Aleteia
الإثنين 26 أكتوبر
روحانية

المقابلة الحصريّة مع البابا فرنسيس – القسم الثاني

vatican.va

أليتيا - تم النشر في 27/09/13

لا أستطيع العيش من دون الناس

"قداسة البابا، ما الذّي دفعكَ الى اختيار الرهبنة اليسوعيّة؟ وما الذّي لفتكَ عند اليسوعيين؟"

"كنتُ أريد شيئًا إضافيًا لكنّني لم أكن أعرف ماذا تحديدًا. دخلتُ اكليريكيّة الأبرشيّة. أحببتُ الدومنيكان وكان لي أصدقاء من الآباء الدومنيكان إلاّ أننّي اخترتُ الرهبنة اليسوعيّة التّي كنتُ اعرفها تمام المعرفة لأن الإكليريكيّة كانت في عهدة اليسوعيين. ثلاثة أمور جذبتني الى اليسوعيين: روح الإرساليّة والجماعة والإنضباط. وهذا غريب لأنني شخص غير منضبط أبدًا. إلاّ ان الإنضباط في الرهبنة وطريقتهم في إدارة الوقت أمران دائمًا ما أذهلانني."

"وهناك أمر بالغ الأهميّة بالنسبة إلي وهو الجماعة. فلطالما بحثتُ عن الجماعة. فلم استطع ان اتخيّل نفسي كاهنًا يعيش وحده فأنا بحاجةٍ الى جماعة. واعتقد ان اختياري سانتا مرتا مقرًا لاقامتي لدليلٌ على ذلك. أمضيتُ فترة انعقاد المجمع في الغرفة 207 (علمًا أنّه تمّ اختيار الغرف بالقرعة). إن الغرفة التّي نحن متواجدين فيها هي غرفة ضيافة وأنا اخترت ان أعيش هنا في هذه الغرفة لأننّي عندما تسلمت الشقة البابويّة، سمعت صوتًا في داخلي يقول "كلا". إن الشقة البابويّة في القصر الرسولي ليست فخمة. إنّها قديمة، مصمّمة بذوقٍ رفيع وكبيرة إلاّ أنّها ليست فخمة. لكنّها كالقمع المقلوب فهي كبيرة وفسيحة إلاّ ان مدخلها ضيّق جدًا. فلا استطيع استقبال الناس فيها إلا بالتنقيط وانا لا أستطيع العيش من دون الناس. فلا يمكنني ان اعيش حياتي من دون الآخرين."

ما أهميّة أن يكون يسوعيًّا بابا روما؟


تحدثتُ مع البابا فرنسيس عن كونّه أوّل يسوعي يتبوأ سدّة خليفة بطرس. " ما هو تصوّرك لدور الخدمة الذّي دعيت الى تأديته للكنيسة جمعاء ضمن إطار الروحانيّة الأغناطية؟ وما أهميّة ان يتمّ انتخاب يسوعيًا بابا روما؟ وما هي جوانب روحانيّة القديس اغناطيوس التّي تُساعدكَ على اتمامكَ مهامكَ هذه؟


فأجاب قائلاً: "حسن التمييز. فحسن التمييز هو من الأمور التّي تفاعلت داخل القديس اغناطيوس إذ يعتبره أداة كفاح من أجل معرفة اللّه والتقرب منه. ولطالما أعجبني قولٌ يصف نظرة القديس أغناطيوس: "لا تحده عظمة إلا ان أصغر الكائنات تستطيع احتواءه: هذا هو اللّه." فكرت كثيرًا بهذه الجملة ذات الصلة بموضوع الأدوار المختلفة داخل الكنيسة أي ان يكون هناك رئيس ومرؤوس فمن المهم ان لا  يتقيد المرء بما هو أكبر ومن المهم ان يتمكن من البقاء أيضًا في أماكن مقيّدة. وهذه الفضيلة ذات الصلة بالكبير والصغير ليست سوى تجسيدً للشهامة التّي تسمح لنا بالنظر دائمًا الى الفضاء الرحب من أين ما كنّا. وهذا يعني أن نتمكن من القيام بالأمور الصغيرة اليوميّة بقلبٍ كبير منفتح على اللّه والآخرين وان نتمكن من تثمين الأمور الصغيرة داخل الفضاء الرحب وهذا ما يقربنا من ملكوت اللّه."


ويُضيف البابا، "يُقدم لنا هذا الشعار المعايير لاتخاذ الموقع المناسب الذّي يسمح لنا بحسن التمييز لكي نسمع كلام اللّه من وجهة نظر اللّه . وبحسب القديس أغسطينوس، من الضروري أن تتجسد المبادئ الأساسيّة حسب مقتضيات المكان والزمان والأشخاص. وسار يوحنا الثالث والعشرون في هذا الإتجاه على طريقته الخاصة في ما يتعلق بإدارة الكنيسة مُردّدًا هذا الشعار: " راقب كلّ شيء، غضّ الطرف عن الكثير وصحّح القليل." فقد تمكن يوحنا الثالث والعشرون من رؤية الكثير أي البعد الأرحب إلاّ أنّه اختار ان يصحح القليل أي البعد الأدنى.  فحتّى لو كانت مشاريعك كبيرة، يُمكن ان تطبقها من خلال أمور صغيرة أو يُمكنكَ ان تستخدم وسائل بسيطة قد تكون اكثر فعاليةً من الوسائل القويّة كما قال بولس في رسالته الأولى أهل كورنثوس".


"ويتطلب حسن التمييز وقتًا فعلى سبيل المثال قد يعتقد البعض أنّه من الممكن تحقيق التغيير والاصلاح في فترةٍ قصيرة. أعتقد اننا دائمًا بحاجةٍ الى الوقت لإرساء أسس التغيير الحقيقي والفعلي. وهنا أهميّة حسن التمييز ففي بعض الأحيان يدفعنا حسن التمييز الى القيام بدايةً بما اعتقدنا انّنا سنقوم به في مرحلةٍ لاحقة. وهذا ما حصل معي في الأشهر الماضيّة ودائمًا ما يقود اللّه عمليّة حسن المييز هذه فنبحث عن العلامات ونستمع الى ما يحصل من حولنا والى مشاعر الناس خاصةً الفقراء منهم. وترتبط  خياراتي بما في ذلك تلك المتعلقة بجوانب الحياة اليوميّة مثل استخدام سيارة متواضعة من حسن تمييز روحي يتماشى مع  حاجةٍ انبثقت عن رؤيتي للأمور والأشخاص وقراءة علامات الزمن. فحسن التمييز من خلال اللّه بوصلتي لإدارة شؤون الكنيسة."


"إلاّ ان الشكوك لا تنفك تُساورني بشأن القرارات التّي تُتّخذ على عجل. ودائمًا ما احاول توخي الحذر من القرار الأوّلي أي أوّل شيء يتبادر الى ذهني ان كان علّي اتخاذ قرار إذ غالبًا ما تكون هذه الفكرة الأوليّة خاطئة ما يدفعني الى التروي والتقييم والغوص عميقًا في بحور نفسي وأخذ كلّ الوقت اللازم." "فتسمح الحكمة في حسن التمييز بإزالة الغموض وتُساعد على ايجاد افضل السبل التّي لا تتماشى دائمًا مع ما هو رائع وقوي".

الرهبنة اليسوعيّة


إن حسن التمييز إذًا من ركائز روحانيّة البابا فرنسيس إذ يُظهر من خلاله بشكلٍ خاص هويته اليسوعيّة. فسألته كيف باستطاعة الرهبنة اليسوعيّة ان تكون في خدمة الكنيسة اليوم وما هي مميزاتها كما سألته عن التحديات التّي تواجه الرهبنة اليوم.


