Aleteia
الأربعاء 28 أكتوبر
أخبار

هل من حرب عادلة؟

abouna.org

أليتيا - تم النشر في 31/08/13

يقرعون طبول الحرب وأخشى أن تقع "الفأس في الرأس"


(بقلم الأب رائد أبو ساحلية) يقرعون طبول الحرب وأخشى أن تقع "الفأس في الرأس" ويحدث ما نخشاه! فبعد افغانستان والعراق وليبيا قد يأتي دور سورية، لأن هذه الدول التي تمتلك القوة أصبحت مدمنة على الحرب ومتعطشة للدماء والهيمنة لا بل أصبحت دولاً خارجة على القانون والشرعية الدولية، لا بل فوق القانون.

وأمام هذا الواقع الأليم يتساءل الجميع سؤالاً بديهيا: هل من حرب عادلة؟ أين العدالة في مثل هذه الحروب اللاأخلاقية؟ هل ما تقوم به الولايات المتحدة الامريكية وحلفاؤها حروب مبررة ومشروعة تندرج في نطاق الدفاع عن الذات أو تحرير شعب آخر كما يزعمون؟ وحتى ولو كانت الاسباب مقنعة فما هي شروط الحرب العادلة وما هي أخلاقياتها؟ هل هناك أحكام وحدود لاعلان أي حرب بطريقة شرعية؟ نحن لا ندعي الاحاطة والاجابة على كل هذه الاسئلة ولكننا سنحاول أن ندخل هذه المعركة بسلاح علم المنطق والاخلاق طارحين على بساط البحث المباديء الاساسية لهذه القضية المعقدة انطلاقاً من التعليم المسيحي ووجهة النظر الكنسية؟

بداية أشعر أن هناك تناقضا في الكلمات التي نستعملها عادة، فعندما نقول "حرب عادلة" أو "حرب مقدسة" فإن التناقض نابع من التساؤل: كيف يمكن أن تكون الحرب عادلة؟ وكيف يمكن أن تكون الحرب مقدسة؟ فالحرب هي الحرب التي تزرع الدمار وتسفك الدماء وتشرد العباد وتحرق الزرع والضرع وتؤدي الى المزيد من الحقد والعنف والكراهية المتبادلة. لذلك يجب أن نتفق منذ البداية على أن الحرب هي "شر وبلية" ولا يمكن أن تكون عادلة أو مقدسة، وحتى ولو كانت في بعض الاحيان "شراً لا بد منه" فلها شروط وحدود وأخلاقيات لا بد منها.

يجب التمييز بين الحرب الهجومية (العدوان) والحرب الدفاعية (المقاومة) والحرب الوقائية (الردع) التي تقوم على التلويح بالحرب على مثال "الحرب الباردة" من باب "إذا اردت السلم فحضر للحرب". فالاولى مُحرمة في كل الاحوال لان هدفها التوسع والسيطرة على الارض والعباد واخضاعهم بالقوة؛ أما الثانية فانها مسموحة لأن لا بد منها للرد على العدوان، ولكنها تخضع لشروط محددة يمكن أن نعرفها إذا أجبنا على السؤالين: متى يسمح باستعمال القوة؟ وما هي المباديء التي تحدد استعمال القوة؟ أما الثالثة فمن الافضل تحاشيها لأن تكديس الاسلحة وامتلال مصادر القوة يغري باستحدامها من باب استعراض العضلات أحيانا أو تخويف الاعداء أحيانا أخرى، بالاضافة الى سباق في التسلح له بداية وليس له نهاية يضع العالم على "كف عفريت".

هناك العديد من المعايير لتبرير استعمال القوة أو شن حرب مبررة: أن يكون السبب عادلاً أي احقاق الحق واقامة العدالة؛ أن تعلنها سلطة شرعية؛ أن تدار بنية حسنة ولهدف شريف؛ أن تكون أضرارها أقل من منافعها؛ أن تكون الملجأ الاخير والوحيد بعد استنفاذ كافة الوسائل السلمية والدبلوماسية؛ أن يكون لها فرضة منطقية في النجاح وتحقيق الاهداف المرجوة؛ وأن تكون نتيجتها خيرا وليس شراً أي استتباب الامر والاستقرار والسلام بين الأنام.

وعندما تتوفر هذه المعايير فإن أي عمل عسكري يتطلب التقيد بالقواعد الاخلاقية والشرعية: توفر توازن نسبي في الوسائل المستخدمة؛ تحاشي استخدام القوة المفرطة المطلوبة لتحقيق الاهداف المنشودة؛ عدم الحاق الاضرار بالمنشآت المدنية والحيوية والضرورية للسكان المدنيين العزل؛ وبالتالي ازهاق الارواح البريئة من بشر وشجر وحجر وكائنات حية. إن هذه العناصر أصبحت أكثر الحاحا بعد التقدم التكنولوجي في الوسائل الحربية التي تؤدي الى الدمار الشامل كما شهدنا في حروب القرن المنصرم، خاصة إذا اخذنا في الحسبان الخطر المحدق بالبشرية أثناء الحروب المعاصرة نتيجة تطور اسلحة الدمار الشامل من نووية وكيميائية وبيولوجية والمحرمة دولياً.

قد تبدو هذه المباديء عمومية منطقية لأنها انسانية، فدعونا نرى تعليم الكنيسة حولها: فالبابا يوحنا الثالث والعشرون ركز في رسالته الرسولية "السلام في الارض" عام 1963 على ضرورة استخدام لغة الحوار بدلاً من لغة السلاح لحل النزاعات. وقد دفع خطر الاسلحة النووية البابا للتصريح "إنه من المنافي للمنطق القول بأن اللجوء الى الحرب طريقة مناسبة لاعادة الحقوق المغتصبة".

وفي المجمع الفاتيكاني الثاني، وبالذات في الوثيقة حول "الكنيسة في عالم اليوم" نجد دعوة الى التفاوض لحل النزاعات ولكن بسبب الارهاب واستمرار الحروب والنزاعات فان المجمع لا يحرم الدول من الحق في الدفاع المشروع عن الذات باستخدام القوة عندما تستنفذ وتفشل كل الجهود السلمية: "ما دام خطر الحرب قائما، وما دام العالم خالياً من سلطة دولية ذات صلاحيات وذات قوات كافية، فلا يمكن انكار ما للحكومات من حق شرعي مشروع في الدفاع، بعد استنفاذ جميع امكانيات الحل السلمي". ولكن المجمع، وبسبب القوة التدميرية للحروب الحديثة، يستنكر ويحرم كل أنواع الحروب التي تؤدي الى الدمار الشامل للمدن والمراكز المدنية والحياة البشرية: "كل عمل حربي عشوائي يقصد به تدمير مدن بكاملها، أو مناطق واسعة بسكانها، هو عمل إجرامي الى الله والى الانسان نفسه، ويجب شجبه وانكاره بشدة وبغير تردد". كما تعلن الكنيسة والعقل البشري استمرارية قيام الشريعة الاخلاقية إبان الصراعات المسلحة: "ولئن ساء الحظ ونشبت الحرب، فلا يجوز أن يكون مجرد نشوبها مدعاة لتبرير كل شيء بين الفرقاء المتحاربين".

أما كتاب التعليم المسيحي الجديد للكنائس الكاثوليكية الذي صدر عام 1997 فإنه يلخص تعليم الكنيسة حول استخدام القوة في الرقم 2309: يجب التبصر بدقة في الشروط الصارمة للدفاع المشروع بالقوة العسكرية: "إن خطورة قرار كهذا تقتضي أخضاعه لشروط صارمة تتطلبها الشرعية الاخلاقية. فيجب في آن واحد: أن يكون الاذى الذي ألحقه المعتدي بالأمة أو بجماعة الامم ثابتا وخطيرا وأكيداً؛ أن يتبين أن جميع الوسائل الاخرى لوضع حد له مستحيلة أو غير نافعة؛ أن تتوفر شروط جدية للنجاح؛ أن لا يؤدي استعمال السلاح إلى شرور واضطرابات أخطر من الشر الذي يجب دفعه. وما لوسائل الدمار الحديثة من قوة له وزن ثقيل جدا في تقدير هذا الشرط".

ونعود بعد هذا العرض الى نفس الاسئلة: هل من حرب عادلة؟ وهل الحرب التي يمكن أن تشنها أمريكا وحلفائها على سوريا حرب مبررة؟ ونرى بأن الاجابة سهلة واضحة:

فبالنسبة للسؤال الاول: فمن الواضح الرفض البات لجميع أنواع العنف واللجوء الى القوة والحروب، ولكن هناك تبرير لاستخدامها بعد استنفاذ كل الحلول السلمية، وقد عبر عن هذا الموقف بوضوح البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته بمناسبة اليوم العالمي للسلام عام 1982 حين قال: "إن المسيحيين يناضلون لمقاومة جميع أشكال الحروب، ولكنهم لا يترددون في الاعلان، وبسبب المتطلبات الاساسية للعدالة، لأنه يحق للشعوب، لا بل من واجبها، الدفاع عن وجودهم وحريتهم باستخدام الوسائل الملائمة، ضد المعتدي الظالم".

أما بالنسبة للسؤال الثاني: إن تحليلنا لكل المعايير التي ذكرناها ومقارنتها مع ما يحدث على أرض الواقع لا يدع مجالا للشك بأن "المسألة فيها نظر" أتركها لحكمة وذكاء القاريء الكريم! ولكن باختصار بأنها لن تكون عادلة أو شرعية، فهي غير ضرورية لا بل غير اخلاقية، تدل على عقدة القوة والتفوق والرغبة في السيطرة والهيمنة، فلا يمكن لأي دولة أن تنصب نفسها "شرطيا للعالم" لأنها فقط قوية وتملك الاسلحة الفتاكة.

أما أنا فأرى بأن العالم والانسانية في مأزق لا بل في ورطة حقيقية، وكأن الانسان مفطور على العنف منذ قائين وهابيل. فهل من مخرج؟! إني أومن بأن الحل الوحيد هو أن نكسر دائرة العنف بالمحبة: "أحبوا أعداءكم وصلوا لأجل الذين يبغضونكم" وأن لا نقابل الشر بالشر بل "لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير". ويا ليتنا نفهم كلام المعلم: "من ضربك على خدك الايمن فأدر له الايسر" خاصة "إن الرغبة في الثأر لأذية من يجب معاقبته غير جائزة" فالعنف لا يولد الا العنف، ولا يمكن الرد على الكارثة بكارثة أكبر منها! فالعدالة لا تتحقق الا بالعدالة والمحبة!

وأحلم باليوم الذي تسود البشرية العدالة وتتغلب على العنف بالمحبة فيتحقق كلام النبي أشعيا: "يضربون سيوفهم سككا واسنتهم مناجل، فلا ترفع أمة على أمةٍ سيفاً ولا يتعلمون الحرب من بعد"! وتقع المسؤولية الكبرى على حكام العالم وقادة الشعوب، لذلك يدعونا بولس الرسول للصلاة من أجلهم لينور الله عقولهم ويفتح قلوبهم: "فأسأل قبل كل شيء، أن يُقام الدعاء والصلاة والابتهال والشكر من أجل جميع الناس، وخاصة لأجل الملوك وسائر ذوي السلطة، لنحيا حياة سالمة مطمئنة بكل تقوى ورصانة، فهذا أمرٌ حسنٌ ومرضيٌ عند الله مخلصنا". آملين أن يسمع الله صلواتنا ويرحمنا ولا يحدث ما نخشاه من حرب في هذه الايام!

الاب رائـد أبو ساحلية

كاهن رعية العائلة المقدسة في رام الله
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
غيتا مارون
صلاة رائعة كتبها الشهيد اللبناني فتحي بلدي
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
PAPIEŻ FRANCISZEK
الأب فادي عطالله
قداسة البابا والمثليين الجنسيين
José Manuel De Jesús Ferreira
عون الكنيسة المتألمة
بيان عون الكنيسة المتألمة حول مقتل الأب خوسيه...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً