Aleteia
الأربعاء 28 أكتوبر
أخبار

كلمة البابا الى اساقفة البرازيل

© ALESSIA GIULIANI/CPP

أليتيا - تم النشر في 31/07/13

الكنيسة لا تستطيع التخلي عن البساطة

أليثيا – ننشر في ما يلي الكلمة التي وجهها البابا فرنسيس الى أساقفة البرازيل خلال لقائه بهم في ريو دي جانييرو خلال يوم الشبيبة العالمي


أيها الإخوة الأعزاء،

كم من الجيد أن أكون هنا معكم يا أساقفة البرازيل!

شكراً لمجيئكم واسمحوا لي أرجوكم أن أتحدث معكم كما يتحدث المرء بين أحبائه. لذلك، أفضل مخاطبتكم بالإسبانية، لكي أعبر بشكل أفضل عما أحمله في قلبي. أطلب منكم السماح.

إننا نجتمع على انفراد في هذا المكان الذي أعده أخونا رئيس الأساقفة أوراني تيمبيستا لكي نكون لوحدنا ونتحدث مع بعضنا البعض من القلب كرعاة أوكل إليهم الله قطيعه. ينتظرنا في شوارع ريو شباب من كافة أنحاء العالم وكثيرون غيرهم لأنهم محتاجون إلى أن تبلغهم نظرة الرحمة من المسيح الراعي الصالح الذي نُدعى إلى جعله حاضراً. لذا، دعونا نتمتع بهذه الفترة من الراحة وتبادل الأفكار والأخوة الحقيقية.

ابتداءً من رئيس مجلس الأساقفة ورئيس أساقفة ريو دو جانيرو، أريد أن أعانق كل واحد منكم، وبشكل خاص الأساقفة الفخريين.

إضافة إلى الكلمة الرسمية، أريد أن أشارككم بعض التأملات.

خطر في بالي التأمل الأول عندما زرت مزار أباريسيدا. هناك، تحت تمثال الحبل بلا دنس، صليت من أجلكم ومن أجل كنائسكم وكهنتكم ورهبانكم وراهباتكم، ومن أجل الإكليريكيين، والعلمانيين وعائلاتهم، وبشكل خاص، من أجل الشباب والمسنين لأن هؤلاء الأخيرين هم رجاء الأمة؛ فالشباب يحملون القوة والمثالية والرجاء للمستقبل؛ والمسنون

يمثلون ذاكرة الشعب وحكمته. (1)

1.    أباريسيدا: مفتاح لتفسير رسالة الكنيسة

في أباريسيدا، منح الله أمه للبرازيل. ولكن، في أباريسيدا، قدم الله أيضاً درساً عن ذاته، عن طريقة كينونته وعمله. إنه درس عن التواضع الذي يعتبر إحدى ميزات الله الأساسية، الجزء من حمض الله النووي. تقدم لنا أباريسيدا تعليماً خالداً عن الله وعن الكنيسة؛ تعليماً يجب ألا يُنسى لا من قبل الكنيسة في البرازيل ولا من قبل الأمة بذاتها.

في بداية حدث أباريسيدا، كان هناك صيادو سمك فقراء يبحثون عن الطعام. هناك جوع كثير وموارد قليلة جداً. يحتاج الناس دوماً إلى الخبز. يبدأ الناس دوماً باحتياجاتهم، حتى اليوم.

مركبهم خرب وتجهيزاته سيئة؛ وشباكهم قديمة وربما ممزقة وغير كافية. يأتي المجهود أولاً، وربما إرهاق الصيد، لكن النتائج تافهة تتمثل بالفشل وإضاعة الوقت. بعد عملهم كله، تظهر الشباك فارغة.

بعدها، عندما يشاء الله، يدخل إلى المشهد بشكل سري. إن المياه عميقة ولكنها تخفي دوماً إمكانية تجلي الله. لقد ظهر بشكل غير متوقع، ربما عندما لم يعد متوقعاً. فإن صبر الذين ينتظرونه يخضع دوماً للاختبار. وصل الله بشكل جديد بما أنه يستطيع دوماً إعادة إبداع ذاته. ظهر كتمثال هش من الطين أصبح داكناً بفعل مياه النهر وقديماً مع مرور الزمن. يدخل الله دوماً بلباس الفقر والصغر.

إنه تمثال الحبل بلا دنس. أولاً، ظهر الجسد ومن ثم الرأس، وبعدها تم ضم الرأس إلى الجسد، فحصلت الوحدة. رمم ما كان مكسوراً وأصبح واحداً. لقد قسمت البرازيل الاستعمارية بفعل جدار الاسترقاق المخزي. تظهر سيدة أباريسيدا بوجع أسود، مجزأة أولاً ومن ثم موحدة في يدي الصيادين.

هنا، يريد الله أين يعلمنا رسالة ثابتة. إن جماله المنعكس في أمه التي حبل بها بلا خطيئة أصلية، ينبثق من ظلام النهر. في أباريسيدا، كانت رسالة الله منذ البدء رسالة ترميم ما كُسر وإعادة توحيد ما قُسم. يجب أن تختفي الجدران والانقسامات والاختلافات التي لا تزال قائمة اليوم. لا تستطيع الكنيسة أن تهمل هذا الدرس. إنها مدعوة إلى أن تكون وسيلة مصالحة.

لا يصرف الصيادون النظر عن السر الذي وجدوه في النهر، حتى ولو أنه يبدو سراً غير كامل. لا يرمون أجزاء السر. بل ينتظرون اكتماله. ولا يتطلب ذلك وقتاً طويلاً. هناك حكمة هنا لا بد لنا من تعلمها. هناك أجزاء من السر نجدها ونراها كحجارة فسيفساء. ينفد صبرنا ونتوق لرؤية الصورة كاملة، لكن الله يجعلنا نرى الأمور ببطء وهدوء.

ينبغي على الكنيسة أيضاً أن تتعلم كيفية الانتظار.

بعدها، يحمل الصيادون السر إلى ديارهم. فالناس العاديون يجدون على الدوام مكاناً لأخذ السر معهم. لربما اختزلنا نحن طريقة تحدثنا عن السر بتفسيرات عقلانية؛ ولكن بالنسبة إلى الأشخاص العاديين، فإن السر يدخل عبر القلب. في منازل الفقراء، يجد الله مكاناً له على الدوام.

"يحزم" الصيادون السر، ويكسون العذراء المسحوبة من المياه كما لو أنها كانت تشعر بالبرد وتحتاج إلى الدفء. يطلب الله ملجأ في أكثر جزء دافئ فينا أي في قلبنا. يصدر الله بنفسه الحرارة التي نحتاجها، لكنه يدخل اولاً كمتسول ذكي. يغلف الصيادون سر العذراء بغطاء إيمانهم المتواضع. يدعون جيرانهم لرؤية جماله الذي أعيد اكتشافه؛ يجتمعون كلهم ويسردون محنهم بحضوره ويوكلون قضاياهم إليه. هكذا، يسمحون للتدبير الإلهي بأن يتحقق. تحل نعمة أولاً، ومن ثم تحل أخرى؛ تؤدي نعمة إلى أخرى؛ تحضر نعمة لنعمة أخرى. يكشف الله تدريجياً تواضع قدرته السري.

يمكننا أن نتعلم الكثير من مقاربة الصيادين، عن كنيسة تفسح المجال لسر الله؛ كنيسة تؤوي ذلك السر بحيث يغري الناس ويجذبهم. وحده جمال الله يستطيع أن يجذب. إن أسلوب الله يتم عبر الجذب والإغراء. يسمح الله بأن يُحمل إلى البيت. يوقظ فينا رغبة في الاحتفاظ به وبحياته في بيوتنا وفي قلوبنا. يوقظ فينا مجدداً رغبة في دعوة جيراننا في سبيل إظهار جماله. إن الرسالة تولد تحديداً من هذا الإغراء الإلهي، من خلال هذا الانذهال الناشئ عن اللقاء. إننا نتحدث عن الرسالة، عن كنيسة إرسالية. أفكر في أولئك الصيادين الذين يدعون جيرانهم لرؤية سر العذراء. من دون بساطة مقاربتهم، تبوء رسالتنا بالفشل.

تحتاج الكنيسة على الدوام أن تتعلم من جديد درس أباريسيدا. يجب ألا تنساه. إن شباك الكنيسة ضعيفة وربما مرقعة؛ إن مركب الكنيسة ليس قوياً كالسفن الكبيرة التي تعبر المحيط الأطلسي. مع ذلك، يريد الله أن يُرى تحديداً من خلال مواردنا، وإن كانت ضئيلة لأنه هو دوماً الذي يعمل.

أيها الإخوة الأعزاء، لا تعتمد نتائج عملنا الرعوي على ثروة الموارد، بل على إبداع المحبة. يجب أن نتأكد أن المثابرة والجهد والعمل الشاق والتخطيط والتنظيم موجودة كلها، ولكن ينبغي علينا أولاً أن ندرك أن قدرة الكنيسة لا تكمن فيها؛ إنها مخفية في مياه الله العميقة التي تدعى إلى رمي شباكها فيها.

إن الرسالة الأخرى التي تدعى الكنيسة إلى تذكرها على الدوام هي أنها لا تستطيع التخلي عن البساطة؛ وإلا ستنسى كيفية التحدث بلغة السر. لا تبقى فقط خارج باب السر، لكنها تثبت أنها عاجزة عن التقرب من أولئك الذين ينظرون إلى الكنيسة من أجل أمر لا يستطيعون هم أنفسهم تأمينه أي الله نفسه. أحياناً، نفقد أشخاصاً لأنهم لا يفهمون ما نقوله، لأننا نسينا لغة البساطة ونستورد عقلانية غريبة عن شعبنا. من دون قواعد البساطة، تفقد الكنيسة الشروط التي تسمح بـ "صيد" الله في مياه سره العميقة.

في فكرة أخيرة، أقول أن أباريسيدا حصلت عند مفترق طرق. إن الطريق التي كانت تربط ريو العاصمة بساو باولو، المقاطعة الواسعة الحيلة التي كانت قيد النشوء، وميناس جيرايس، المناجم المرغوب بها من قبل محاكم أوروبا، كانت تقاطعاً رئيسياً في البرازيل الاستعمارية. يظهر الله عند مفترق الطرق. لا يمكن للكنيسة في البرازيل أن تنسى هذه الدعوة التي كانت موجودة منذ لحظة ولادتها: أن تكون قلباً نابضاً، وتجمع وتنشر.

2.    تقدير الدرب التي تسلكها الكنيسة في البرازيل

لطالما خصص أساقفة روما مكاناً خاصاً في قلوبهم للبرازيل وكنيستها. لقد أُنجزت رحلة رائعة. بعد أن كانت تضم اثنتي عشرة أبرشية خلال المجمع الفاتيكاني الأول، تضم الآن 275 إقليماً. لم يكن ذلك توسع منظمة أو مشروع تجاري، وإنما ديناميكية القصة الواردة في الإنجيل عن "الأرغفة الخمسة والسمكتين" التي حملت ثماراً جمة بفضل سخاء الآب والعمل بلا كلل.

اليوم، أريد أن أعبر عن شكري لعملكم الوافر كرعاة في كنائسكم المحلية. أفكر في الأساقفة في الغابات الذين يسافرون عبر الأنهار صعوداً ونزولاً، في المناطق شبه القاحلة، في البانتانال، في السهول الخصبة، في الأدغال الحضرية في مدنكم المترامية الأطراف. أحبوا دوماً قطيعكم بتفان تام! كذلك، أفكر في جميع الأسماء والوجوه التي طبعت رحلة الكنيسة في البرازيل بشكل لا يمحى، ما جعل سخاء الرب الكبير تجاه هذه الكنيسة ملموساً (2).

لم يكن أساقفة روما بعيدين أبداً. لقد تابعوا هذه الرحلة وشجعوها ودعموها. خلال العقود الأخيرة، حث الطوباوي يوحنا الثالث والعشرون الأساقفة البرازيليين على رسم مخططهم الرعوي الأول، ومن تلك البداية، نشأ تقليد رعوي حقيقي في البرازيل، تقليد منع الكنيسة من الانحراف، ووفر لها بوصلة موثوقة. وشجع خادم الله بولس السادس قبول المجمع الفاتيكاني الثاني ليس فقط بأمانة وإنما أيضاً بإبداع (راجع الجمعية العامة لمجلس أساقفة أميركا اللاتينية في ميديلين)، وأثر بشكل حاسم على هوية الكنيسة في البرازيل من خلال السينودس حول الكرازة الإنجيلية، والمرجع الأساسي الذي هو الإرشاد الرسولي Evangelii Nuntiandi. بدوره، زار الطوباوي يوحنا بولس الثاني البرازيل ثلاث مرات، متجولاً في البلاد من الشمال إلى الجنوب، ومشدداً على رسالة الكنيسة الرعوية، وشركتها ومشاركتها، وإعدادها لليوبيل الكبير والكرازة الإنجيلية الجديدة. كما اختار بندكتس السادس عشر أباريسيدا كموقع للجمعية العامة الخامسة لمجلس أساقفة أميركا اللاتينية، مما ترك أثراً عميقاً في الكنيسة في القارة جمعاء.

رحبت الكنيسة في البرازيل بالمجمع الفاتيكاني الثاني وطبقته بطريقة خلاقة. وإن المسار الذي اعتمدته، من خلال ضرورة تخطي بعض المشاكل الشائكة، أدى إلى كنيسة أكثر نضوجاً وانفتاحاً وسخاءً وتبشيراً.

حالياً، تغير الزمن. تقول وثيقة أباريسيدا أن زمننا ليس زمن تغيير، بل تغييراً في الزمن. لذا، نحتاج اليوم وبشكل ملح أن نستمر في طرح السؤال التالي: ماذا يطلب الله منا؟ أود الآن أن أعرض بعض الأفكار كسبيل للإجابة.

3.    أيقونة عماوس كمفتاح لتفسير الحاضر والمستقبل

قبل كل شيء، يجب ألا نستسلم للخوف الذي عبر عنه الطوباوي جون هنري نيومان: "… يصبح العالم المسيحي تدريجياً قاحلاً وعقيماً كأرض تم العمل فيها وأصبحت رملاً". (3) يجب ألا نستسلم لخيبة الأمل والإحباط والتذمر. عملنا بشكل عظيم، وأحياناً نرى ما يبدو فشلاً. نشعر كأولئك الذين ينبغي عليهم عد موسمهم الخاسر، فيما نفكر في أولئك الذين غادرونا أو توقفوا عن اعتبارنا صادقين أو مناسبين.

في ضوء ذلك، دعونا نقرأ مجدداً قصة عماوس (لو 24: 13، 15). ترك التلميذان أورشليم. تركا وراءهما "عري" الله. أغاظهما فشل المسيح الذي وضعا رجاءهما فيه والذي ظهر الآن مهزوماً وذليلاً تماماً، حتى بعد اليوم الثالث (17-21). هنا، ينبغي علينا أن نواجه السر الصعب لأولئك الذين يتركون الكنيسة، والذين يفكرون الآن في ظل وهم أفكار بديلة أن الكنيسة – أورشليمهم – لا تستطيع أن تقدم لهم بعد الآن أي شيء معبر ومهم. لذا، يسيرون على الطريق لوحدهم مع خيبتهم. ربما ظهرت الكنيسة ضعيفة جداً، ربما بعيدة جداً عن احتياجاتهم، ربما فقيرة جداً للإجابة عن مخاوفهم، ربما باردة جداً، ربما أسيرة ذاتها، ربما أسيرة صيغها القاسية، ربما يبدو أن العالم جعل الكنيسة ذخيرة من الماضي غير مؤهلة لأسئلة جديدة؛ ربما تستطيع الكنيسة التحدث مع الناس في طفولتهم وإنما ليس مع من بلغوا سن الرشد. (4) في الواقع، هناك اليوم كثيرون مثل تلميذي عماوس؛ ليس فقط أولئك الذين يبحثون عن إجابات في المجموعات الدينية الجديدة الناشئة، وإنما أيضاً أولئك الذين يبدون ملحدين من حيث النظرية والممارسة.

أمام هذا الوضع، ماذا يجب أن نفعل؟

نحتاج إلى كنيسة لا تخاف من التقدم في ليلهم. نحتاج إلى كنيسة قادرة على ملاقاتهم على طريقهم. نحتاج إلى كنيسة قادرة على الدخول في محادثاتهم. نحتاج إلى كنيسة قادرة على التحاور مع أولئك الرسل الذين تخلوا عن أورشليم ويتجولون بلا هدف لوحدهم خائبي الأمل بمسيحية تعتبر الآن عقيمة وأرضاً غير مثمرة وعاجزة عن إنتاج المعنى.

إن عملية العولمة القاسية وعملية التمدن المطلقة أحياناً وعدتا بأمور عظيمة. افتتن كثيرون بقدرة العولمة التي تحتوي بالطبع على عناصر إيجابية. لكن كثيرين أيضاً يغضون الطرف كلياً عن جانبها المظلم: فقدان الشعور بمعنى الحياة، الانحلال الذاتي، خسارة تجربة الانتماء إلى أي "عش" أياً يكن، العنف الرقيق وإنما القاسي، التجزئة والتفكك الداخليين للعائلات، الوحدة والهجر، الانقسامات، والعجز عن الحب والمسامحة والفهم، السم الداخلي الذي يحول الحياة إلى جحيم، الحاجة إلى الحنان بسبب مشاعر الضعف والتعاسة، المحاولة الفاشلة لإيجاد إجابة في المخدرات والكحول والجنس التي تصبح سموماً إضافية.

كذلك، سعى كثيرون إلى طرق مختصرة، إذ يبدو أن المعايير الموضوعة من قبل الكنيسة الأم متطلبة كثيراً. يفكر كثيرون: "إن فكرة الكنيسة عن الإنسان هي سامية جداً بالنسبة لي، ومثال الحياة الذي تقدمه يتجاوز قدراتي، والهدف الذي تضعه لا يمكن بلوغه وهو بعيد عن متناولي.

مع ذلك، – يقولون – لا أستطيع العيش من دون أن أملك على الأقل شيئاً بسيطاً يشبه ما هو سامٍ بالنسبة لي، ما أستطيع تحمله. حينها، يذهبون بقلوب خائبة للبحث عن شخص يضللهم أكثر.

إن الشعور العظيم بالهجر والوحدة، وحتى بعدم الانتماء إلى الذات، الذي غالباً ما ينتج عن هذا الوضع، يكون صعباً جداً بحيث لا يمكن إخفاؤه. إن التحرر من الشعور ضروري. هناك دائماً خيار التذمر: كيف وصلنا إلى هذه المرحلة؟ يعمل التذمر ككيد مرتد، يرتد ويزيد تعاسة الشخص. وهناك بعض الناس الذين يستطيعون أن يسمعوا صوت الألم؛ وأفضل ما يمكننا القيام به هو تخديره.

اليوم، نحتاج إلى كنيسة قادرة على السير إلى جانب الناس، والقيام بما هو أكثر من الإصغاء إليهم؛ كنيسة ترافقهم في مسيرتهم؛ كنيسة قادرة على إعطاء معنى لـ "الليل" الموجود في هرب كثيرين من إخوتنا وأخواتنا من أورشليم؛ كنيسة تدرك أن أسباب مغادرة الناس تحتوي أيضاً على أسباب إمكانية عودتهم. ولكننا نحتاج إلى أن نعرف كيف نفسر الصورة الأكبر بشجاعة.

أود أن نتساءل اليوم جميعاً: هل لا نزال كنيسة قادرة على تدفئة القلوب؟ كنيسة قادرة على إرشاد الناس للعودة إلى أورشليم، على إعادتهم إلى ديارهم؟

أورشليم هي حيث توجد جذورنا: الكتاب المقدس، التعليم الديني، الأسرار، الجماعة، الصداقة مع الرب، مريم والرسل… هل لا نزال قادرين على التحدث عن هذه الجذور بشكل يعيد إحياء شعور بالانذهال بجمالها؟

كثيرون هم الذين غادروا لأنهم وُعدوا بما هو أكثر سمواً وقوة وسرعة.

ولكن، ما هو الأسمى من المحبة المتجلية في أورشليم؟ لا شيء أسمى من قبول قوة الصليب، لأننا هناك نتقرب حقاً من ذروة المحبة! هل لا نزال قادرين على إظهار هذه الحقيقة لأولئك الذين يعتقدون أن قمة الحياة توجد في مكان آخر؟

هل نعرف ما هو أقوى من القوة الكامنة في ضعف المحبة والصلاح والحقيقة والجمال؟

يشعر الناس اليوم بالانجذاب إلى أمور أكثر سرعة: اتصالات الإنترنت السريعة، السيارات والطائرات السريعة، العلاقات الفورية. ولكننا في الوقت عينه نرى حاجة ماسة إلى الهدوء، وإلى البطء. هل لا تزال الكنيسة قادرة على التحرك ببطء: على الإصغاء والتحلي بالصبر لكي تصلح وتجمع؟ أو هل الكنيسة بذاتها هي أسيرة السعي الجنوني إلى الفعالية؟ أيها الإخوة الأحباء، دعونا نستعد الهدوء لنتمكن من السير مع حجاجنا بالوتيرة ذاتها، ونبقى إلى جانبهم، وبقربهم، ونسمح لهم بالتحدث عن خيبات الأمل الموجودة في قلوبهم والسماح لنا بمعالجتها. يريدون نسيان أورشليم حيث توجد أصولهم، لكنهم سيختبرون الظمأ. نحتاج إلى كنيسة قادرة على مرافقتهم على طريق العودة إلى أورشليم! كنيسة قادرة على مساعدتهم على إعادة اكتشاف الأمور المجيدة والسعيدة المروية عن أورشليم، والفهم بأنها أمي، أمنا، وأننا لسنا أيتاماً! لقد ولدنا فيها. أين هي أورشليمنا، أين ولدنا؟ في المعمودية، في لقاء

المحبة الأول، في دعوتنا، في موهبتنا. (5)

نحتاج إلى كنيسة قادرة على إعادة المواطنية لأبنائها الكثيرين الذين يسافرون كما لو أنهم في هجرة.

4.    التحديات التي تواجه الكنيسة في البرازيل

في ضوء ما قلته آنفاً، أود التشديد على عدة تحديات تواجه الكنيسة العزيزة في البرازيل.

التنشئة كأولوية: الأساقفة، الكهنة، الرهبان والعلمانيون

أيها الإخوة الأعزاء، إذا لم ندرب خداماً قادرين على تدفئة قلوب الناس والسير معهم في الليل، والتحاور مع آمالهم وخيباتهم، وترميم انكسارهم، ما الأمل الذي نتمتع به لرحلتنا الحاضرة والمستقبلية؟ ليس صحيحاً أن حضور الله أصبح ضعيفاً فيهم. دعونا نتعلم أن ننظر إلى الأمور بمزيد من العمق. ما ينقص هو شخص يدفئ قلوبهم كما حصل مع تلميذي عماوس (لو 24، 32).

لذلك، من المهم ابتكار وضمان تنشئة ملائمة، تنشئة ستؤمن أشخاصاً قادرين على التقدم في الليل من دون أن يغلبهم الظلام ويفقدوا اتجاهاتهم؛ قادرين على الإصغاء إلى أحلام الناس من دون التعرض للإغراءات ومشاركة خيباتهم ومن دون أن يفقدوا الرجاء ويصبحوا ساخرين؛ قادرين على التعاطف مع انكسار الآخرين من دون فقدان قوتهم وهويتهم.

هناك حاجة إلى تنشئة بشرية وثقافية وفعالة وروحية وعقائدية راسخة. (6) أيها الأساقفة الإخوة الأعزاء، هناك حاجة إلى الشجاعة للمباشرة بإعادة النظر بعمق في البنى القائمة من أجل تنشئة وإعداد إكليروس وعلمانيي الكنيسة في البرازيل. لا يكفي اعتبار التنشئة أولوية غامضة، سواء في الوثائق أم في اللقاءات. هناك حاجة إلى الحكمة العملية لإنشاء بنى تربوية دائمة على الصعد المحلية والإقليمية والوطنية، والاهتمام بها جدياً كأساقفة من دون توفير أي جهد واهتمام ومصلحة شخصية. يدعو الوضع الراهن إلى تنشئة رفيعة المستوى على كل صعيد. لا يمكن للأساقفة تفويض هذه المهمة. لا يمكنكم تفويض هذه المهمة، بل ينبغي عليكم قبولها كشيء أساسي من أجل مسيرة كنائسكم.

الزمالة والتضامن في مجلس الأساقفة

تحتاج الكنيسة في البرازيل إلى أكثر من زعيم وطني؛ تحتاج إلى شبكة من "الشهادات" الإقليمية التي تتكلم اللغة عينها وتضمن في كل مكان لا الإجماع بل الوحدة الحقيقية في ثروة التنوع.

إن الشركة هي نسيج يجب حياكته بصبر ومثابرة، نسيج "يقرب الغرز" لتكوين غطاء أكثر شمولية وسماكة. فالغطاء البالي لا يؤمن الدفء.

من المهم تذكر أباريسيدا، طريقة جمع التنوع. لسنا بصدد تنوع كبير في الأفكار في سبيل إنتاج وثيقة، وإنما تنوع في طرق اختبار الله في سبيل وضع عملية حيوية متحركة.

عاد تلميذا عماوس إلى أورشليم متحدثين عن اختبارهم للقاء المسيح القائم من بين الأموات. هناك، علما بتجليات أخرى للرب وبما يختبره إخوتهم وأخواتهم. إن مجلس الأساقفة هو تحديداً مجال حيوي يسمح بهذا التبادل للشهادات عن اللقاءات مع القائم من بين الأموات، في الشمال والجنوب والغرب… بالتالي، لا بد من تقدير أعظم للعناصر المحلية والإقليمية.

إن البيروقراطية المركزية ليست كافية؛ هناك حاجة أيضاً إلى المزيد من الزمالة والتضامن. هذا ما سيكون مصدر إثراء حقيقي للجميع. (7)

حالة الرسالة الدائمة والهداية الرعوية

تحدثت أباريسيدا عن حالة الرسالة الدائمة (8) وعن ضرورة الهداية الرعوية (9). هاتان النتيجتان الصادرتان عن تلك الجمعية هما مهمتان للكنيسة جمعاء في المنطقة، وإن التقدم الذي أحرز في البرازيل حول هاتين النقطتين كان ملحوظاً.

بالنسبة إلى الرسالة، لا بد لنا أن نتذكر أن إلحاحيتها تنشأ عن حافزها الداخلي؛ بمعنى آخر، إنها نقل إرث. وبالنسبة إلى الطريقة، من المهم الإدراك بأن الإرث هو متعلق بالشهادة، إنه كالهراوة في سباق المراحل: هي لا ترمى في الهواء لمن يستطيع التقاطها، فيقوم من لا يلتقطها بتدبر أمره من دونها. في سبيل نقل إرث ما، يحتاج المرء إلى تسليمه شخصياً للمس الشخص المراد إعطاؤه هذا الإرث.

عن الهداية الرعوية، أود أن أذكر بأن "الاهتمام الرعوي" ما هو إلا ممارسة أمومة الكنيسة. إنها تلد، وترضع، وتنمي، وتصحح، وتغذي، وترشد… لذا، نحتاج إلى كنيسة قادرة على إعادة اكتشاف حشا الرحمة الأمومي. من دون الرحمة، تكون حظوظنا قليلة اليوم لكي نكون جزءاً من عالم من الناس "المجروحين" الذين يحتاجون إلى الفهم والمغفرة والمحبة.

في الرسالة، من المهم على صعيد قاري أيضاً (10) إعادة التأكيد على العائلة التي تبقى الخلية الأساسية في المجتمع والكنيسة؛ الشباب الذين هم وجه مستقبل الكنيسة؛ والنساء اللواتي يؤدين دوراً أساسياً في نقل الإيمان. دعونا لا نختزل التزام النساء في الكنيسة، بل نعزز دورهن الفاعل في الجماعة الكنسية. بفقدان النساء، تعيش الكنيسة خطر الإصابة بالعقم.


مهمة الكنيسة في المجتمع

في سياق المجتمع، هناك شيء واحد فقط تطلبه الكنيسة بوضوح: إنها حرية إعلان الإنجيل بكليته، حتى عندما يكون ضد العالم، حتى عندما يكون ضد التيار. بالقيام بذلك، تدافع عن كنوز تكون هي حارستها، وعن قيم لا تخلقها بل تتلقاها، ويجب أن تبقى أمينة لها.

تطالب الكنيسة بالحق في خدمة الإنسان بكليته، والتحدث عما كشفه الله عن الكائنات وتحققها. تريد الكنيسة أن تؤكد حضور الإرث الثقافي الذي من دونه ينهار المجتمع وتغرق المدن بجدرانها وفجواتها وحواجزها. يحق للكنيسة وينبغي عليها أن تحافظ على إبقاء شعلة الحرية والوحدة البشريتين.

إن التربية والصحة والوئام الاجتماعي هي شؤون ملحة في البرازيل. لدى الكنيسة رأي في هذه المسائل، لأن أي استجابة ملائمة لهذه التحديات تدعو إلى أكثر من مجرد حلول تقنية؛ يجب أن تكون هناك رؤية للإنسان وحريته وقيمته وانفتاحه على السامي. أيها الإخوة الأساقفة الأعزاء، لا تخافوا من تقديم هذا الإسهام الكنسي الذي يفيد المجتمع ككل.

حوض الأمازون كاختبار للكنيسة والمجتمع في البرازيل

هناك نقطة أخيرة أريد التوقف عندها، نقطة أعتبرها ملائمة للمسيرة الحالية والمستقبلية ليس فقط للكنيسة البرازيلية، وإنما للمجتمع بأسره. إنها مسألة حوض الأمازون. إن حضور الكنيسة في حوض الأمازون ليس حضور شخص مع حقائب موضبة ومستعد للمغادرة بعد استغلال كل شيء ممكن. إن الكنيسة حاضرة في حوض الأمازون منذ البداية، في إرسالياتها وجمعياتها الدينية، ولا تزال حاضرة وحاسمة لمستقبل المنطقة. أفكر في الترحيب الذي تقدمه الكنيسة حتى اليوم للمهاجرين الهايتيين بعد الزلزال الرهيب الذي هز بلادهم.

أود أن أدعو الجميع للتفكير في ما قالته وثيقة أباريسيدا عن حوض الأمازون (11)، ودعوتها القوية إلى احترام وحماية الخليقة جمعاء التي أوكلها الله إلى الإنسان، لا لكي تُستغل بشكل عشوائي، بل لكي تحول إلى حديقة. بالنظر إلى التحدي الرعوي الذي يمثله حوض الأمازون، أعبر عن شكري لجميع ما تقوم به الكنيسة في البرازيل. فإن اللجنة الأسقفية لحوض الأمازون التي تأسست سنة 1997 أثبتت فعاليتها. كما استجابت عدة أبرشيات بسهولة وسخاء للدعوة من أجل التضامن من خلال إرسال مبشرين علمانيين وكهنة. أشكر رئيس الأساقفة خايمي تشيميلو الرائد في هذا المجهود، والكاردينال هومس، الرئيس الحالي للجنة. وأضيف أن عمل الكنيسة يتطلب المزيد من التشجيع والتجدد. هناك حاجة إلى معدّين مميزين، بخاصة إلى أساتذة لاهوت، من أجل تعزيز النتائج التي تحققت في مجال تدريب رجال دين محليين وتأمين كهنة ملائمين للأوضاع المحلية وملتزمين بتعزيز وجه الكنيسة الأمازوني.

أيها الإخوة الأساقفة الأعزاء، حاولت أن أقدم لكم بروح أخوية بعض التأملات والمقاربات لكنيسة مثل الكنيسة في البرازيل التي هي فسيفساء عظيمة مكونة من قطع وصور وأشكال ومشاكل وتحديات مختلفة، وإنما التي تشكل كنزاً عظيماً لهذا السبب. الكنيسة ليست تماثلاً أبداً، وإنما هي تنوع متناغم في وحدة. وهذا ينطبق على كافة الوقائع الكنسية.

لتكن عذراء أباريسيدا، النجمة التي تنير مهمتكم ورحلتكم لحمل المسيح، كما فعلت هي، لجميع الرجال والنساء في بلادكم الكبيرة. وكما فعل مع تلميذي عماوس الضائعين والخائبين، سيدفئ قلوبكم ويعطيكم رجاء جديداً وأكيداً.


(1)          تشدد وثيقة أباريسيدا كيف يبني الأطفال والشباب والمسنين مستقبل الشعوب (رقم 447).

(2)          أذكر مثلاً بالبعض منهم: لورشيدير، مينديس دي ألميدا، ساليس، فيتال، كامارا، ماسيدو… إضافة إلى الأسقف الأول في البرازيل بيرو فرنانديس ساردينيا (1551/1556) الذي قتلته قبائل محلية عدائية.

(3)          رسالة 26 يناير 1833 إلى أمه. رسائل ويوميات جون هنري نيومان، المجلد الثالث (أوكسفورد، 1979)، ص. 204.

(4)          تقدم وثيقة أباريسيدا عرضاً تأليفياً للأسباب الفعلية الكامنة وراء هذه الظاهرة (رقم 225).

(5)          راجع النقاط الأربع التي ذكرتها وثيقة أباريسيدا (رقم 226).

(6)          تولي وثيقة أباريسيدا اهتماماً كبيراً لتنشئة الإكليروس والعلمانيين على حد سواء (316-325؛ 212).

(7)          لهذا الجانب، تقدم وثيقة أباريسيدا خطوط مقاربة مهمة (181-183؛ 189).

(8)          راجع رقم 216.

(9)          راجع 365-372.

(10)    تشدد استنتاجات مؤتمر أباريسيدا على تأييد كنيسة مبشرة بطبيعتها، وموجودة من أجل التبشير بجرأة وحرية على كافة الصعد (547-554).

(11)    راجع بخاصة رقمي 83-87 ومن وجهة نظر مخطط رعوي وحدوي، رقم 475.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
يوم الشبيبة العالمي
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
غيتا مارون
صلاة رائعة كتبها الشهيد اللبناني فتحي بلدي
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
PAPIEŻ FRANCISZEK
الأب فادي عطالله
قداسة البابا والمثليين الجنسيين
José Manuel De Jesús Ferreira
عون الكنيسة المتألمة
بيان عون الكنيسة المتألمة حول مقتل الأب خوسيه...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً