أليتيا

هل توافق الكنيسة على التبرّع بالأعضاء؟

أليتيا
مشاركة
تعليق
روما/أليتيا (aleteia.org/ar) – يمثّلُ منح الأعضاء “شكلاً مميزًا من الشهادة للمحبة”. وتشجّعُ الكنيسة ممارسته لأنّه يعالج، لا بل ينقذ حياة كثيرين، ولأنّه يدخلُ في شريعة الخير والمجانية.
تتضمن عملية منح عضو تخويل المانح بزرع أعضاء معتبرة سليمة، وفي ظروف تسمحُ بأن تؤدي وظيفتها في شخص آخر يحتاج إلى ذلك العضو، فيعطيه بذلك الفرصة لتحسين ظروفه الحياتية ومنع وفاته. بالنسبة للكنيسة، يكتسبُ هذا المنح معنىً “في زمنٍ كزمننا والذي يتّسم غالبًا بأشكال عديدة من الأنانية”. ويدخل ضمن منطق المجانية “الضرورية لخلق مفهوم صحيح عن الحياة” والتحقيق الكامل لعدالة أصيلة، لدرجة بحسبها “لا يُمنح ببساطة شيءٌ من الجسم، بل يُمنح جزءٌ من الذات” (يوحنّا بولس الثاني، 29 أغسطس 2000). تشملُ الاجراءات المتبعة في منح الأعضاء قسمًا خاصًّا من العلوم الطبية، التي على الرغم من كلّ “أمل في الصحّة والحياة” تتطلب “تفكيرًا إنسانيًا وأخلاقيًا دقيقًا” (يوحنّا بولس الثاني، 29 أغسطس 2000). وتختلف الحاجات الأخلاقية لعملية زرع لمانحٍ متوفي عن تلك التي تُجرى لمانحٍ حيّ.
وكي تكون عملية منح الأعضاء فعلَ خير، لابدّ من احترام بعض المتطلبات الأخلاقية. ففي حالة مانح حيّ، لابدّ من “الحصول على موافقته” والتأكّد من غياب “الأخطار المفرطة” على صحته.
إنّ “الموافقة المعلنة للمانح شرطٌ مسبق كي تكون لعملية الزرع سمة الهبة ولا تُفسّر كفعلٍ قسري أو كاستغلال” (بندكتس السادس عشر، 7 نوفمبر 2008). قد يكون تطبيقُ هذا الجانب معقدًا لأنّه، ولكي تنجح عملية الزرع، من الضروري أن يتوافق العضو المزروع مع النظام المناعي للمتلقي له. ولهذا الغرض يبحث الأطباء أولاً عن شخصٍ من العائلة، حيث توجد احتمالية أكبر في إيجاد شخص مناسب. ولابدّ أولاً من التحقق من خطر الضغوطات العائلية (فقد تُمارس ضغوطات على أحدٍ ما ليمنح أحد أعضائه)، وبالتالي يكون “فعلاً قسريًا” على المانح يُستغل من خلاله. ولذلك لابدّ من التأكّد بأنّ موافقة المانح نابعة عن قرار حر وواضح، وأن يُبلّغ المانح بجميع الأخطار التي تتضمنها موافقته. بالنسبة للكنيسة، يمكن منح الأعضاء فقط “إذا كانت الأضرار والمخاطر الجسدية والنفسية التي قد تلحق بالمانح للعضو، تتوافق مع الخير الذي يُترجى في المتلقي له” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، عدد 2296). وتقع على الطبيب مسؤولية التمييز، مع المانح، إذا كانت المخاطر المرتبطة بزرع العضو تتناسب مع الخير المترجى للمريض المتلقي له. ولابدّ من الأخذ بالاعتبار الحالة الصحيّة سواء للمانح أو للمتلقي. أمّا الأعضاء الحيوية فتُستخرج فقط بعد الموت، لأنّ استخراجها يؤدي بالضرورة إلى موت المانح.
في حالة مانح متوفي، من الضروري الحصول على موافقة المانح عندما كان في الحياة أوعائلته، وكذلك التحقق من الوفاة.
المقياس المستخدم بالعموم للتحقق من موت شخصٍ ما هو التوقف الكامل والنهائي لنشاط الدماغ. وتسمح التقنيات الطبية، في أيامنا هذه، بالحفاظ على نحوٍ مصطنع بمعدل ضربات القلب والتنفس لشخصٍ فقدَ دماغُهُ جميع نشاطاته (أي يمكن اعتباره متوفيًا) ولأعضائه، التي تتمتع بإمدادات جيدة للدم، القدرة على العيش في المريض. زادت هذه التطورات إمكانية زرع أعضاء المتوفين بصورةٍ ملحوظة، ولكنّ البعض تراودهم تجربة استغلال الجثث دون احترام إرادة المتوفي أو عائلته، أو يقومون بالزرع دون التأكّد من وفاة المانح. إنّ “منح الأعضاء بعد الموت فعلٌ نبيل ويستحق الاحترام” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، عدد 2296). وإذا كانت الكنيسة تواصل الحديث عن “هبة”، حتّى بعد موت الشخص، فلأنّها تؤمن بأنّ زرع الأعضاء هو دومًا ثمرة هبة إرادية وسخية، على أن لا “يُملك” الجسد وأن يكون الهدف – علاجُ شخصٍ ما – جديرٌ بالاستحقاق. إنّ الكلام عن موافقة المانح أكثرُ تعقيدًا في حالة شخص متوفي؛ ففي حالة غياب وعي المانح قبل موته، تكتسبُ “موافقة أقربائه نفس القيمة الأخلاقية”. ويحدث غالبًا أن “تجري علمية زرع الأعضاء بفعلٍ مجاني تمامًا من جانب الأقرباء”. في هذه الحالة، لا تقع المسؤولية على المتوفي، بل على أقربائه. إنّ الاجراءات الموجّهة لضمان موافقة المتوفي تختلف بحسب البلدان والأنظمة التشريعية. وهناك حلاّن بديلان: الموافقة المبدأية والرفض المبدأي. في الحالة الأولى، يسمح الشخص بزرع أعضائه إلاّ إذا غيّر رأيه قبل موته. وفي الحالة الثانية، يُعتبر الشخص غير موافق إلاّ إذا أعلن العكس قبل موته. داخل هذين النظامين هناك العديد من التغيرات المبنية على إرادة عائلة المتوفي. لا تحكم الكنيسة على كلّ واحدة من هذه التدابير، ولكنّها تذكّر بالمبادئ التي تقودها؛ فلابدّ أن يكون الزرع ثمرة هبةٍ وأن تؤخذ بالاعتبار رغبةُ العائلة. من هذه النتائج، يمكن الاستنتاج بأن الموافقة المبدأية التي تحرم العائلة من حقّ الاعتراض على الزرع، لا تتوافق مع موقف الكنيسة. والأعضاءُ الحيوية تُزرع فقط من جسدٍ ميت. وفي حالة العكس، يصبح الزرع بحدّ ذاته سببًا للموت. ونطرح السؤال مرةً أخرى: كيف يمكن التأكّد من موت شخصٍ ما؟ بحسب البابا يوحنّا بولس الثاني، الموتُ هو “التفسخ الكامل لتلك الوحدة المتكاملة التي يكوّنها الشخص بذاته، كنتيجة لانفصال مبدأ حيوي أو النَفَس عن الجسد”. إن موت شخصٍ ما، أضاف البابا، “يُنتج حتمًا علاماتٍ بيولوجية يتعرف عليها المرء بطريقةٍ معمقة ومفصلة” (يوحنّا بولس الثاني، 29 أغسطس 2000). أوّلُ مادة تتلفُ في الجسم لدى الموت هو الجهاز العصبي. ولكن، وكما أكّد البروفسور بابلو ركويرا مينا، وظيفة هذا النظام مهمة لدرجة أن تلفه يجعلُ الحفاظ على تكامل الجسم مستحيلاً. ويمكن اعتبار هذا التلف، والذي يتمّ بالتوقف الكامل لنشاط الدماغ، علامة أكيدة على موت الشخص. يمكن في هذه الحالة طرح مسألة شرعية الزرع من جانب المانح الذي يُسمّى “ذات القلب المتوقف”، كتلك المُصرح بها في بعض البلدان (الولايات المتحدة الامريكية، فرنسا، هولندا، …). إنّ المانحين في أغلب الحالات ضحايا النوبات القلبية، حيث يتوقف القلب ولكنّ الدماغ يستمرُ بإعطاء علاماتٍ عن فعّاليته ونشاطه. وحدثَ أحيانًا أن استعاد الأشخاص، الذين كانوا معتبرين “بقلبٍ متوقف”، الوعيَ وعادوا ليعيشوا حياةً “طبيعية”. تبدو عملياتُ الزرع إذًا متناقضة مع تعليم الكنيسة. وفي هذا السياق، شرح البابا بندكتس السادس عشر بأنّه “لا يجب أن يوجد أدنى مستوى من الاعتباطية، وإذا لم يتمّ التوصل بعد إلى اليقين، لابدّ أن يسود مبدأ الحذر” (بندكتس السادس عشر، 7 نوفمبر 2008).
النشرة
تسلم Aleteia يومياً