففتح صفحة قراءات يوم الجمعة من الأسبوع الـ27 من الزمن العادي وقرأ مقطعًا من Commonitorium Primum  للقديس منصور من رينس: " على العقيدة المسيحيّة حتّى ان تتبع هذه القوانين التّي تمّ تعزيزها وتطويرها وتعميقها مع مرور السنين."

ويُعلق البابا قائلاً : يُقيم القديس منصور مقارنة بين التطور البيولوجي للإنسان والإنتقال من حقبة الى أخرى على مستوى الإيمان الذّي ينمو ويتعزز مع الوقت. وهنا يتغير فهم الذات البشريّة مع الوقت ما يزيد من عمق الإدراك البشري أيضًا. فلنفكر متّى تمّ قبول العبوديّة أو السماح بعقوبة الإعدام دون أي مشكلة. إذًا نحن ننمو في فهم الحقيقة. ويُساعد المفسرون واللاهوتيون الكنيسة على انضاج حكمها الذاتي حتّى ان العلوم الأخرى وتطورها تُساعد الكنيسة على تعزيز قدرتها على الفهم. هناك بعض القوانين والتعاليم الكنسيّة التّي كانت فعالة في ما مضى إلا انّها خسرت اليوم كلّ قيمة ومعنى. ففكرة ان تعاليم الكنيسة تعاليم متجانسة يجب الدفاع عنها دون أي تمييز أو تأويلات مختلفة خاطئة".

"ففي نهاية المطاف، يحاول البشر في كلّ الحقبات التاريخيّة فهم أنفسهم والتعبير عنها بطريقةٍ أفضل. لذلك يُغيّر البشر مع الوقت تصورهم لانفسهم. فالأمر سيّان بالنسبة لرجلٍ يُعبر عن نفسه من خلال نحت "النصر الجامح" لساموثراكي وآخر لكارافاجيو أو شاغال أو حتّى لدالي. فقد تكون أشكال التعبير عن الحقيقة متعددة ولذلك من الضروري نقل الإنجيل بمعناه العابر للزمن.

"يبحث البشر عن انفسهم ومن الممكن طبعًا خلال بحثهم هذا ان يقترفوا الأخطاء. فقد عرفت الكنيسة فترات مجد كالفترة التّي عاشها توما الأكويني إلاّ انّها عرفت أيضًا أوقات عجزت فيها عن التفكير بالشكل الصحيح. فعلينا على سبيل المثال ان لا نخلط بين عبقريّة توما الأكويني وحقبة تعليقات التوماوية المنحطة. فأنا درستُ ولسوء الحظ الفلسفة من كتب تابعة لهذه المدرسة وبالتالي عند التفكير بالإنسان على الكنيسة ان تبحث عن العبقريّة لا الانحطاط.

 "متّى تصبح صياغة فكرة غير صالحة؟ ومتّى تُشيح بنظرها عن الإنسان أو تخاف منه أو تتوهم بشأنه؟ يمكن تشبيه الفكرة الخداعة بيوليسيس يسمع صفارات الإنذار أو ببرسيفال في الفصل الثاني من أوبرا فاغنر في قصر كلينغسور. على الكنيسة ان تستعيد عبقريتها وان تفهم أكثر إدراك البشر لذواتهم من أجل تطوير وتعميق تعاليم الكنيسة."

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
هيثم الشاعر
رئيس وزراء ماليزيا السابق في أبشع تعليق على م...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
Medjugorje
جيلسومينو ديل غويرشو
ممثل البابا: "الشيطان موجود في مديغوريه، ولا ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً