Aleteia
الثلاثاء 27 أكتوبر
روحانية

النبي يونان والسيد المسيح

abouna.org

أليتيا - تم النشر في 19/06/13

النزاهة في حوار الحياة!

(بقلم الأب د. بيتر مدروس) عهدنا الحوار الأخويّ الإسلاميّ المسيحيّ وهو مبني أوّلا على الاعتراف بالاختلاف وانطلاقا من اليقين ، والأمل أن لا يتحوّل الاختلاف خلافا ولا يفسد للمودّة قضيّة. وعرف كلّ طرف أن يقرأ كتب الآخر بنزاهة وأمانة بحيث أدرك حرفها ونصّها وسياقها وتفسيرها حسب أهلها. وما شكّ مسلم أنّ الإنجيل يقول بصلب السيّد المسيح ولا ادّعى أيّ مسلم أن "الإنجيل ينفي صلب عيسى" ، بما أن مثل ذلك الادّعاء – غير الوارد أصلاً – يعارض النصوص الإنجيليّة الصّريحة. كما لم يزعم قَطّ مسيحيّ أنّ النص القرآني يعرب عن صلب لعيسى ، فنصّه في سورة النساء 156 واضح لا يحتمل الخلط ولا الالتباس !

ولكنّ قوماً قليلين والحمد لله راحوا– منذ زمن قريب-  يدّعون على الكتب التي نقدّسها خلاف ما ورد فيها ، مع أنّ نصوصها جليّة لأولي الألباب ولمستقيمي الفكر والضمير. وهكذا أجروا عملية "تحويل" من بنات أفكارهم رامين بها إلى النصوص التي أعطوها خلاف معناها ، وكأنهم من معشر العبرانيين الذين لسان حالهم يقول سمعنا وعصينا" محرّفين "الكلام عن مواضعه بعد أن عقلوه" ، بحيث جعلوا في مخيّلتهم النصوص الإنجيلية تقول بعدم قيامة السيّد المسيح – مثلاً – في حين أنها أجمعت على تأكيد تلك المعجزة الفريدة.

ولا يريد المرء هنا أن يحكم على النيات فذلك شأن الخالق وحده كما نبّهنا : "لا تدينوا لئلاّ تُدانوا" (متّى 7 : 1). والسؤال : كيف يقول الإنجيل المقدّس بأوضح العبارات أن السيد المسيح صُلب ومات وقام من بين الأموات وتاتي أنت – خارج المسيحيّة وخارج الإسلام ، في بانجالور أو لندن أو كراتشي- لتؤكّد لا أنك أنت تنكر قيامته بل أنّ الإنجيل نفسه كتب أن المسيح لم يُصلب ولم يمت على الصليب ولم يقم في اليوم الثالث؟ ألا تعرف القراءة يا أخا الإنسانية ، ألا تعرف أن تقرأ لسان الضاد أيها العربيّ؟ ولماذا لا تسأل الملمّين بالنصّ الأصلي اليوناني للعهد الجديد؟

"العهد الجديد" جليّ حول صلب السيد المسيح وموته وقيامته، بصرف النظر عن التأويل والاختلاف والاعتراض!

لا شكّ في ذلك ويجب ألاّ يكون شكّ أنّ اسفار العهد الجديد كلّها أجمعت على هذه النقاط الثلاث. أمّا ما تقوله كتب أخرى أو أناس آخرون فهذا موضوع آخر.

اخترع أعاجم ممّا أفاضه نهر مخيّلتهم الواسعة أنّ فعل "صلب" يعني "علّق فلان أحدهم على الصليب ثم مات ذلك المعلّق" بحيث أنّه إن لم يمت على الصليب لا يكون الفعل "صلب" بل "علّق". وهذه – لعمري- من الغرائب والطرائف ومن ثمار الوهم من جهة والإفك غير المبني على واقع ، من جهة أخرى. ففي كل اللغات ولا سيما اليونانية الأصلية فعل "ستافروو" (واللاتيني "كروتشيفيكو") يعني "علّق (أحدهم أو إحداهن) على الستافروس" أو "الكروكس" (في اللاتينية) أي الصليب ، سواء مات المصلوب(ة) أم لم يمت (تمت). فهذا التمييز "الخنفشاري" غير وارد في أي مصدر لا ديني ولا تاريخي ، لا معاصر للمسيح ولا سابق لعصره ولا لاحق له ، لا عند اليهود ولا عند الرومان ولا الفرس ولا اليونان ، وهم أصحاب الشأن في هذا "العذاب الرهيب" (شيشرون).

وسمعنا أيضاً وشاهدنا على الشاشة الصغيرة كذبة "كبيرة" مفادها أن عبارات الإنجيل المقدّس "مات" و "أسلم الروح" عن السيّد المسيح تعني أنه "أغمي عليه" أو "كان مغشياً عليه" ، وكاد يغشى علينا من هول البهتان والتشويه! والحقّ البديهيّ أن الإنجيل يعني الموت أي الوفاة بحيث أن "مات" تعني "مات" ولا تعني "أغمي عليه"! ولذلك ما كسر الجند الرومان ساقيه بخلاف اللصّين المصلوبين معه.

ولا شكّ في قول العهد الجديد بقيامة يسوع. وربّ سائل يسأل : وما آية يونان؟ ألا تعني كالتالي: كما بقي يونان (يونس) في بطن الحوت حيّا ثلاثة ايام وثلاث ليال هكذا بقي المسيح حيّا في الغرفة التي كانت له بمثابة قبر؟

لا يجوز في أي كتاب أن ينسف أحد نصوصاً صريحة بتشابيه أو استعارات. أكيد تأكيد أسفار العهد الجديد لقيامة يسوع طبعاً بجسده المصلوب ولا معنى لأية "قيامة" بجسد آخر!

أمّا التّشبيه أو الاستعارة فهو تقارب وليس تماهياً أي أن يونان النبي (يونس) ليس يسوع ولا يسوع يونان والسمكة ليست القبر . فأين وجه الشبه؟ أولاً في لفظة أو عبارة "بطن" أي أعماق : بطن الحوت (السمكة) وبطن الأرض ، ثانياً في البقاء في الظلمة، ثالثاً: في المكوث المؤقت في الموت. صحيح أنّ يونان صلّى وهو "في جوف الحوت" ولكن من الصعب بقاؤه حيّا كل تلك المدّة. ووجه التشبيه الرابع الوارد في إنجيل متّى هو حسب العقلية والحساب العبريين القديمين في "ثلاثة ايام وثلاث ليال". بخلاف اليوم كان العبرانيون القدماء يحسبون أية مدّة من اليوم يوماً كاملاً ويشيرون إلى ذلك بلفظة "عوناه": طبعاً ، حسب النص الإنجيليّ : بعد صلب المسيح وموته على الصليب : دفنه من الساعة الثالثة ونيّف بعد الظهر إلى الخامسة من مساء يوم الجمعة "عوناه" اي تُحسَب يوماً ، ثم من الخامسة مساء الجمعة حتى الخامسة مساء السبت "عوناه" ثانية أي يوم آخر، ثم من مساء السبت حتى فجر الأحد "عوناه ثالثة" (راجع الكتاب الثمين لشتراك وبيليريبك "تفسير العهد الجديد).

وكما لا يجوز أن يدّعي مسيحيّ أن "النص القرآني يقول بصلب المسيح" وإن كان ذلك من "أمانيه" ، لا يجوز لأي إنسان أن يزعم أنّ "الإنجيل نفسه يقول بعدم صلب المسيح وعدم موته وعدم قيامته" فذلك موقف لا يجوز نسبه إلى الإنجيل . ولا يجوز أن ينسب أحد إلى النصوص القرآنية ما لا تحويه ، إثباتاً لمواقفه بحيث يقحم أفكاره على النص نفسه.

مرّة أخرى: النزاهة في حوار الحياة!

لا يحلّ التلاعب بالنصوص ولا استغلال الأديان للفتن . ويأمل إنساننا العربيّ – على ألاّ يكون ما نرجو سراباً في صحراء – أن تحلّ "الكتب" محلّ السّيف بخلاف قول الشّاعر "السّيف أصدق أنباء من الكتب في حدّه الحدّ بين الجِدّ واللعب".

وألاّ تلعب على رؤوسنا السيوف ولا نتلاعب بالكتب ونحن أهل كتب نقدّسها "راجين أن نجد فيها الحياة" والحياة – لا الموت – "هي نور الناس"!

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
المسيح
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
هيثم الشاعر
الشتائم تنهال على الممثلة اللبنانية نادين نجي...
غيتا مارون
بعد تداول فيديو كنيسة أوروبيّة تحوّلت إلى مطع...
أليتيا
مقتل كاهن في خلال مساعدته امرأة تتعرّض للسرقة
غيتا مارون
هل دعم البابا فرنسيس حقّ المثليّين في الزواج ...
هيثم الشاعر
تدخّل إلهي في مزار سيدة لبنان - حريصا
لويز ألميراس
وفاة شماس وأول حاكم منطقة من ذوي الاحتياجات ا...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً