Aleteia
الخميس 22 أكتوبر
نمط حياة

دور الديانة في الدول بين الشرق والغرب

abouna.org

أليتيا - تم النشر في 08/07/13

"أدّوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله".


(بقلم الأب بيتر مدروس) لا يقدر المرء أن يتجاهل ما حصل في مصر الشّقيقة ، من جهة ، ولا أن يتطفّل على العالم الإسلاميّ ، من جهة أخرى، إذ أنّ "أهل مكّة أدرى بشعابها" وقوم مصر أعلم ببلادهم وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم. ولكن لا تمنع هذه التحفّظات أن يميّز المرء بين ديانة وأتباعها ، ولا أن يدرس ظاهرتين متناقضتين هما إقصاء الدين المسيحيّ بشكل منهجيّ من دساتير الدول الغربيّة ، وكلّ المحاولات لطمسه ، ولمحو القيم المسيحية حتّى العائليّة الزوجيّة ، وفي الشرق الأوسط وسواه البحث المستمرّ في مدى نفوذ الدين في حكم الأمم.

العلمانيّة المقبولة (لايسيتي) والعلمانيّة المرفوضة (لايسيزم)

يميّز قداسة البابا بندكتوس السادس عشر الكبير ، بين العلمانية السّليمة التي ما نبعت عن "الثورة الفرنسية" ،ولا عن "خارطة حقوق الإنسان" ،بل عن السيّد المسيح نفسه الذي أعلن "فصلاً" لا صراعاً بين المسيحيّة والدولة (حينها كانت الرّومانيّة) : "أدّوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وبما أنّ المسيح نفسه أعلن للوالي الروماني بونطيوس بيلاطوس :"إنّ مملكتي ليست من هذا العالم" (يوحنّا 18 : 36) ، فكان لا بدّ لرجال الكهنوت الذين أخذوا مناصب سياسيّة أن يعدلوا عنها كي يتفرّغوا – شأن الرسل أي الحواريين (أعمال الرسل 6) – لإعلان كلمة الله ، مع التدبير والتقديس لشعب الله. ورفض أمير الرسل بطرس أن يرعى الكهنة – وهو "الكاهن معهم – شعب الله كرهاً بل طوعاً ، ولا رغبة في مكسب خسيس بل لما فيهم من حميّة" ( بطرس الأولى 5 : 1) وتابع

ومن مزايا العلمانيّة المقبولة، عدم تمييزها بين المواطنين على أساس دياناتهم ولا على أساس أصولهم. وفي هذا أيضاً تتبع عن هدى الإنجيل الطاهر ونوره إذ " أنتم جميعاً أخوة" ، وكلّ إنسان هو "قريبك" (عن لوقا 10 : 25 وتابع) ،وبما أنّ المسيح أنقذنا "من كلّ قبيلة ولسان وشعب وأمّة" . وأحسب أنّ "الشّعوبية" مرفوضة أيضاً في العالم العربي القديم منه والحديث ، أي التعصّب القوميّ الذي يقلّل من قدر البشر المنتمين إلى أجناس أخرى.

العلمانيّة المرفوضة الملحدة اللاأخلاقيّة المزدرية للأديان

وهذا هو الوضع ، مع الأسف الشّديد ، في الغرب حيث أمست "العلمانيّة" ذريعة للانحرافات البغيضة ، ولتدمير الأسرة وتقويض الزواج والسماح بالمناظر والعروض المؤذية ، والإهانات للرموز الدينية المسيحيّة ، ألف مرّة أكثر من المسّ بالديانات الأخرى ولا سيّما العبرية ورموزها وشخصيّاتها. وهكذا انقلبت "العلمانيّة" عدوّة للدين بشكل عام ، وللمسيحيّة بشكل خصوصي ، وللكنيسة الكاثوليكية بشكل أكثر خصوصيّة وأوفر ظلماً ونكراناً للجميل.

وهنا يحلو للمرء أن يستشهد بالمؤرّخة الإيطاليّة أنجيلا بيليتشاري ، في كتاب لها عن حركات الاحتجاج في القرن الوسطى : "منذ باتت صناعة التاريخ تركن إلى المصطلحات وتهدف إلى إرضاء الجماهير ، ومنذ أمسى "الطراز الحديث" في إيطاليا (وعليها قِس ) معادياً للكثلكة ، راح البشر – من غير سند – يتّهمون الكنيسة بمعاداة القيم الحديثة ، وبانعدام الحس الوطني المدني الحضاري … ولكن الواقع خلاف ذلك! والحقّ انّ للكنيسة وللحضارة الكاثوليكية الفضل في الواقعية السليمة، وفي البحث عن الجمال وإثباته قيمة من القيم السامية (في نطاق الأخلاق والحياء) وفي الشعور العميق الوطني والجماعي ، وفي التعلّق الوطيد بالأسرة (وهذا ما تحاول تقويضه قوى الإلحاد واللاأخلاق في فرنسا مثلاً) ، والسعي الحثيث إلى تقبّل الآخرين وتفهّمهم ، وفي التعبير العمليّ عن المحبة والإحسان والتضامن " كما تألّقت بذلك "الرهبنات المتسوّلة الفقيرة من فرنسيسكانية ودومنكانية وسواها وقد نشأت بالفعل في العصور الوسطى (ص 5 – 6).

خيار عاطفيّ اعتباطيّ ودمار للأسرة وللمجتمع

"اختارت" مؤسسات يعرفها الدارسون والمحلّلون رفع لواء الموبقات ، بذريعة "الحرية" و "حقوق الإنسان"ولكنها اصطدمت – كما في فرنسا – بمقاومة الشعوب لها. وأحياناً كانت الشعوب مقهورة مغلوبة على أمرها ، وقد تحكّمت بها مجموعات من الأقليّات، بحيث انتقلت مُكرَهة ، من الديموقراطية أي حكم الشعب ، إلى ال"اوليغوقراطية" أي حكم أقليّات (ملحدة غير خلوقة) أو ال "أوليغارخيا" أي "سلطة الأقلية".

من شروط الديموقراطية

أن يكون الشعب حرّاً لا مقيّداً كما في الغرب ، حيث لا يحقّ له ولا يجرؤ أن ينتقد فئات معيّنة ، أمّا المسيحيّة ورموزها فما من قانون يعاقب على المساس بها! وصدق هذه المرّة فولتير عندما كتب : "الذين لا تستطيع أن تنتقدهم ، هؤلاء هم سادتك وحكّامك الحقيقيّون".

والشرط الآخر لكي نكون في علمانيّة سليمة لا في دهرية لادينية لا أخلاقية هي المعرفة . فالجهل يدمّر الشعوب والمجتمعات كما قال الشاعر: "العلم يبني بيوتاً لا عماد لها والجهل يهدم بيت العزّ والكرم".

وهكذا لا يكون التصويت حكيماً ولا الشعب فهيماً ، عندما يجهلون جوهر الأمور التي من أجلها أو بخلافها يصوّتون. فالتصويت مثلاً لصالح " تبنّي الأزواج المثلية لأطفال"، يدلّ على جهل مطبق لنفسيّة الطفل وللمبادىء الأولى للتربية ! وحتّى لو حصل ذلك "القانون" المعوجّ على "أكثريّة" (مع أنّ خلاف ذلك هو الصحيح في فرنسا على سبيل المثال)، فلا قيمة معنوية ولا منطقية لتلك الأكثريّة العدديّة المبنيّة على الجهل.

والشرط الثالث هو الأخلاق ، بحيث أن الحرية من غير أخلاق تضحي انفلاتيّة وعبثاً واعتباطية لا تقف عند حدّ كما يقول المثل العربيّ : "إن لم تستحِ ، فافعل ما شئت"!.

خاتمة

لا نروم نحن العرب من مسلمين ومسيحيّين أن ننبذ الديانة والأخلاق بذريعة العلمانية ، ولا نريد تناحراً بذريعة الدين. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين نفتخر بالإيمان ونحن "نريد الله دواماً" سيّداً لنا، لدولنا ولعائلاتنا وأوطاننا وعائلاتنا ومنبعاً لقيمنا وينبوعاً لحياتنا، ونريد الحكمة في تسيير أمور دنيانا، فلا تتعارض مع آخرتنا فنكون في عداد الودعاء العباد الصالحين الذين "يرثون الأرض" مع أنّ " ليس لنا هنا أي على هذه الفانية مدينة باقية"! فلا فردوس أبدياً على الأرض (كما توهّمت أيديولوجية ملحدة من ناحية، وجماعات أمريكية مستحدثة مبدعة من ناحية أخرى) – وذلك لأن القديسَين الرسولين بطرس ويوحنا يعلماننا أن الأرض ستستبدل "بأرض جديدة وسماوات جديدة يسكنها البِرّ " أي الصلاح.

وقبل بداية شهر من الصوم فضيل، يصلّي المرء من أجل العالمين العربي والإسلامي، ومن "أجل كلّ ذي سلطة، لكي نحيا حياة وادعة مطمئنة بكلّ تقوى وكرامة. ذلك له وقع حسن لدى الله مخلّصنا" (تيموثاوس الأولى 2 : 2 وتابع)

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الشرق الأوسط
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً