أليتيا

لتصويب الأمور حول الصوم وانتقادات بعض (المؤمنين) التي لا تليق بالقيم المسيحية…هذا هو صَوم المسيحي!!! هكذا يجب أن نفهمه!!! ونعيشه!!! وكفانا تديناً كاذباً

مشاركة
تعليق

لبنان/ أليتيا (aleteia.org/ar)  رُبّما يَنتظر منّي القارئ، أن أُقدّم مُطالَعَةً كلاسيكيّة في موضوع الصّوم المسيحيّ، تَستندُ في مُنطلقاتها إلى قائمةِ تَحَقُّقcheck-list تَعرِضُ لعَدَدٍ من الممنوعات والمسموحات، فتَضمَن حُسنَ القيام بواجب الصّيام، ويَجِدَ فيها ملاذاً آمناً وسبَباً للإطمئنان ونوعاً من الراحةِ الدّاخليّة، ولَو على حِسابِ جوهريّة الإيمان والمعتقد المسيحي، وحتّى حقيقة الصّوم، وفي هذا لا أَجِدني نافعاً. في الواقع، لستُ في واردِ تقديم مُطالَعةٍ كهذه، ولا قائمة تَحَقٌّق، لأنَّ أمراً كهذا لا يُضيف مقدار أُنمُلَة إلى قامة المؤمن الروحيّة، ولا يَغدو عن كونِه تَدَيُّناً كاذِباً يتغلغل في الإنسان بواسطة الطّعام، فيتلهَّى بماذا يأَكل؟ وماذا يشرب؟، على حِساب الجوهري الذي هو طلب ملكوت الله وبرّه، بعيداً عن التزلّف والمراءاة والتمترس وراء كَمٍّ من الشعائر الخارجيّة التي”لا يُمْكِنُهَا أَنْ تَجْعَلَ مَنْ يُقَرِّبُهَا كامِلاً مِن جِهَةِ الضَّمِير(عب1\9).

 

في منظور الكتاب المقدّس، ليس الصّوم مساحةً للأكل أو عَدمِه، فلا الأكلُ ولا عَدَمه يَضمنان دخولَ ملكوت الله:”لا تَهتَمّوا فَتَقولوا: ماذا نَأكُلُ؟ وماذا نَشْرَبُ؟ وَماذا نَلْبَسُ؟ فَهَذَا يَطْلُبُهُ الوَثَنيّون. وَأَبوكُمُ السَّماويُّ يَعرِفُ أَنَّكُم تَحتاجونَ إلى هذا كُلِّهِ”(متى6: 31-32)؛ بل هو مساحة لتتميم بِرِّ الله الذي يتألّقُ في أعمال المحبّة في بُعديها الإلهيّ والبشري:”أُطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَ اللهِ وبِرَّهُ فَيَزيدَكُمُ اللهُ هذا كُلَّه (متى6: 33)، وهو بِرٌّ يمتَدُّ لا على عَدَدٍ مُعيَّنٍ من الأيّام يُحصَرُ بخمسين، أو أقّل بقليل، بل يَنسحبُ على عَدَدِ أيَّام السنة، لا بل السّنين التي يَعيشها الإنسان، لِيطبع الأيّام والسنين بطابع الألوهة القادرة فيه وبواسطته على تصحيح الواقع الضّعيف وخلقه من جديد، بحيث يتناسَبُ مع طبيعة الإنسان المدفوع بالفطرة والنعمة إلى الألوهة.

 

وفي تَتميمه لِبِرِّ الله، يدخُل المسيحي الصائمُ في الصّحراء الروحيّة حيثُ “لا سوس يُفسد ولا صدأ، ولا سارقون يسرقون”(متى6\20). صحراء الصائم الروحيّة هي حالَةً العُزلة والصمت والتطلُّع والتخلّي والتحرّر، التي يَذهبُ إليها طوعاً للقاء الله ولِمُحاربة الخطيئة الساكنة فيه، والتي منها كُلّ تَكَبُّرٍ ورَفضٍ وأنانيّةٍ ورجاسَةٍ وظُلم(روم7\17). في صحرائه، يُقيمُ الصائمُ في عُزلَةٍ بعيداً عن الضَّوضاء والضّجيج والمُشوّشات والمُعَوّقات وهموم الدّنيا التي تختصرها عبارتي: ماذا نأكل؟ ماذا نشرب؟، ويتفرَّغُ للصلاة الصامتة حيثُ ينشَغِلُ الذّهن والحواس والمشاعر والعواطف بالتطلُّعِ contemplationبالكلمة الإلهيّة، التي منها كُلّ إيمانٍ ومحبـَّة واستقامةٍ وفرَحٍ وسَلام وَطول أَناةٍ ولُطْفٍ ووداعةٍ وتَعَفُّف(غلا5\22-23)، وحيثُ يَتمُّ التبادلُ العجيب بين المُصَلّي والمُصَلّى له، الإنسان والله؛ فيُفرِغ المُصلّي ذاتَه أمام الله بِما فيها من جمالٍ وقباحة، ويسمح لله بأن يُفرِغَ ذاتَه الإلهيّة فيه، فتَهتديَ الذّات المُنحرِفَة، ويُصَحَّحُ الواقع الضّعيف المَمهور بالسقطات والخيبات والخطايا، ويَشفى القَلبُ والنَظَرةُ، ويَرتَدُّ الفِكرُ، وتتعَفَّفُ الكلِمةُ، وتستقيمُ الأفعالُ والعلاقات، وتُفتَحُ الحدود التي أقفلتها الأنانيّةُ أمام الأُخُوَّة الشاملة، فيتوقّف هذا “الآخر” عن أن يكونَ أَخيراً ونَكرَة، ليُصبِح قريباً، وقريباً جداً، وحاضراً بقوّة في مجال الحياة الخاصّة.

 

هذا هو صَوم المسيحي، هكذا يجب أن نفهمه ونعيشه: عُزلَةٌ عن العالم، صمتٌ وصلاة، انتباهٌ وإصغاء للكلمة الإلهيّة، تأمّلٌ وتطلّع، تفريغٌ وامتلاء، حضورٌ من أجل قداسة الذّات وقداسة العالم.

 

 

للراغبين بالصلوات اليومية تابعونا عبر صفحة

ALETEIA \ DAILY PRAYERS

للراغبين بمتابعة أخبار المسيحيين في كندا وأمريكا تابعونا عبر صفحة

Aleteia Arabic USA \ CANADA

 

للراغبين بمتابعة أخبار المسيحيين في أوروبا تابعونا عبر صفحة

ALETEIA ARABIC \ EUROPE

 

للراغبين بمتابعة أخبار المسيحيين في أستراليا تابعونا عبر صفحة

ALETEIA   ARABIC \ AUSTRALIA

 

للراغبين بمتابعة أخبار البابا تابعونا عبر صفحة

ALETEIA AR \ POPE NEWS

العودة إلى الصفحة الرئيسية

This story is tagged under:
aleteiaالمؤمنيناليتياصوم
النشرة
تسلم Aleteia يومياً