فأجاب البابا "إن الرهبنة اليسوعيّة مؤسسة عملت منذ نشأتها في ظروفٍ فيها الكثير من التوتر. إن اليسوعي شخص لا تتمحور حياته حول نفسه فللرهبنة ايضًا مركز اهتمام خارج عنها وهو المسيح وكنيسته. وإن كانت حياة الرهبنة تتمحور حول المسيحوالكنيسة، تكون لها مرجعيتان لضمان توازنها وقدرتها على الاستمرار في العمل على الهامش وفي الظل. فإن ركزت كثيرًا على نفسها ووضعت نفسها في الوسط، تضع نفسها وسط هيكليّة محصنة إلا أنّها تخاطر بأمنها واكتفائها الذاتي.. فعلى الكنيسة ان تضع اللّه الدائم العظمة نصب عينَيها والسعي دائمًا الى تحقيق مجد اللّه الأعظم من خلال الكنيسة عروسة المسيح الحقيقيّة والمسيح الملك الذّي يملك على ذواتنا والذّي نقدم له ذواتنا بكليتها وعملنا الشاق حتّى وان كنّا أواني فخاريّة فارغة. ويجعلنا هذا التوتر نتخطى أنفسنا بصورةٍ دائمة. إن ما يجعل الرهبنة اليسوعيّة غير متقوقعة على ذاتها وقويّة جدًا هو حساب الضمير الأبوّي والأخوي في آن إذ يُساعد الرهبنة على تحقيق مهمتها بصورةٍ أفضل".


ويُشير البابا في هذا الإطار الى الشرط الوارد في دستور الرهبنة اليسوعيّة ومفاده ان على اليسوعي أن "يُحكّم ضميره" أي حالته الروحيّة الداخليّة فيكون رئيسه أكثر دراية وإدراكاً بالشخص المرسل في مهمة.


ويُتابع البابا فرنسيس قائلاً إنّه "من الصعب الحديث عن الرهبنة.  فقد يُساء فهمكَ ان اعطيتَ الكثير من التفاصيل. فلا يسعنا وصف الرهبنة اليسوعيّة سوى بطريقةٍ سرديّة فالسرد يسمح للآخرين بالفهم والإدراك في حين ان التفسير الفلسفي واللاهوتي يفتح الباب أمام النقاش. إن نمط الرهبنة لم يحدد النقاش بل حسن التمييز الذّي يتطلب دون أي شك مناقشة للوصول الى غايته. لا حدود للبعد الروحاني لحسن التمييز وهو لا يسمح ببلورة الفكرة. فعلى اليسوعي أن يكون صاحب أفكار غير مكتملة بمعنى ان مدى تفكيره مفتوحًا لا يحده شييء. وقد عرفت الرهبنة حقبات حيث عاش اليسوعيون في بيئة منغلقة على أفكارها، بيئة تظعى فيها الثقافة والتقشف على الجانب الروحاني وأدى هذا الإختلال في الحياة اليسوعيّة الى انشاء Epitome Instituti  أي المؤسسة النموذجيّة".


ويُشير البابا هنا الى مجموعة من الإجراءات وُضعت لأهداف عمليّة واعتبرت مع مرور الزمن بديلاً عن الدساتير وحدّد هذا نص الإجراءات هذا لفترةٍ طويلة تدريب اليسوعيين لدرجة ان البعض منهم لم يقرأ أبدًا الدساتير التّي تُعتبر النص التأسيسي. ويعتبر البابا أن خلال هذه الفترة، طغت القواعد على الروح وخضعت الرهبنة لاغراء تفسير وتحديد شخصيتها على نطاق ضيق جدًا.


ويُضيف البابا فرنسيس قائلاً: "كلا، إن اليسوعي يُفكر دائمًا ودون انقطاع متأملاً بالفضاء الأرحب ويسوع نصب عينَيه. وهذه هي قوته الحقيقيّة. وهذا ما يدفع الرهبنة لكي تكون في حالة بحث مستمرة ومبتكرة وسخيّة لذلك عليها ان تعيش اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى التأمل في العمل وان تقترب أكثر فأكثر من الكنيسة جمعاء أي من "ابناء اللّه" ومن "الكنيسة الأم المقدسة" ويتطلب ذلك تواضعًا كبيرًا وتضحيّة وشجاعة خاصةً عندما يكون المرء عرضةً لإساءة الفهم والافتراءات إلاّ ان هذا هو الموقف الأكثر نجاعة. فلنتذكر ما شهده التاريخ من توترات خلال القرون السابقة ومنها الجدل الذّي قام حول الطقوس الدينيّة الصينيّة وطقوس مالابار والمستوطنات اليسوعيّة في الباراغواي".


وأنا لمستُ بنفسي الالتباسات والمشاكل التّي واجهتها الرهبنة في الفترة الأخيرة فقد شهدت فترات صعبة خاصةً عندما تمّ التطرق الى مسألة انسحاب تطبيق النذر الرابع أي طاعة البابا على كلّ اليسوعيين. وحافظتُ على ثقتي بالرهبنة خلال هذه الفترة بفضل الأب أروبي (المدبر العام للرهبنة اليسوعيّة من 1965 حتّى 1983) إذ كان رجل صلاة، يقضي فترات طويلة يُصلي. أتذكره وهو يصلي جالسًا على الأرض على الطريقة اليبانيّة فغالباً ما اتخذ المواقف والقرارات الصحيحة.

النموذج: بيتر فابر "الكاهن المصلح"


كنت أتساءل ما إذا كانت أي شخصيّة يسوعيّة منذ نشأة الرهبانيّة حتّى أيامنا هذه قد أثرت فيه بصورةٍ خاصة لذلك طلبت منه ان يُعدد هذه الشخصيات مُبررًا اختياره. بدأ بذكر اغناطيوس دي لويولا (مؤسس الرهبنة اليسوعيّة) وفرانسيس كزافييه قبل ان يُركز على شخصيّة لا يعرفها الجمهور حقّ المعرفة: بيتر فابر (1506 – 1546) من سافوي. كان من أوّل مرافقي القديس اغناطيوس، الأوّل بالأحرى إذ تقاسما الغرفة نفسها عندما كانا طالبَين في جامعة باريس وكان رفيق السكن الثاث فرانسيس كزافييه. أعلن بيوس التاسع فابر مكرمًا ولا تزال دعوى تطويبه مفتوحة.

وذكر البابا بعضًا من اعمال فابر ومنها إصدار طلبَ من العالمَين اليسوعيَين ميغيل فيوريتو وخايمي اماديو تحريره ونشره عندما كان مسؤولاً عن المحافظات في الرهبنة في الأرجنتين. ومن الإصدارات التّي كان يحبها نسخة حررها ميشال دي سيرتو. وسألتُ البابا عن سبب اعجابه الكبير بفابر.


فأجاب البابا قائلاً: "حواره مع الجميع حتّى مع الأكثر بعدًا والخصوم بالإضافة الى تقواه البسيطة التّي تلامس السذاجة ربما وجهوزيته الدائمة وقدرته الداخليّة على حسن التمييز بالإضافة الى كونه رجل قادر على اتخاذ قرارات كبيرة ومهمة وقادر على التعامل بحب ولطف.


ووصف ميشال دي سيرتو فابر على أنّه وبكلّ بساطة "الكاهن المصلح" الذّي يعتبر التجربة الداخليّة والتعبير العقائدي والإصلاح الهيكلي أمور مرتبطة ببعضها البعض. ويستطرد البابا متطرقًا الى الوجه الحقيقي لمؤسس الرهبنة.


"إن اغناطيوس صوفي لا ناسك. انزعج لدى سماعي ان الرياضات الروحيّة "اغناطيّة" فقط لكونها تتم في الصمت. في الواقع، باستطاعة الرياضات ان تكون "اغناطيّة" أيضًا في الحياة اليوميّة بعيدة عن الصمت. فاعتبار ان الرياضات الروحيّة هي رياضات تُركز على  النسك والصمت والتوبة لتفسيرٌ غير دقيق أصبح شائعًا داخل الرهبنة خاصةً في إسبانيا. أنا أقرب شخصيًّا الى الحركة الصوفيّة تلك التّي أسسها لويس لالومان وجان جوزيف سورين وفابر كذلك.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
البابا فرنسيس
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
ST RITA ; CATHOLIC PRAYER
أليتيا
صلاة رائعة إلى القديسة ريتا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً