Aleteia
الأربعاء 21 أكتوبر
نمط حياة

الوجود المسيحي دوراً ومسؤوليات بقلم جوزف الهاشم

© ERIC FEFERBERG / AFP

Habitantes de Mali saludan a militares franceses en Bamako (norte de Mali), 15 de enero de 2013

أليتيا - تم النشر في 30/05/13

ان الحروب التي اجتاحت المنطقة كانت بمجملها تتوشى بنزعة طائفية صارمة

الصراع التاريخي بين الاتنيات البشرية في المشرق العربي ليس ظاهرة جديدة، بمقدار ما يعود الى اعماق الزمن وعهد الديانات القديمة، وفق ما كانت توحي به الآلهة الوثنية لشعوبها.

هذا الصراع لم يحتدم بنزعة طائفية حادة كمثل ما آلت اليه الحال بعد ظهور الديانات السموية، حتى ان اليونان والرومان على تعدد آلهتهم كانوا يتحلّون بدرجة عالية من التسامح الديني منذ القرن الثالث عشر ق.م. عملاً بما يقوم عليه شعار سياستهم الدينية "عش ودع الآخرين يعيشون…".

والمسيحيون عبر التاريخ عانوا بسبب معتقدهم ألواناً من الاضطهاد ولا أرهب، بدءاً بما ارتكبه الأباطرة الرومان من فواجع. ولم يكن العصر الفارسي والعربي والصليبي والعثماني عندنا بأقل رحمة ورأفة بما كان يُفرض على المسيحيين من تحريم وتغريم، وما يستهدفهم من مجازر وتهجير وفتن.

وباختصار تاريخي نقول: ان الحروب التي اجتاحت المنطقة على مدى العمق الزمني الغابر كانت بمجملها تتوشى بنزعة طائفية صارمة، حتى ان الحقبة الصليبية لم تكن الا تتمة لسلسلة من الحروب البعيدة الأمد بين الشرق والغرب، والتي بدأت بين الأغريق وداريوس الفارسي واستمرت بين البيزنظيين والمسلمين، ولا نزال نحن نعاني من إرث مضاعفاتها.

نعم… لقد كان عهد الانتداب الفرنسي متنفساً لتاريخ طويل من المعاناة بما منح المسيحيين في لبنان من ضمانات تبدد لديهم هواجس القلق، الا انهم لم يحسنوا استعمال هذه الضمانات بما يشكل عنصر اطمئنان للشركاء الآخرين حيال ما هو حرمان في المشاركة وغبن. على ان المحطات التاريخية على اختلاف حراراتها لحظت عِبَراً ومسلّمات وثوابت منها:

1.     ان اي حروب يزج المسيحيون أنفسهم بها، فإنما يكونون هم وقودا لها وأكباش محرقة فيها، بما تعكس عليهم من أهوال قد يسلم منها غيرهم.

2.    ان السلاح المسيحي الأمضى الذي يضمن الوجود المسيحي والحقوق والدور الطليعي، هو سلاح العقل المتفاعل مع خصوصية الشركاء الآخرين في الوطن ومع التحولات المتقلبة في المنطقة.

3.     ان العقل المسيحي المتميز: الفكري والسياسي والأدبي والصحافي والشعري هو الذي رسّخ الوجود المسيحي في المنطقة، وحقق حضوراً متفوقاً للمسيحيين، تخطى المحافظة على الشأن الخاص الى الحفاظ على تراث العرب وثقافتهم وحريتهم ضد التتريك: تتريك الأرض وتتريك اللغة وتتريك القرآن. حتى قيل: "ابرهيم اليازجي علّم العرب اللغة العربية، وجرجي زيدان علّم المسلمين تاريخ الاسلام".

وان ثقافة العقل المسيحي الراجح والكبير التي جسّدتها قامات مسيحية على رأسها البطريرك الحويك، هي التي جعلت من جبل لبنان دولة لبنان الكبير، وعندما انخفض حجم العقل المسيحي، تهجّر المسيحيون من لبنان الكبير، وخسروا نصف الجبل.

4.    ان أخطر ما يهدد المسيحي الحر والآمن والمميز، ويقلّص الحضور والدور والحقوق هو التقوقع والانعزال والانكفاء. وإن أي عصبية مسيحية نافرة، أو خصوصية سياسية حصرية جامدة، أو تجمعات منكمشة على ذاتها، من شأنها أن تؤدي الى فك الارتباط بالشريك الوطني الآخر فيكون الانغلاق سبباً للاختناق.

5.    عندما تنتفي المصلحة السياسية المشتركة بين الشركاء في الوطن، تنتفي معها حاجة أحدهما الى الآخر، فتتفكك صيغة الاندماج المجتمعي ويتعرض المصير الوطني الواحد للاهتزاز، وان فك الارتباط بالآخر المحلي يؤدي حكماً الى فك الارتباط بالآخر الاقليمي، خلافاً لما أوصى به الارشاد الرسولي البابوي بدافع من الحرص على مصلحة المسيحيين.

لعل أخطر ما يكمن في الاحداث التي نعيشها اليوم هي انها تتحرك بهبوب ريح تفتقد ضوابطها، وفي حين ان الاحداث تقليدياً تحرّكها دول وتنهيها دول بفعل ضرورات المصالح وتوافقها، فإن الأحداث التي تندلع اليوم تقودها الشعوب عشوائياً وتعجز عن ضبطها الدول.

وان أخطر وجوه هذه الاحداث هي تلك الارتدادات الاصولية والتكفيرية التي انبعثت من رحم الانتفاضات العربية الخلابة فراحت تستبيح لنفسها فتاوى فقهية تتعارض مع المبادئ الدينية المطلقة، بل تتناقض مع مثيلاتها من الاصوليات المتطرفة في صراع متشعب من الغرائز والنزاعات، ومن الاجتهاد والتفسيرات قد يصل الى حدود التكفير.

هذا، الواقع الخطير يحتم في شكل أعمق وأدق، الانفتاح الارحب على الشريك الوطني الآخر، عبر قيام جبهة مسيحية اسلامية مشتركة تستلهم حقيقة جوهر الاديان، لانقاذ المبادئ الروحية من التحريف والتشويه، ومواجهة الانفعال الديني بالاعتدال العقلي، في اطار وحدة روحية انسانية وطنية لا تتوافر الا في وطن تكامل الرسالات.

وفي اعتقادنا ان جبهة من هذا النوع محصنة بنخبة مختارة من أهل الفقه والفكر السياسي وعلماء الاجتماع، لا بد من ان تحظى بدعم عربي ودولي هما ايضاً مهددان في زمن الانقلابات الاصولية الخطيرة على الله، والارتكابات الفواحش في حق كينونة الانسان.

ان الموضوع على خطورته المصيرية، لا يصح ان يعالج بالمسكنات الآنية وإبر التخدير، فلا الانتخابات، ولا المناصفة، ولا المناصب، ولا المكاسب الظرفية، هي التي تؤمن حصرياً الوجود المسيحي المنشود، بقدر ما هي وسائل تتوقف أهميتها في تحقيق الهدف على مقدار حسن استعمالها.

ان الضمانات التي منحها دستور سنة 1920 للمسيحيين، بما استأثروا به من سلطة ومراتب ومناصب، تقلّصت في غفلة زمنية، بسبب ارتباك فكري واستدراج مسيحي الى حلبات الحروب، فانكفأ المسيحيون طائفياً، وقاتلوا عسكرياً، وتقاتلوا جانبياً.

وليس هناك من ضمانات حقيقية، الا تلك التي يضمنها النظام: النظام يضمنه الانفتاح الوحدوي، والنظام الوحدوي يضمن الصيغة والصيغة هي التي تجعل من لبنان وطناً ورسالة، وليس الا في لبنان الرسالة من ضمان مأمون ومأمول للمسيحيين في لبنان، ومنه للمسيحيين في المنطقة.

ادعم أليتيا

إن كنت تقرأ هذا المقال فذلك تحديداً بفضل سخائك وسخاء عدد كبير من أمثالك الذين يجعلون من مشروع أليتيا التبشيري واقعاً. وإليك بعض الأرقام:

-      ٢٠ مليون مُستخدم يقرأون Aleteia.org شهرياً. 

-      تصدر أليتيا بشكل يومي بثماني لغات: الفرنسيّة، الإنجليزيّة، العربيّة، الإيطاليّة، الإسبانيّة، البرتغاليّة، البولنديّة والسلوفانية. 

-      يتصفح قراؤنا شهرياً أكثر من ٥٠ مليون صفحة.

-      يُتابع ما يُقارب الأربعة ملايين شخص أليتيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

-      تنشر أليتيا شهرياً ٢٤٥٠ مقال وما يُقارب الـ٤٠ فيديو.

-      يعمل ٦٠ شخصا بدوام كامل على هذا المحتوى بالإضافة الى ٤٠٠ معاون (من كُتّاب وصحافيين ومترجمين ومصورين...)

إن هذه الأرقام ليست سوى ترجمة لجهد كبير. نحن بحاجة الى دعمكم للاستمرار في تقديم خدماتنا للجميع بغض النظر عن مكان سكنهم وسواء كان بمقدورهم الدفع أم لا.

ادعموا أليتيا بدولار على الأقل لن يتطلب ذلك منكم أكثر من دقيقة. شكراً. 

 

Tags:
الاضطهاد
صلاة اليوم
اليوم نحتفل أيضاً بـ




Top 10
priest in Greece
هيثم الشاعر
تركيا تلقي القبض على راهب سرياني أرثوذكسي وال...
هيثم الشاعر
بالفيديو: لحظات صادمة حاول فيها مخرّب نزع صلي...
ماريا لوزانو
لبنان: "الراهبات في بيروت شهادة حيّة للمسيح ع...
Igreja em Pearl River tem altar profanado
أليتيا
كاهن وامرأتان يرتكبون أفعالًا مشينة على المذب...
أليتيا
خاص عبر "أليتيا العربيّة"… رسالة رجاء من القد...
أليتيا
قصة حب رائعة حصلت على فراش الموت في لبنان...أ...
JACOB BARNETT
دولوريس ماسوت
قالوا انه لن يُجيد سوى ربط حذائه وها هو اليوم...
المزيد
النشرة
تسلم Aleteia يومياً