Aleteia logoAleteia logo
Aleteia
السبت 31 أكتوبر
home iconأخبار
line break icon

هل أنت مدمن على الفيسبوك؟

aleteia ar

أليتيا - تم النشر في 20/08/13

يزداد الإدمان حدّةً بسبب واجبات اللباقة والأدب


لا شكّ في أنّ الفيسبوك وسيلة تواصل اجتماعيّة رائعة، خلقت علاقات كانت مستحيلة في الزمن الماضي، وأحيت علاقاتٍ كانت ميتة، خصوصاً بين أصدقاء أو أقارب تفصل بينهم آلاف الكيلومترات، ولم يتّصل بعضهم ببعضٍ منذ سنواتٍ عديدة. لكنّ حبّ البحث عن الأصدقاء (أو عن أصدقاء) أو الأقارب ليس الدافع الأوّل عموماً لإنشاء صفحةٍ خاصّة على الفيسبوك. فالإدمان لا يبدأ من هنا.

مراحل الإدمان

يبدأ الإدمان حين يدفعني حبّ مواكبة العصر إلى إنشاء صفحةٍ خاصّة بي على الفيسبوك. فأنا لا أريد أن أشعر بالاغتراب حين أكون مع الآخرين، خصوصاً وأنّ موضوع الفيسبوك صار من الأحاديث اليوميّة.

وما إن أشبع هذه الرغبة حتّى أكتشف أخرى بحاجة إلى إشباع: حبّ الفضول. والفضول من سمات الإنسان. كلّ وسائل الإعلام والإعلان تعتمد على إثارته لتروّج لنفسها ولتجارتها. الفيسبوك يسمح لي بالدخول في خصوصيّة الآخرين: مَن أصدقاء فلان؟ مع مَن يتحدّث؟ ماذا يقولون؟ هل فلان على الفيسبوك في هذه الساعة؟ مَن كان معه في تلك الحفلة، في ذلك العرس، في تلك الرحلة؟ وكما هو حال الإدمان، لا أحد يقول عن نفسه إنّه فضوليّ، ولكنّنا كلّنا فضوليّون. فهل من وسيلةٍ تروي فضولي أفضل من الفيسبوك؟

المرحلة الثالثة هي تعزيز الأنا. وتبدأ بضمّ أكبر عددٍ ممكنٍ من الأصدقاء. كلّما ازداد عدد الأصدقاء انتفخ الأنا: إنّهم يطلبون صداقتي!

في المرحلة الرابعة، وهي ليست للجميع، يسعى الأنا إلى الزعامة، فينشئ مجموعاتٍ ويتزعّمها ويشرك الناس فيها – عنوةً في بعض الأحيان – والكلّ في سبيل أن أنشر أشياء وأمتّع ذاتي برؤية مقدار الأشخاص الّذين يقولون لي: "أعجبني".

يظهر حبّ الزعامة أحياناً بطريقةٍ أخرى. فلا أكوّن مجموعة، بل أنضمّ إلى مجموعةٍ موجودة، وأحاول بطريقةٍ واعية أو لا واعية أن أسحق الجميع بمشاركاتي الرائعة وعدد المعجبين بها. وهنا يبدأ الإدمان. فالرغبة في احتلال المكانة الأولى والبروز يتطلّبان منّي أن أتابع مجريات الأمور، وأن أتدخّل دوماً، وأعلّق وأتكلّم قبل أن يفوتني الوقت. لذلك يجب أن أزور الصفحة باستمرار، أن أسهر مع الساهرين، وأن أبكّر مع المبكّرين، وأقول دوماً من خلال مداخلاتي وتدخّلاتي أنا هنا.

العلامة الأوضح على الإدمان الفيسبوكيّ هي تناوب شعور النشوة وخيبة الأمل. ويتولّد هذا الشعور خصوصاً حين أفتح الصفحة الفيسبوكيّة وأرى عدد المعجبين (أو غير المعجبين) بما نشرتُه، وعدد طالبي الصداقة منّي، وعدد الموافقين (أو الرافضين) على طلب صداقتي، وعدد مَن كتبوا لي … باختصار، عدد مَن أنا موجود بالنسبة إليهم.

ويزداد الإدمان حدّةً بسبب واجبات اللباقة والأدب. إذ كيف أتجاهل مَن لم يتجاهلني، وعلّق أو ردّ بسرعة على مشاركتي؟ عليّ أن أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة ساعاتٍ لأعلّق عليه بسرعةٍ أيضاً، ولكي لا أقصّر بواجباتي فأُنعَت بقلّة الذوق، لأنّ هذا يجرح كبرياء الأنا الّذي ضخّمته العلاقات الفيسبوكيّة من دون أن أعي ذلك. ومن باب الذوق أيضاً أن أقول عن مشاركة شخصٍ إنّها أعجبتني لا لأنّها أعجبتني، بل لأنّ صاحبها قال عن مشاركتي أنّها أعجبته.

وتظهر خيبة الأمل حين يتجاهلنا الآخرون أو لا تعجبهم مشاركتنا. وقد يصل الأمر إلى حذفهم من قائمة الأصدقاء.

الآن، وقد أدمنتُ على الفيسبوك، ماذا أفعل حين أنتهي من قراءة التعليقات والمشاركات؟ هل أقفل الجهاز وأذهب إلى انشغالاتي؟ لا! فالفيسبوك كبّلني، ولم أعد أستطيع مفارقته. لذلك أراني أنتقل من الاهتمام بالأنا إلى رعاية الفضول، فأدخل إلى صفحات الآخرين لأرى متى كانوا على النِت، ومع مَن يتواصلون أكثر، وما هي تعليقاتهم، وما إليه من معلوماتٍ لا أريد منها أن أعرف الأشخاص أكثر وإنّما أن أعرف أمورهم الشخصيّة أكثر.

تشعّب الإدمان

بعد المرور بهذه المراحل، أو ببعضها، يبدأ إدمان الفيسبوك بالتشعّب.

التشعّب الأوّل هو التشات. فهناكَ مَن يترصّدون دخول الآخرين «أون لاين» كي يرسلوا إليهم كلمة هايأو مرحباً، في حين أنّهم لا يتوقّفون لتحيّتهم إذا ما صادفوهم في الطريق. لماذا؟ لأنّ مقابلة الآخر جسديّاً لا تجعلني سيّد اللعبة، في حين أنّني سيّدها في مقابلته إلكترونيّاً، فأستطيع أن أهمل محادثته متى أشاء أو أوقفها بدون حرج، لأنّ الأعذار جاهزة: انقطع الخطّ، دخل شخص إلى غرفتي ليكلّمني، كنتُ أحادث شخصاً ثالثاً أون لاين … حجج كثيرة أستطيع أن أبرّر بها عدم حضوري الكامل للآخر، ولا أستطيع أن أتحجّج بها حين أقابله جسديّاً.

التشعّب الثاني هو طاقيّة الإخفاء. كم سحرتنا هذه القصّة في طفولتنا ودغدغت أمنيةً غالية على قلوبنا. أتسلّل إلى حياة الآخر وأتفرّج كما يحلو لي بدون أن يراني أو يشعر بحضوري. وها إنّ الفيسبوك يحقّق لي هذه الرغبة اللاواعية. أتجوّل هنا وهناك بدون أن أترك أثراً. إنّني مراقب صامت «يتلصّص» على حميميّات الآخرين من نوافذهم الّتي تركوها مفتوحةً عمداً أو سهواً. وفي بعض الأحيان، أدخل إلى حياتهم بصورةٍ مخفيّة واسمٍ منحول وصفاتٍ مُنتَحَلة لأشبِعَ رغبة التلذّذ بالممنوع، وأطلق العنان لما هو مكبوت فيَّ.

التشعّب الثالث هو الألعاب. إنّها ليست خاصّة بالفيسبوك، ولكنّ الفيسبوك يقدّم عدداً كبيراً منها جذّاب ويشدّ الإنسان كي يقضي ساعاتٍ من التحدّي: تحدّي قدرة برنامج اللعبة أو تحدّي آخرين باللعب معهم. ومن هذه الألعاب ما يمكننا أن نسمّيه قماراً (مَيسَر) أبيض، تماماً مثل الكذب الأبيض الّذي نسعى من تلوينه إلى تبريره. واللاعبون يعرفون حقّ المعرفة هذه الألعاب، وصفقات التيبسات الّتي يبيعونها ويشترونها بالمال وليس بالرموز. وقد أكّد عدد من الناس أنّهم يكسبون من هذه الألعاب مصروفهم الشخصيّ أو يعيشون منها. وبسبب البعد العالميّ لهذه الشبكة، صارت التيبساتُ سلعة تُباع بين الدول. فأسعارها في الفيليبين أرخص من أوروبا، لذلك ظهرت طبقة من السماسرة تبيع هنا ما تشتريه من هناك. وبالتالي، صار قضاء عشر ساعاتٍ يوميّاً في عالم ألعاب الفيسبوك والاتّصالات أمراً مشروعاً. إنّها ساعات عمل.

آثار الإدمان الفيسبوكيّ

الآثار الجسديّة: صداع، احمرار بالعينين نتيجة الإجهاد البصريّ، تعب عامّ بسبب السهر حتّى ساعاتٍ متأخّرة من الليل، خمول جسديّ بسبب قلّة الحركة، آلام في الرقبة والكتفين والظهر بسبب الجلوس غير الصحّيّ أمام الكمبيوتر، دوالي في السّاقين وبواسير وإمساك بسبب الجلوس الطويل.

الآثار النفسيّة: شعور بالتوتّر عند انقطاع النِت أو عدم القدرة على استعماله، عصبيّة، تمتّع بالانعزال عن العالم الحقيقيّ، هروب من مواجهة الواقع، كسل، حبّ الوحدة، تشبّث بالرأي، حبّ السيطرة، مبالغة في الفضول، تعزيز للأنانيّة، تعب نفسيّ وقلق بانتظار ردّ الآخرين، تسرّع وعدم تركيز، إهمال الهوايات.

الآثار الاجتماعيّة: خلافات مع الآخرين لأنّ التعبير الكتابيّ أضعف من التعبير الكلاميّ حيث تساهم نبرة الصوت والنظرة والابتسامة في إيصال ما أريد قوله بشكلٍ صحيح، ضعف الترابط العائليّ وضمور العلاقات الاجتماعيّة. لم تعد هناك حاجة للزيارة أو التنزّه أو الذهاب إلى المطعم والمسامرة. فالفيسبوك لا يترك لي ما يكفي من الوقت لفعل ذلك، وهو يفي بالغرض إذ يمكّنني من استعمال بدائل عن الحضور الكامل للآخر جسديّاً.

الآثار الفكريّة: لعلّها الأخطر في هذه المسألة. فالإنسان حيوان يفكّر، والفكر هو أهمّ ما يميّزه عن سائر الكائنات. مدمن الفيسبوك لا يطيق قراءة أكثر من بضعة أسطر إذا قرأ، ولا تدوين أفكاره بلغةٍ عربيّة مضبوطة إذا كتب، ويطّلع من مشاركات الآخرين على معلوماتٍ مجتَزَءة من دراساتٍ أو مقالاتٍ، فلا يكتسب ملء فكر المفكِّر الّذي اجتُزِءَ النصّ منه، ولا يتذوّق شعر الشاعر من بيتٍ يتيم ورده. كلّ الفيسبوكيّون يعرفون حال كتابات جبران خليل جبران مثلاً في شبكة التواصل هذه. هل قراءة سطرٍ لجبران يكافئ قراءة قصيدته الكاملة؟ ولعلّ الأخطر هو قضاء ساعاتٍ في قراءة مشاركاتٍ تتشعّب في مواضيعها بين العبارات الحكميّة والنكات والسخرية والتعليقات التافهة والآيات الكتابيّة والأخبار الاجتماعيّة والمعلومات العامّة … فيفقد الفكر قدرته على التركيز بسبب هذا التنوّع غير المترابط. إنّه مثل طالب يدرس، فيقرأ بضعة أسطرٍ من كتاب التاريخ، وأخرى من الجغرافيا، وأخرى من القواعد، وأخرى من الرياضيّات فالفيزياء والعلوم والفلسفة و… هل درس شيئاً أو بقي في ذهنه شيء؟

إنّ ما قلتُه ليس انتقاداً للفيسبوك. فالطعام جيّد، والمبالغة في الأكل مؤذية. مشاهدة فيلمٍ أمر حسن، والمبالغة في المشاهدة مؤذية. الفيسبوك جيّد والإدمان عليه … مؤذٍ.فهل أنتَ مدمن على الفيسبوك؟

نقلاً عن موقع الآباء اليسوعيون في الشرق، بقلم الدكتورة كريستين حلاّق، طبيبة نسائيّة بدمشق
ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
مذبحة داخل مدرسة مسيحية ضحيّتها أطفال أبرياء
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أنياز بينار لوغري
هجوم بالسكين قرب كنيسة في نيس والحصيلة ثلاثة ...
OLD WOMAN, WRITING
سيريث غاردينر
رسالة مهمة من إيرلندية تبلغ من العمر 107 أعوا...
هيثم الشاعر
رئيس وزراء ماليزيا السابق في أبشع تعليق على م...
غيتا مارون
في لبنان… قصدت عيادة الطبيب، لكنها تفاجأت بتس...
Medjugorje
جيلسومينو ديل غويرشو
ممثل البابا: "الشيطان موجود في مديغوريه، ولا ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً