Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر
روحانية

عظة الكردينال البطريرك مار بشارة بطرس الراعي الاحد الخامس عشر من زمن العنصرة: توبة المرأة الخاطئة

البطريركية المارونية

أليتيا - تم النشر في 26/08/13

"خطاياها الكثيرة مغفورة لها، لأنها أحبّت كثيرًا" (لو47:7)


1. آمنتِ المرأة الخاطئة بيسوع، وأدركت أنه قادرٌ أن يغفر خطاياها ويشفيَها من حالة بؤسها الروحي. فقامت بفعل حبٍّ كبير، إذ سكبت الطيب على رجليه وقبلتهما وذرفت دموعها عليهما ونشفتهما بشعر رأسها. فبادلها الرب يسوع بحبٍّ كبير: غفر خطاياها الكثيرة، وامتدح إيمانها ومبادرتَها، وقال: "خطاياها الكثيرة مغفورة، لأنها أحبّت كثيرًا" (لو47:7).

2. يسعدني أن أُرحّبَ بكم جميعًا وقد توافدتم من مختلف المناطق، راجين أن يكون لقاؤنا مع الله، الواحد والثالوث، في هذه الليتورجيا الإلهية،تثبيتًا لإيماننا بالمسيح المخلّص والفادي، وتجديدًا لمحبّتنا له. ونسأله أن يذكيَ فينا روحَ الندامة على خطايانا والتماسَ مغفرتها، عبر سرِّ التوبة وخدمةِ الكاهن. نأمل أن يكونَ نصيبُنا مثلَ تلك المرأة. فنسمع من المسيح، على لسان الكاهن قابل توبتنا، ما قاله الرب لها: "إيمانك خلّصك! إذهبي بسلام" (لو 50:7). ونرحّب بنوعٍ خاص بمجلس أمناء متحف التراث اللبناني الكائن في مبنى الأمانة العامّة للمدارس الكاثوليكيّة؛ وبرعيّة مار تقلا-المروج، ورعية مار شربل-وطى المروج بولونيا وخدّام المذبح. ما زلنا نعيش ذكريات زيارتنا الراعوية لها ولبلدات المتن الأعلى. وإنّنا نُصلّي معًا من أجل السلام في لبنان وسوريّا والعراق ومصر.

3. ما أحوجنا اليوم، في لبنان وبلدان الشرق الأوسط، الى إيمانٍ حقيقيٍّ بالله، يَظهر، على حقيقته وأصالته، في محبّتنا الكثيرة لله ولشخص المسيح، فنقرَّ بخطايانا وأخطائنا ونلتمسَ الغفرانَ من الله! إن الإيمانَ الصحيحَ ينكشف ويتجسّد في المحبة لله وللناس، ويُترجم بالتوبة عن الخطايا وأفعالِ الشرّ، وبالتماس الغفران الإلهي. مَن يؤمن حقًا بالله، يُحبُّ من كل القلب، ويسعى الى المصالحة، ويصمّم على بدء حياة جديدة، بالمسلك والنهج والتعاطي. وطالما قلبُ الإنسان فارغٌ من الإيمان والحب، يبقى مُباعًا ومستعبدًا للشرّ وأسيرًا للغريزة والرذيلة. أجل، من يحبُّ كثيرًا، ويندمُ على أخطائه وشروره وخطاياه ويقرُّ بها، يَغفر له اللهُ خطاياه الكثيرة.

إنَّ الذين يُمعنون في الشرّ تخطيطًا وتنفيذًا، ويثيرون النزاعات ويفتعلون الحروب وممارسة العنف والإرهاب، ويرفضون التفاهم والحوار والمصالحة، هؤلاء قلوبُهم خاليةٌ من الإيمان والحب، ومستعبَدون لشرورهم، ومُباعون لأسيادهم أمراء الشر.

4. لا يسعنا في المناسبة إلا أن نستنكر وندين بشدّة الإنفجارين المروّعَين في طرابلس عاصمةِ الشمال في الأول من أمس، وقد وقع ضحيتهما مواطنون أبرياء: ما يزيد على خمسة وأربعين شهيدًا، وخمسماية جريح، وأضرارٌ مادّيّةٌ باهظة. يا لهول الجريمة ضدّ الله والإنسانية ولبنان وشعبِه، وقد تلت تفجيرَ محلّة الرويس في ضاحية بيروت الجنوبية التي أدانها الجميع. إنّنا نصلّي لراحة نفوس الضحايا في محلّة الرويس وفي طرابلس، ونعزّي أهلَهم. ونلتمسُ من الله الشفاء للجرحى، ونتعاطفُ مع جميع المتضرّرين في بيوتهم ومحالِّهم التجارية وممتلكاتهم. ونُحيّي شبابَ طرابلس والضاحية وحركةَ "معًا نعيد البناء" وكلَّ ذوي الهممِ والمؤسسات التي تعمل بكلّ قواها لإعادة البناء ومساعدةِ العائلات للعودة الى المنازل والمحال التجارية وممتلكاتهم.

وندعو المواطنين ولاسيما في الضاحية وطرابلس الى الوعي والتروّي وأخذ الأمثولة البنّاءة، والإلتزام في شدّ أواصر الوحدة الداخليّة وفي دعم الجيش والقوى العسكرية والأمنية التي وحدها تحمي الجميع. فلا أحد من الشعب اللبناني يريد استبدالها بالأمن الذاتيّ المرفوض من الجميع.

5. يا له من إجرامٍ ارتُكبَ في جنوب العاصمة بيروت وفي قلب طرابلس عاصمة الشمال. إنّه يدلّ على الوحشية، وتجريد الإنسان من إنسانيته لدى كل من يقترفُه ويدبّرُه ويموّلُه ويحرّضُ عليه! ما معنى هذا الإجرام المتزايد في لبنان وسوريا ومصر والعراق ؟ أهذه هي الحضارة التي بناها معًا المسيحيون والمسلمون منذ ألفٍ وأربعماية سنة في أوطانهم؟ نحن المسيحيين نرفض أن يُشوَّه الدينُ الاسلاميُّ بمثل هذه الممارسات. ماذا نقول للعالم المتمدّن عن حضارتنا في العالم العربي؟ ليست ثقافتُنا ثقافةَ القتل والدمار، بل ثقافةُ الحياة والبناء والترقّي. ايُّ إرثٍ يتركُ الكبارُ للأجيال الجديدة؟ وفي مصر، ما معنى الاعتداءُ على كنائس المسيحيين وقد أحرق منها المعتدون ثلاثًا وسبعين كنيسة؟ إننا نتعاطف مع الشعب المصري، ونؤيد رفضه لممارسة العنف والإرهاب والاعتداء، وندعوه بحكم حضارته العريقة الى وحدته الداخلية والصمود بوجه الشر. الوجود المسيحي في مصر يرقى إلى ألفي سنة، إلى عهد العائلة المقدّسة الهاربة من شرّ هيرودس الملك. ولقد طبعت المسيحيةُ بوجودها وأديارها الزاهرة ومؤسساتها التربوية والاقتصادية والتجارية والفنية ثقافةَ مصر وأسهمت في حضارتها. الاقباط هم السكان والمواطنون الأصليون والأصيلون في مصر. لهم في حضارتها وثقافتها أكثر من غيرهم. فيجب على الدولة تأمين كلّ حقوقهم كمواطنين، والسهر على أمنهم وسلامة ممتلكاتهم بوجه المتطرفين المعتدين.

6. أمام الإنفجارات في الضاحية الجنوبية من بيروت، وفي طرابلس مقابل مسجدَين، والمؤمنون في صلاة، لا يكفي التنديد والإدانة، على أهميتهما. بل يجب على أصحاب السلطة في لبنان والأفرقاء المتنازعين الرافضين الجلوس معًا إلى طاولة الحوار، والذين يعطّلون تأليف حكومة جديدة، ويشلّون عمل المجلس النيابي، ويعلّقون مجرى الحياة العامّة، تشريعًا وإدارةً ومشاريعَ إجرائيّة، أن يدركوا أنهم هم أنفسُهم المسؤولون عن الفلتان الأمني وتفشّي السلاح غير الشرعي، وتنقّل السيّارات المُفخّخة من منطقة إلى أخرى، وعن التسبّب بالإنفجارات. إنّ دماء الشهداء الأبرياء تستصرخ ضمائرهم. بل صوتُ الله يناديهم، كما نادى اللهُ قايين قاتلَ أخيه: "أين أخوك؟"(تك4: 9).

7. إنّ مسؤوليّتَهم الجسيمة عن هذه الكوارث الوطنيّة، توجب عليهم إخراجَ لبنان من محاور النزاع الإقليمي المذهبي وارتباطاته الدّوليّة، وتحريرَه من إملاء القرارِ الخارجي والتبعيّةِ له، وعدم ربطِ مصيره بتطوّر الأحداث في سوريّا وسواها. ولكنّهم لن يستطيعوا فعلَ ذلك إلا بالحوار المسؤول والصادقِ وبسلامة النوايا، والتجرّدِ من المصالح والحسابات الشخصيّة والفئويّة والمذهبية. هذا ما سمعنا الشعب يدعو إليه في الضاحية وفي طرابلس. وأكبرنا مبادرة الأطفال والنساء الذين نثروا الورود في الضاحية، علامةَ محبّةٍ وتضامنٍ مع أهل طرابلس، ونبذًا للعنف والنزاعات السياسيّة – المذهبيّة.

إنّ مسؤوليّة المرجعيّات السياسيّة عن التسبّب بالفلتان الأمني وتنقّلِ السيّارات المفخّخة، توجب عليهم أيضًا، بحكم ضميرهم الوطني، تلبيةَ دعوة رئيس الجمهوريّة، في ندائه مساء أمس، إلى اتّخاذ قرارٍ وطنيٍّ مسؤول يؤدّي إلى المصالحة الوطنيّة، وإلى تسهيل التأليف لحكومة جديدة قادرة، وإلى الجلوس إلى طاولة الحوار الوطني من دون شروط. فالحوار الوطنيّ المخلص والمتجرّد يصل في إيجابياته ونتائجه إلى ما يفوق كلَّ الشروط. بل هذا النداء يأتي من الضحايا البريئة التي أوقعَتْها الانفجاراتُ في الضاحية وطرابلس.

8. "خطاياها الكثيرة مغفورة لها، لأنّها أحبّت كثيرًا" (لوقا 7: 47)

نحتاج في أيّامنا إلى قلوب ملؤها الحبُّ لله ولكلّ إنسان، لكي ترحمَ وتتحنّن، وتغتنيَ بالمشاعر الإنسانية. لأنّ مَن يحبُّ الله يتّقيه في خلائقه، فيحترمَ الانسانَ في كرامته وسلامه وقدسيّةِ الحياة. ومَن يحبُّ الله يدرك إساءاتَه إليه بخطاياه وشروره. ومَن يحبُّ الله يلتمس منه مغفرةَ خطاياه وهي بمثابة ديون، ويغفرُ بدوره لمن أساء. وحدهم كبارُ النفوس والقلوب يستطيعون ذلك، لا صغارها.

9. المصالحة هي حاجةُ مجتمعنا اللبناني وكلِّ المجتمعات البشريّة. فالمصالحة والغفران هما نقطة الانطلاق نحو مستقبلٍ جديدٍ أفضل. معَ المصالحة تنتهي حربُ المصالح الشخصيّة والفئويّة والمذهبية التي هي أخطر من الحرب المسلّحة. وبالمصالحة تخمد الخلافات وتزول العداوات وتتبدّل الذهنيّات. إنها الحلّ لكل معضلات الأشخاص والجماعات. وإنّا، بحقّ الضحايا البريئة والدماء المُراقة، ندعو إلى المصالحة أوّلاً مع الله والذات بروح التوبة؛ وإلى المصالحةً الإجتماعيّة بترميم العلاقة مع الآخر من خلال حلِّ الخلافات والنزاعات وسوء التفاهم، ومع الفقراء وسائر المعوِزين بمبادراتِ محبّة، ومع الجميع بتعزيز العدالة الإجتماعيّة ورفعِ الظلم والفساد، وتأمينِ الحقوق الأساسيّة؛ فإلى المصالحةً السياسيّة بإعادة بناء الوحدة الوطنيّة ودولةِ الحقّ الصالحة والعادلة؛ أخيرًا إلى المصالحة الوطنيّة القائمة على التزام عقدٍ إجتماعيٍّ يُجدّد ميثاقنا الوطني ويُحصّن العيشَ معًا، ومشاركةَ الجميع العادلة والمنصفة في إدارة شؤون البلاد. المصالحة، بكل وجوهها، هي بنوعٍ خاص رسالة المسيحيين الذين يقولون مع بولس الرسول: "لأنّ الله صالح العالم مع نفسه بالمسيح، أودعنا كلمة المصالحة، نحن سفراء المسيح لهذه المصالحة" (2كور5: 19-20).

10. فيما البلدان العربية، في معظمها، تبحث عن هويّتها، ولكن بكل أسف، عن طريق العنف والقتل والدمار وتمزيق العائلة الاسلامية من الداخل، نرى بكلّ أسف أيضًا، أنّ لبنان، بالمقابل، آخذٌ في نسيان هويّته وتشويهها بسبب الصراع السياسي – المذهبي، وفي فقدان دوره ورسالته في الأسرتين العربية والدّوليّة، وبخاصّة على مستوى العيش المشترك والتفاعل بين المسيحية والإسلام. ذلك أنّ الأفرقاء السياسيين المتنازعينعلى أساس سياسيٍّ – مذهبي، إنّما ينتهكون الميثاق الوطني، ميثاق 1943، الذي يشكّل الصيغة النهائيّة للتاريخ التعايشي بين المسيحيين والمسلمين، حتى قيل عن لبنان أنّه "الابنُ البكر للمساكنة الآمنة بين الإسلام والمسيحية"[1]. بفضل هذه الصيغة تعيش الديانتان معًا بدون أي تمييزٍ عنصريّ، وعلى ذات المستوى من المساواة. إنَّ ميثاقَ العيش المشترك في لبنان علامةٌ مرفوعة ضد الأنظمةِ الآحاديّة في البلدان العربية، وضد عِرقيّة النظام الصهيوني.

هذا الميثاق جعل من لبنان مكانًا مُميَّزًا للدفاع عن الإنسان، لا لأنّه مسيحيٌّ أو مسلم، أكثريةٌ أو أقلّية، مُهيمنٌ أو مُتسامح، بل لأنّه إنسان[2]. كما جعل منه "وطنَ حقوق الإنسان"، وطنًا يحفظ الإسلام من الانحراف أمام العرقيّة الصهيونيّة والميلِ إلى عرقية إسلاميّة. لقد نجح الميثاقُ الوطنيُّ اللبناني، في الأساس، في أن يُقيم شيئًا من المنطق المرجِّح لمنطق الشعب على منطق العشائر، ومنطق العقل على الطائفة، ومنطق الدولة على الإقطاع. ولذلك، لبنان مشروعٌ دائمُ التحقيق، وزمنٌ تاريخيٌّ خلاّق غيرُ قابلٍ للتحجّر. إنّه مشروع "البناء الوطني" الذي يُميّز الدولة اللبنانية عن محيطها، بكونها تقرّ دستوريًّا الحقّ بالاختلاف، والاعتراف بفسيفساء العائلات الروحيّة والتعايش، كضرورة للحياة المشتركة[3].

11. إنّنا نُصلّي لكي يدركَ المسؤولون السياسيّون مسؤوليّتهم في الحفاظ على لبنان الوطن النموذج والرسالة، فيعودوا إلى تجديد ميثاقِنا الوطني وتطويرِه، فيكون للبنان دورُه المساهم في انبثاق فجرٍ للربيع العربيّ المنشود. وليتمجّد اللهُ في خلقه، الآبُ والابنُ والروحُ القدس، الآن وإلى الأبد، آمين.
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
البطريرك مار بشارة بطرس الراعي
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً