Aleteia
الثلاثاء 20 أكتوبر
روحانية

القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ بقلم الأب أيوب شهوان

aleteiaar

UCIPLIBAN - تم النشر في 14/06/13

إنجيلٌ مدوٍّ بحياته وبكلمته

مِنْ على قِمَّةٍ، هي من الأعلى في بلادِ الشوف، وبالتحديد من قريةِ الجعايل الشامخة، يُطِلُّ وجهُ القدّيسِ الشهيدِ إغناطيوسَ الأنطاكيِّ، وجهٌ لم نعرفْه بالجسد، إذ "لم تَرَهُ عيونُنا، ولم تسمعْ به آذانُنا، ولم تلمُسْه أيدينا"، لكنّني مع المؤلِّفِ أتصوّرُه في قلبي وبعينِ الإيمانِ وجهًا حنونًا، محبًّا رؤوفًا، وجهًا يعكِسُ نورَ وجهِ المسيحِ بكلّ بهائه، ولا عجب، فهو يحملُ وعنِ استحقاقٍ لقبَ "النورانيّ"، لذلك نَعِمَتِ الكنيسةُ، كلُّ الكنيسةِ، طوالَ ألفَي سنةٍ بحضورِه القويِّ والفاعلِ في قلوبِ أبنائها وبناتِها. من تلك القِمَّةِ الشوفيّةِ إذًا يُطِلُّ نبيُّ زمانِه وكلِّ زمانٍ لِيَبُثَّ بحضورِه الروحانيِّ، وبتعاليمِهِ النبيلةِ والسامية، روحَ السلامِ بينَ الناس، هو الذي، بفضلِ دمِهِ المسفوكِ، وعظامِهِ التي طحَنَتْها أنيابُ الأسود، يتزيّنُ وعن حقٍّ بلقبِ الشهيد، لا بل بلقبِ صانعِ السلام؛ فمَن منّا لا يعجبُ حتّى الاندهاشِ من قدرتِه الهائلةِ على مواجهةِ العنفِ بالردْعِ عنِ الردِّ بالمِثْل، إذ أوصى محبّيه بأن يَدَعوا الوحوشَ تذهبُ في طحنِها لجسدِه الطاهرِ حتّى النهاية، حتّى لا تُبقيَ منه شيئًا، فلا يكونَ عالةً على أحدٍ في موتِه.

إنّني أرى في اتّخاذِ القدّيسِ إغناطيوسَ مُقامًا له في ما بينَنا، وبالتحديدِ في قريةِ الجعايل، أرى يدَ العنايةِ الإلهيّةِ؛ فبوجودِهِ في ما بينَنا عَبْرَ كنيستِهِ، إغناطيوسُ هو صوتٌ صارخٌ أبدًا في آذانِنا، صوتُ نبيٍّ ينادي الجميعَ ويدعوهم إلى الاقتداءِ به في محبّتِه للمسيح، لا بل إلى الاقتداءِ بالربِّ يسوعَ في كلِّ شيء، في محبّةِ الله، والعيشِ في رضاه، والتخلُّقِ بأخلاقِ المسيح، واستلهامِ الروحِ القدسِ، في فهْمِ دعوةِ مريمَ الأمِّ القدّيسةِ ودورِها في سرِّ التجسُّدِ، وخاصّةً في فَهْمِ معنى حَمْلِنا الصليبِ، والسيرِ وراءَ يسوع وعلى خطاه، وبالأخصِّ عندما تطحنُ آلامُ هذا الدهرِ عظامَنا، ولا تُبقي منّا شيئًا، فإنّنا مِثْلَه قادرونَ بقوّةِ مَنْ قوّاهُ أمامَ الموتِ والاستشهاد، أن نُدرِكَ أنّ آلامَ هذا الدهرِ لا توازي المجدَ الآتي، وأنّ حياتي هي المسيح.

هذه المعطياتُ العظيمةُ في حياةِ القدّيسِ إغناطيوسَ، كما في استشهادِه، في مَثَلِهِ كما في تعليمِه، أبدَعَ المؤلِّفُ الأبُ جرجس لحّود في عرضِها وتقديمِها لنا في كتابِه الشيّق؛ فلقد كرّسَ الأب جرجس لرسائلِ القدّيسِ إغناطيوسَ حوالَى 90 صفحة من كتابِه ليعرضَ فيها أهمّيّتَها، ومكانَ تأليفِها، ومضمونَها، ومصادرَها، وطابَعَها، وصحّتَها، ثمّ أدرجَ نصوصَها، مقدِّمًا لذلك بموجزٍ عنها، لينتقلَ بعدَ ذلكَ إلى إبرازِ لاهوتِها وروحانيّةِ واضِعها، ومكرِّسًا لذلك حوالى السبعينَ صفحة، بَوَّبَ فيها أهمَّ ما جاء في الرسائلِ المذكورة عنِ العقائدِ المسيحيّةِ اللاهوتيّةِ، وعنِ التعاليمِ الخُلُقيّةِ، وعن سرِّ العمادِ المقدّس، كما أيضًا عنِ الوَحدانيّةِ والوحدةِ اللتين تضمنانِ للمؤمنينَ بالمسيحِ العيشَ معًا متّحِدِينَ برباطٍ ثالوثيٍّ وإفخارستيٍّ وكنسيٍّ ولا أقوى.

لقد بيّنَ المؤلِّفُ بوضوحٍ شيِّقٍ أنّ القديسَ إغناطيوسَ عرفَ أن يكونَ أسقفًا صالحًا وَفْقَ قلبِ الربّ، لأنّه كانَ عالمًا بالمسيح، ضليعًا في معرفةِ الكتبِ المقدّسة، عابدًا بالروحِ والحقّ، طائعًا حتّى الامّحاءِ لمشيئةِ الله، عطوفًا على اليتيمِ والأرملةِ والمسكينِ والغريب، كما يوصي بذلك العهدُ القديم، ويشدّدُ عليه ربُّنا يسوعُ في تعليمِه.

كتابُكَ، أيُّها الأب الحبيب جرجس، لن يكونَ كتابًا بينَ الكتُبِ الكثيرةِ التي تملأُ رفوفَ مكتبتي، بل سيحتلُّ مكانًا خاصًّا ومرموقًا، لأنّي أشعرُ بدافعٍ قويٍّ لأنْ أُكرِّرَ قراءَتَه وأتأمّلَ بمضامينِه، لأنّكَ به ومن خلالِه قدَّمْتَ لنا-كُدْتُ أقولُ- "الإنجيلَ بحسبِ القدّيسِ إغناطيوسَ الأنطاكيّ"، لأنّ حياةَ هذا الرجل، وقدوتَه، ومَثَلَه، وكتابتَه وتعاليمَه المتنوّعة، واستشهادَه وما رافقَ ذلكَ من أقوالٍ أطلقَها وهو يتقدِّمُ مصعِّدًا إلى ذروةِ الجلجلةِ الرومانيّةِ، إلى مسرحِ التضحيةِ بالمسيحيّينَ بالطرقِ الأكثرَ فظاعةً هناك، مردّدًا قولَ سيّدِه قبيلَ صلبِه وموتِه، "لتكنْ مشيئتُكَ لا مشيئتي"، كلُّ ذلك يشكّلُ، بالنسبةِ إلى "مَنْ قبلوا الربَّ، وأُوتوا بالتالي سلطانًا أن يصيروا أبناءَ الله"، "إنجيلاً" بكلِّ ما للكلمةِ من معنى، ولو لم يكن بالمعنى القانونيّ للكلمة. لذلك، ولأنَّكَ نجحتَ، أبتِ المؤلِّف، في التعريفِ بالقدّيسِ إغناطيوس، وبتقديمِ تعاليمِه ومحاورِها المتنوّعة، البيبليّة، واللاهوتيّة، والليتورجيّة، والخُلُقيّة، والكنسيّة، والمريميّة، والاجتماعيّة، وغيرِها، أراني مدفوعًا بكلّ ذلك وبقوّةِ روحِ القدّيسِ إغناطيوس إلى أنْ أُعيدَ قراءَتَه مرارًا وتكرارًا، وأمامَ ناظريَّ مشهدُ الشهيدِ العظيمِ يتحوّلُ قربانًا مقدّسًا، وبواسطةِ ذلك يصلُ، كما يقول، إلى الله الآب.

لقد أضفتَ، أيُّها الأبُ الحبيب، خطوةً لا بل خطواتٍ جديدةً في طريقِنا إلى فهْمِ رسائلَ القدّيسِ السبعِ الرائعة، التي اعتُبِرَتْ في المرتبةِ الثانيةِ بعدَ رسائلِ القدّيسِ بولس، والتي استودَعَها عُصارةَ قلبِهِ وعمقَ فكرِهِ ليسوعَ ولكنيستِه، لا بل حتّى للمضطهِدِينَ والخصومِ والمناوئين، وضمّنَها توجيهاتِه الراعويّةَ والأسقفيّةَ والكنسيّةَ التنظيميّة والمسلكيّةَ وغيرَها.

وفي كتابِكَ القيِّم، أيُّها الأبُ الحبيب، كشفتَ الوجهَ الحقيقيَّ لرعيّةِ المسيحِ، رعيّةِ مار إغناطيوس، في قريةِ الجعايل، فأبرزتَ محبّةَ أبنائها لشفيعِهم وتعلُّقَهُم به، الأمرُ الذي جعلَهُم يهبّونَ لبنائِها وللمرّةِ الثالثةِ في أقلَّ من خمسةٍ وستّينَ عامًا. إنّ تذكيرَكَ لنا بأنّ المثلّثَ الرحمةِ، المطران الكبير إغناطيوس مبارك، هو الذي أوحى بتسميةِ الكنيسةِ على اسمِ القدّيسِ إغناطيوس الأنطاكيّ، وهو الذي كَرَّسَ مذبَحها سنة 1948، لَيَدفَعُنا إلى توجيهِ عاطفةِ امتنانٍ بنويٍّ عاطرةٍ لروحِه الطاهرة، وعاطفةً مماثلةً لسيادةِ المطران بولس مطر، راعي أبرشيّتِنا وراعي هذا الاحتفال.

أيُّها الأب الحبيب، في مشروعِ تحقيقِ كتابِكَ، انطلقتَ من القلبِ النابضِ بمحبّةِ شفيعِ قريتِك، فإذا بهذا الحبِّ يُثمِرُ مرجعًا عن القدّيس إغناطيوسَ، قد يكونُ دونَ مثيلٍ في المكتبةِ العربيّة. لقد قمتَ بذلك لأنّكَ أحببتَ أبناءَ قريتَكَ وبناتِها، أحببتَ أن يعرفوا قدّيسَهم، ويكرموه، ويقتدوا به، ويلتجئوا إلى شفاعتِه، كما يليقُ بالمؤمنِ المنوَّرِ، فعرّفتَ بشخصِه، بدءًا بطفولتِهِ وتنشئتِه، وقبولِه الدرجةَ الكهنوتيّة، وارتقائه إلى رئاسةِ كنيسةِ أنطاكية، وصولاً إلى استشهادِه، كما عرّفتَ أيضًا برسائلِه وبما كُتِبَ عنه قديمًا وحديثًا. كتبتَ تاريخَ قريتِكَ، ولم تَكُنِ المَهمّةُ سهلةً، نظرًا لندرةِ الوثائقِ والمراجع، فإذا أنتَ توفِّرُ لأبناء الجعايلِ ولبناتِها زادَين، واحدًا زمنيًّا وآخَرَ روحيًّا. نعم، لقد نجحتَ، أبتِ الحبيب، ليس فقط في وضعِ هذا الكتاب، بل أيضًا وخاصّةً في أن تكونَ قدوةً في محبّتِك الشديدةِ للقدّيسِ العظيم ولرعيّتِك، ومثالاً يُحتَذَى في الصبرِ على الكدِّ والمواظبةِ وطولِ البال، حتّى ولو امتدّ إلى سنواتٍ، فإذا بك جنديٌّ بكلّ ما للكلمة من معنى لقضيّةٍ تستحقُّ هذا البذلَ كلَّه.

لقد تحقَّق الهدف، فيحقُّ لك بالتالي أن تطمئنّ وترتاح، ولكنّ حدسي يقولُ بأنّك تُعِدُّ العدّةَ لمشروعٍ آخَر، وهذا فقط لأنّ مَن ذاقَ طعمَ الكتابةِ قد لا يستطيعُ أن يرفسَ مهمازَ هذه الرسالةِ النبيلة! فكما شدّك القدّيسُ إغناطيوسُ إليه بقوّة وبكلِّ جوارحِكَ، حتّى أضحى جزءًا منك ومثَلَكَ الأعلى، وباتَتْ سيرتُه جزءًا من كيانِك، هكذا، على ما أظنُّ، تشدُّكَ الصَنعَةُ الشعريّةُ التي تملأُ كيانَك، إلى أن تُتحِفَنا أيضًا بما جادَ به اللهُ عليك في مجالِ الإبداعِ الشعريّ.

فشكرًا لك، أبت الحبيب، على حسنِ صنيعِك، وليشفَعْ بك وبنا جميعًا القدّيسُ العظيم الشهيدُ مار إغناطيوس الأنطاكيُّ النورانيُّ.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
هيثم الشاعر
رسالة من البابا فرنسيس والبابا الفخري بندكتس ...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
غيتا مارون
بالفيديو: الحبيس يوحنا خوند: يا مار شربل عجّل...
depressed Muslim woman in Islam
هيثم الشاعر
فاطمة فتاة مسلمة رأت يسوع يرشّ الماء عليها قب...
غيتا مارون
إلى كل الحزانى والمتألمين… ارفعوا هذه الصلاة ...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً